|
محمود شقير وفن القصة د. حسين جمعة
علم من أعلام فن القصة في فلسطين والأردن... ذو حضور بهي يتجدد باستمرار مع كل إطلالة... في كل مجموعة قصصية جديدة يصدرها ومع كل قصة يكتبها، دائم البحث عن مسالك مستحدثة، ودروب سرية يبتدعها لبلوغ مأربه والوصول إلى غايته، فهو متابع عنيد لما يجري في واقعه، وفي متاهات التجريب والإبداع التي غزت مسارب الأدب العالمي وشكلت اتجاهاته المتباينة.
محمود شقير وفن القصة د. حسبن جمعة ناقد من الاردن 1 محمود شقير وفن القصة د. حسين جمعة
علم من أعلام فن القصة في فلسطين والأردن... ذو حضور بهي يتجدد باستمرار مع كل إطلالة... في كل مجموعة قصصية جديدة يصدرها ومع كل قصة يكتبها، دائم البحث عن مسالك مستحدثة، ودروب سرية يبتدعها لبلوغ مأربه والوصول إلى غايته، فهو متابع عنيد لما يجري في واقعه، وفي متاهات التجريب والإبداع التي غزت مسارب الأدب العالمي وشكلت اتجاهاته المتباينة. ومن هذا المنطلق فإن تحسس نبض الإبداع عند شقير، واتجاه سيره وإبداء الرأي فيه وفي قيمته الفنية والاجتماعية، أمر في غاية التعقيد وعرضة للالتباس، إذا غابت عن رؤية الباحث المقاصد التي سعى إلى استشرافها القاص في ظل سيرورة الواقع المتقلبة المتجهمة، وخسارات الكائن المعاصر التي أنبتتها الحضارة الحديثة، ومتطلبات التغلب على اغتراب الإنسان في قتام الثورة العلمية / التقنية وثورة المعلومات، التي تصادت جميعها سلباً على أسلوب الحياة ونفسية الإنسان، وأفرزت حالات مثيرة من الضغط النفسي والاغتراب الشخصي انعكست كلها على الإبداع الفني، وأفضت في مناسبات عديدة إلى خطر وقوع الكاتب في مْركِب الانفصام عن الحياة في حالة استسلامه لأوهام الضياع واللاأدرية. لكن محمود شقير بحكم انتمائه الطبقي وخلفيته الفكرية كان النبض الذهني لولادة الفكرة العامة لغالبية قصصه عبارة عن عملية احتجاج داخلية عنيفة من شخص عانى من الحرمان والشقاء والمطاردة، كما عانى من احتراق إبداعي غاضب، وإحساس درامي متوثب، وعذابات ملكة الكتابة.. فجاءت لوحاته الفنية مزحومة بينابيع التناقضات الاجتماعية، وشكلاً من أشكال التحريض على إعادة تعمير العالم من جديد، وعكست سيرورة تبدلات سبل الحياة والعيش وركائز الواقع، والحراك المتدرج لزحف التاريخ وتبدل أفهوماته ومدلولاته. ومحمود شقير الذي بدا في مجموعته القصصية "خبز الآخرين" أقرب إلى مذهب الواقعية الطبيعية انتهى في مجموعة "ابنة خالتي كوندوليزا" صاحب قامة إبداعية بارعة، وفرادة فنية وجدلية مدهشة، تُدخل في مفهوم الواقع، كما يرى خاربتشينكو: "ليس فقط ما هو مرئي وما اكتشفه العلم والفن، وإنما أيضاً ما لم يُكتشف بعد،.. ليس فقط التعالقات الثابتة والروابط الراسخة، وإنما سيرورات الحركة وتطور العالم.. إذ أن تنوع الواقع لا حدود له وتبدله لا يتوقف، مما يستدعي ظهور أشكال جديدة للواقع تتواءم والوعي العلمي والفني المتنامي"(1). نحس في قصص خبز الآخرين" بسطوة الأشياء وبمقاييسها الثابتة الراسخة، حيث تلعب هذه الأشياء في المنظومة الفنية دوراً رئيساً، وتدشن قالب العالم الفعلي، "عالم الكاتب" نفسه وعلاقته بما حوله من خامات ومواد يتجذر حضورها في جميع الحالات الفنية... من وصف الشخصية إلى تجسيد الأحاسيس والأفكار مروراً بالحوار والمشاهد الطبيعية والجماهيرية وغيرها. وشقير يصوغ قصده ويجعله أكثر حيوية وملموسية من انتقائه للحقائق ومن تجارب الحياة وكثافة الأشياء، التي تتجلى في سلسلة قصص المجموعة، وفي نسق بنائها وفي حلقات الخط السياقي الذي تدور فيه. ويعترف شقير في كتابه "ظل آخر للمدينة" بهذا الأمر قائلاً: "اعتدت في مطلع شبابي، حينما ابتدأت هاوياً للكتابة في أوائل الستينات، أن أقطع هذا الشارع كل يوم عشرات المرات، وبالذات في فترة ما قبل الغروب، مع عدد من الأصدقاء الكتاب، نتأمل الناس وفاترينات المحلات والأشياء المختلفة من حولنا، علَّنا نلتقط مادة لقصصنا القصيرة"(2) ويضيف في موقع آخر وهو يتحدث عن والده: " قدم لي خدمة جلى وهو يصطحبني معه إلى الورش، فتعرفت على نماذج من الناس، واستمعت إلى الكثير من القصص والحكايات"(3)، كما يشير إلى أنه كتب كثيراً من القصص تحت تأثير بعض الحوادث التي عايشها أو استمع إليها، مثل قصص: "أهل البلد"، و "نجوم صغيرة" وغيرهما، إلى درجة أن أحد النقاد أبدى "إعجابه بما أكتب من قصص واقعية ترصد حياة البسطاء من الناس"(4). ويتضح هذا التوجه الذي ألمح إليه توفيق زياد في مقدمته للمجموعة بالقول: " أما في قصصه التي كتبت قبل 1967 فإن محمود شقير يقدم لنا القرية الفلسطينية بطبيعتها الجميلة وأهلها الطيبين البسطاء الذين يكدحون بقسوة ويجوعون وهم يحلمون بحياة أفضل يسودها العدل والاكتفاء، وهو يعالج بوعي مسألة التناقضات الاجتماعية الأساسيتين أغنياء القرية وفقرائها"(5). غواية استنساخ الواقع كانت تطارد كل من يسعى إلى احتراف مهنة الكتابة آنذاك، والذكي من يتأمل واقع الناس، ويتفحص أسس حياتهم، ويطلع على أعرافهم وأخلاقهم ومشاربهم وهمومهم، ويحاول أن يصوغها ويصبها بفطنة في مضمون معين تكون الكلمة فيه ذات فعالية مخصوصة، فصدق اللغة في تجسيد صدق الحياة.. في الأحاسيس والأفكار والأحداث المتقالبة والمتكالبة، وخلق تاريخ للفئات المقهورة. ورأى محمود شقير في الناس الذين عاش بينهم، وتربى في ظلهم وعمل في محيطهم أناساً طيبين يستحقون الكتابة عنهم، فجاءت دينامية صوره الفنية مرآة" تعكس سيرورة حراك الفئات الفقيرة والمعدمة، الذين يقهرهم تسلط الذوات وظلم السلطات. وشقير يستوحي صورهم من واقع تجربته الخاصة، ومن استيعاء مسؤوليته الشخصية، سعياً منه إلى تجسيد مستقبل هذه العلاقة المستكينة في عالم الشخصية الروحي، ومساعدتها على تجاوز محنتها ومحاولة حل إشكالياتها بإيقاظ الخصال الإنسانية الحرة، وترسيخ الأشكال الأخلاقية الحميدة لتصرفات الفرد وأفعاله، وتقدير مسؤوليته ككاتب عما تقوم به شخوص قصصه، مما يشعر القاريء بشيء من اللمسات الفلسفية وبالتوجه الملحمي لسلوك أبطاله، لكن الغلبة تظل لما هو ملحمي، لأن مسيرة هؤلاء الأبطال تعكس في تصرفاتها وفي عالمها الداخلي بعضاً من ملامح العصر المهمة - فهم نتاج العصر، وهم أبلغ صانعيه. ومن هنا فإن فكرة قصصه تتجذر في خامة السرد الفنية، وتتبدى في نسيج الأثر الإبداعي، الذي يستقي تماسكه من التطور التراسلي للثيمة، التي تعتمد بدورها على حجم الواقعة أو الحادثة التي تبسطها وتنير أبعادها. ففي قصة "خبز الآخرين" التي تقوم على فكرة بسيطة، وهي محاولة استغلال فقر الإنسان الساذج المستضعف و حاجاته إلى أبسط ألوان الحياة لإيقاعه في شراك الرذيلة... تنتصر إرادة بطلة القصة لكرامتها المهدورة وإنسانيتها المضيعة، وتفوز بوقفة عز من قبل مجتمعها الصغير الذي تجد فيه راحة البال وزوال الهواجس والظنون المتراكبة التي شغلت ذهنها عند اشتداد الأمر واستفحال الخطر، وتنتهي القصة نهاية سعيدة وغير متوقعة من قبل خديجة / بطلة القصة: "أحست بالعزاء يدغدغ أعصابها. وتعلق إسماعيل بثوبها بصخب، وكان يثرثر كالعصفور.. وكانت جارتها تلفظ في ارتياح.. والله قلنا ماذا جرى لك يا فقيرة.. هالطفل، قطع قلوبنا وهو يبكي. وانطلقت من ثغرها ضحكة عميقة.. وقبلت ابنها بشغف وأمسكت يده متجهة صوب البيت.. وكانت ضحكات الفلاحين لذيذة كأنها خرير الجداول"(6). إذا كانت صيحة خديجة في "خبر الآخرين": - "ملعون أبوها من حياة.. هذي معيشة" للتصدي لصفاقة الرجل الأنيق ونذالته، فإن ردة فعل أبو إسماعيل في قصة " بقرة اليتامى" لا تفترق كثيراً عن تنهدات خديجة، بعد أن فقد قدرته على الاستجابة لمتطلبات سيدة القصر، أو البقرة الهولندية كما يسميها: - الله يخونك .. دمك فائر.. وما عدت أقدر أطفي حرارته"(7). وهكذا، تذبح بقرة اليتامى على وقع جموح اللذات الفردية وافتراق حساب السرايا عن حساب القرايا، وهم يحلمون بغدٍ أفضل و بقرة لا تموت: "نام الأطفال يحلمون ببقرة ذات قرون صلبة كالرماح.. تعدو في جموح ثائر عبر الحقول.. بينما تندحر بعيداً من حولها الذئاب"(8). وهذا ما انتهت إليه قصة "اليوم الأخير" بعد انتظار الطفل طاهر مجيء والده في اليوم الأخير من الأسبوع كعادته، إلا أنه والده عاد ملفوفاً في سيارة بعد أن انقطع الحبل، وسقط عن العمارة: "كان الليل يركض في أزقة القرية بعنجهية، وزأرت السيارة واندلعت من عينيها البلديتين أضواء طويلة راحت ترقص بجنون عبر الأرض الشاسعة، وكانت حدأة مخيفة تطوف فوق بيوت القرية" (9). والشيء ذاته ذاق عذابه وتجرع قهره زوج عزيزة في قصة "أهل البلد" حيث أذعن لقدره أمام قسوة ظروف العيش، وشح ينابيع الحياة، وأضحت مسألة الشرف ثانوية في ظل ضيق ذات اليد، وشبح الأطفال الجياع، فضلّت تساؤلات الزوج طريقها، وظلت بلا جواب شافٍ: "انتبه الأطفال إلى والدهم ينتحب، واهتزت في آذانهم صورة أب، يأتيهم بالحلوى ويعطيهم النقود، وليس في البلد من هو أقوى منه... وتقوست شفاههم... وما لبثوا أن أمعنوا في العويل"(10). قصص شقير في هذه المرحلة تستمد نسغها من وقائع الحياة وأحداثها وماجرياتها، وهو يضفي عليها بريقاً خاصاً ليظهر واقعيتها اللماحة باستخدام اللهجة المحلية وبما يرشح فيها من أمثال بليغة وأقوال سائرة، وتعابير تهكمية أو مقذعة، وبعض مقاطع الأغاني الشعبية أحياناً لفضح أسرار الواقعة واستثارة التكهنات الدائرة حول خفاياها، وكان يبدأها بالفعل كان أو كانت للتشديد على مدى مصداقيتها وصدق وقائعها، مما يؤكد مقولة خرابتشينكو أن: "بنية الأدب ترتبط عضوياً بالإنجاز الإبداعي لتلك القضايا المجتمعية والتصادمات والتناقضات، التي تشيع في مرحلة معينة من التطور التاريخي. وتسلل هذه القضايا وهذه التصادمات إلى عالم الإنسان الروحي يُحفِّز على الإحاطة بها فنياً"(11). وقد استطاع شقير بفراسة أن يمسك ببشاعة الحياة ودمامتها، وبالزيف في تنوعه وتجلياته المختلفة، وبعدم الاكتراث بشقاء الضعفاء وبسطاء الناس، ويترجم كل هذه التعاسة الإنسانية في شخوص وأفعال وسلوكيات بشرية في ظل أوضاع معاشية واجتماعية محددة، وأخذ يجدل التفاصيل الصغيرة من أمور بسيطة ويمنحها مدلولاً عاماً فيه شيء من المضمون النفسي والاجتماعي وأحياناً الفلسفي، ويدشن من التحامها صوراً عديدة تكون في معظمها غير قادرة على اجتراح أفعال بطولية أو القيام بهبات احتجاجية قوية. في "خبز الآخرين" شق شقير طريقه الإبداعي بتلقائية وخط مسلك شخوصه بعفوية، وأطلق لها حرية الفعل حسب فطرتها وسجيتها، كما ترك لها أمر اختيار مصيرها طبقاً لملابسات حياتها وظروف معيشتها، ولم يكن يملي عليها شروط تصرفها واختيارها، ولم يكن يحلم سوى بنقل حالاتها النفسية ومعاناتها الفردية وجلاء انفعالاتها المأزومة، وسعى - ولو بشكل محدود - إلى كشف الآصرة الشرعية بين أحاسيس شخوصه وأمزجتها وبين الملابسات الفعلية لحياتهم وقيمهم من منطلق مثال اجتماعي محدد، فجاء الفرز بين الخير والشر والفقراء والأغنياء مرسوماً بمسطرة لا يحيد عنها، إلى درجة الظن بأن قصصه ليست سوى تبريرٍ نظري فريد لأعمال إيضاحية جافة، خالية من أي جديد عن الواقع، لا سيما أنها لم تكن محملة بأعباء التجوزات الفنية والاستعارية المختلفة، وانزياحات اللغة وانتحاءاتها. لكن بصيرة المؤلف وقدرته على اجتراح شخوص نموذجية معبرة عن زمانها ومكانها أبعد عنها شبهة الارتماء في أحضان الصور الإيضاحية، وكانت تتلاءم وروح العصر ومقتضيات حضوره في المبدعات الفنية، وتتفق وتقاليد الكتابة والتجارب المتراكمة، التي تتماشى مع مستوى الوعي المجتمعي ومستوى الثقافة الجمالي. صراع محمود شقير مع الحياة وسبل العيش، وحدبه على الإنسان المستضعف سواء من قبل الأقوياء أو الأعداء وسَم أعماله بمصداقية عارمة لا تتحاشى نزاعات العصر الدرامية والمأساوية سواء على مستوى الاصطفافات الداخلية أو الاعتداءات الخارجية، ففي ما هو مأساوي تتجسم نكايات العصر وجراحاته التي تؤطر التقدم الاجتماعي، الذي يواكب بدوره زيادة معرفة الإنسان بالظروف المحيطة به، وبالتصادمات الدرامية التي ولدتها هذه الظروف. جاءت ولادة قصص مجموعة "الولد الفلسطيني" اندفاعة جديدة في بلورة المأساوي في حياة الشعب الفلسطيني، وإعادة النظر في بناء سيكولوجية الشخصية القصصية وعالمها الداخلي بعيداً عن صور التفكير النمطية والمعدة من قبل، وبحثاً عن الفاعلية الإنسانية والعثور على أواصر إبداعية جديدة مرتبطة بشكل أوثق بالواقع، تنزاح عن سرد الوقائع السارية وتنحاز للفكر الفني المتجرد من أوهام المرآوية العابرة. ولعل الإحساس باقتراب كارثة عام 67، وما رافق وقوعها من تأمل في مصير الإنسان الفلسطيني، كان خضة قوية فتقت ذهن الكاتب ووعيه بضرورة الالتفات إلى الانعطافات الحادة في العالم والواقع المحيط، وإعادة تجسيد صورة الفلسطيني بما يتناغم وإعادة النظر في تصنيع الواقع والذات معاً، باعتبار أن تبدل العالم والإنسان قضية مركزية في الحياة والفن على حد سواء. وفي سبيل اختراق سدف المستجدات واختزال أبعادها التي ما تزال مضبّبة وغائمة كان على الكاتب أن يلجأ إلى سبر العام وتجسيد أفكارٍ سامية ومفاهيم محددة، وتقديم تعميمات شمولية لاستخلاص لب هذه المستجدات، وإفراغ صفوة تأمله وتدبره في صور فنية مشبعة بموعظة جليلة أو خدعة شافية، حتى يكتسي الجديد بتجسيد قوي وفوار، ويضحي أمثولة مثالية يمكن الاقتداء بها، لأنها معنونة اجتماعياً، وتحتمل إمكانية التأويل الموجه غائياً، ويشيد المؤلف بنيانها عن طريق التجوز والتورية، وليس عبر السرد الدرامي الاعتيادي، فسياقها بسيط يمكن أن يكون شاعرياً أو ملحمياً أو غنائياً، لكن ينبغي أن يكون عميقاً وجزلاً وهيناً، ويحتوي على جملة من الحقائق التي تتكاتف لجلاء حقائق أهم وأعظم. ففي "رجل قام من بين الأحياء" ، وهي خير مثال على الأمثولة الضاجة بالترميز، الذي يطابق ما بين الروحي والجسدي، نحس بالدم المتناثر في الطرقات وكأنه تابل لذيذ لدواء الحقيقة المرة، أو كأنه خداع منعش يجذب الجماهير ويحفزها للكفاح في سبيل قضيتها العادلة ومصيرها البائس: "من دمي يغتذي جسدك أيتها المليحة بين النساء ويكون لك أولاد كثيرون"(12). وبطل القصة في مسلكه وتعابير وجهه وحركاته مثال حي على تطابق الداخل والخارج... الروحي والجسدي، مما يوميء إلى اجتراح أسطورة تكاد تقترب من الإيمان الديني، تسعى إلى تطعيم الشعب بالمثل العليا والترفع عن الدنايا والالتزام بالقيم الحميدة والتضحية في سبيل الآخرين: " قال أنا لا أترككم، دمي في عروتكم، سار بخطوات رزينة، وفي التو انهالت على جسده سهام كثيرة، وتدفقت من تناياه نوافير دماء قانية، مضى يخوض في النهر وغاص حتى ركبتيه في الدم، وظل الناس عند الحانة مبهورين، ثم صاح بعضهم: سوف نلحق بك، وسمعوه يقول: يا أحبائي ثم لم يميزوا بقية كلماته، لكنهم تلمسوا لأول مرة رنة الحزن في صوته، كان الدم الغزير يصطفق.. ظل يسير، ولاحظ بعض الناس أنه يظلع من أثر الجراح، لكنه واصل السير، ثم غاب خلف الجبال البعيدة التي تطل على البحر"(13).يتكافل في هذه القصة الرمز والأليغوريا، الرمز في الستحضاره الفكرة في ملاءتها الحسية الملموسة، بحيث يتراءى لنا أن الرمز قد ناب عن الواقع، والأليغوريا في تسويغها لنا إمكانية تصور الموضوع الفعلي كفكرة محض، بدون أن يفقد الموضوع خصائصه المميزة كمادة وكموضوع. تراجيدية هذه القصة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمنازلة البطولية، وهذه التراجيدية تُبرز البداية الخيرة والرائعة في الإنسان، وتتوج انتصاره وترسخ خلوده حياً وميتاً. كما يبتدى في إشكالية المأساوي طابع العصر وشخصيته وكيفية مقاربته وتناوله، وأسلوب تقييم ظواهر الفن المعقدة، وعبر هذه المأساوية يسترق شقير موضوعاته واهتمامه بالإنسان ومكانته في الكون وفي الحياة، وفي جوهره والغرض من وجوده... الإنسان الاجتماعي وليس الإنسان المنعزل عن الحياة... الإنسان في مجمل علاقاته الاجتماعية، والسعي إلى تنشئة إنسان جديد بفضل طبيعته الجوهرية، التي تحوز على كفاءة شمولية ومقدرة على التواصل المباشر مع جمهرة المجالات الذهنية والأخلاقية والنفسية والانفعالية وغيرها. فالإنسان في معظم قصص شقير، سواء أكان البطل رجلاً أو طفلاً أو امرأة، هو إنسان حقيقي من لحم ودم.. قيمة عليا وذات للتاريخ، وموقعه في الحياة هو معيار للتقدم الاجتماعي، والإنسان عنده ليس موضوعاً منطقياً، وإنما هو معرفة فنية وإبداعية، يجد تعبيراً له في مجمل أسس التجسيد الفني، التي تستحضر رؤيته في حاضره ومستقبله، وفي الغايات الحياتية التي يسعى إليها، وفي المغزى الروحي والذهني الذي يتصف به. التحليل الملموس لفرادة محمود شقير ومزيّة إنتاجه يحتاج إلى تمحيص الأسس الفلسفية / الإنسانوية لرؤيته الجمالية، واستنهاض تصوره لشعرية القصة وإنسانيتها، وتلمس منهجه الإبداعي ونمط تفكيره بشكل عام. محمود شقير صاحب موهبة عزيزة، وذكاء حاد وفراسة محيرة وخارقة، وهو فنان صاحب توجه مخصوص وخط أسلوبي واقعي متعال، ومترفع عن المتعارف عليه، يُحدث تحولات جذرية وحيوية في إبداعه ورؤيته الفنية بدون توقف، فوطنه الحقيقي – هو وطنه الإبداعي والجمالي والروحي. تستمد واقعية شقير قوتها وألقها من ذهنية صاحبها المتقدة، الذي ينظر إلى سيرورة الحياة وجدلية حراكها ببصيرة يقظة وفطنة ماكرة.. يخاتل ويناور ليرتقي إلى مبتغاه، ويمسك بأسرار قوانين الكون، ويبدع طبقاً لجدلية الطبيعة وكيفية إنتاجها لأشكال الحياة المتنوعة والمتكاثرة، ووفقاً لقوانينها وسننها في اجتراح أنساق الكون والواقع، وليس محاكاة استنساخ مباشر لها في كل شيء. وهذا يتجلى أظهر ما يكون في آخر مجموعتين قصصيتين له، وهما: "صورة شاكيرا" و"ابنة خالتي كوندوليزا"، ويشير شقير نفسه إلى ذلك بقوله على لسان ابن عمه في قصة "صورة شاكيرا" : "الظروف تغيرت، ونحن نعيش في زمن الانترنت والقنابل الذكية"(14)، ويستطرد قائلاً: "يقول ابن عمي متباهيا بقدراته الذهنية، معتداً بانتباهه الدقيق لإيقاع العصر ومنطقه: تستطيع أن تخلق لنفسك الحقائق التي تريدها، وتستطيع في الوقت نفسه أن تقنع أعداداً متزايدة من الناس بهذه الحقائق التي لا يمكن لمسها أو إقامة الدليل المادي على وجودها! المهم أن تكون على قدر من اللحلحة والبراعة والذكاء"(15). وتدلل هذه المقولة، كما تفصح قصص المجموعتين، على مدى دهاء الكاتب وحكمته في محاورة واقعه استجابة لمستوى تطور الممارسة التاريخية المجتمعية والوعي العلمي، ولوضع أساس ميثودولوجي متين للعثور على حل معقول للقضايا الجمالية التي تولدت ونضجت في ظل ظروف اجتماعية متجددة، ومن موقع العلاقة الإبداعية الفاعلة والواعية بين المبدع والواقع. "فالكتابة ليست معادلة رياضية جامدة، ولا وعظاً يصوغ الحياة على مقاييسه المسبقة. هذا ما يقوله محمود شقير في هذا "العمل" الساحر، إنه يطلق لمخيلته العنان، يتركها تحلق على صهوة الحلم بلا خوف ولا تردد. تطارد في مدارات لا تحدها القوالب، ولاتعيقها المباشرة الساذجة ولا تصدها رمزية فجّة"(16). هذا ما استشفه مؤنس الرزاز في قصص " طقوس المرأة الشقية"، ومهره على الصفحة الأخيرة للغلاف. ويؤكد صواب هذا الرأي تطور مسيرة شقير الإبداعية، واستكشافه لأشكال جديدة، واستحداثه لوسائل تشكيلية وتعبيرية تفتح آفاقاً رحبة أمام الإحاطة بمتاهات الواقع لا تتماشى والخامة الحياتية الموضوعية المركونة في زوايا الواقع ذاته، ولكنها تترجم نفاذ حدسه وسعة إدراكه وعمق تلقيه لمسارب الحياة، واستيعابه لسنن تواصلها وقوانين سيرها، بما يتفق ومثاله الاجتماعي والجمالي ومنظوره الجدلي. تتواتر في قصص مجموعتي شقير الأخيرتين "صورة شاكيرا" و "ابنة خالتي كوندوليزا" المتداخلتين شكلاً ومضموناً، أحداث غريبة ووقائع عجيبة لم تقع قط، كما ليس بإمكانها أن تقع في واقع الحال، لكن مصداقيتها الفنية تكمن في استثمار حركة السرد وانسياب السياق، وكذلك بما توحي به من مضمون إنساني رفيع يتمظهر بقوة فائقة في شكل فانتازي لا تنفصم عراه عن الواقع، لأنه يخضع لمهمة رسم واقع الأرض المحتلة المختل، وتجسيد جوهر العلاقات بين الناس، حيث تتراكم الحقائق الوثائقية إلى جانب ما هو فانتازي وخرافي. وتلعب مخيلة الكاتب المتحرر من قيود الحرفية والمباشرة دوراً مهماً في اللجوء إلى التجوز ليس تخلياً عن الواقعية، وإنما للتغلب على الواقعية التبسيطية، والتشبث الحرفي بالواقع، وعدم وضع حد فاصل مابين المطابق للواقع وغير المطابق للواقع. فنجد أن شاكيراً عبر سيرورة الحدث الواقعي تصبح من عائلة شاكيرات، ويجري استنساخ هذه الفكرة واستمرار حضورها حتى بعد أن ثبت عدم دقتها، لكن وقع الحدث وما اندرج في مخططه من تداول واستدراكات أثار إيهامات فعلية حول إمكانية وقوعه. وعلى هذا المنوال تجري أحداث معظم قصص المجموعتين، فالسائق الذي يحجز المقعد الأمامي في سيارته لرونالدو يظل يتشبت بهذا الأمر، حتى بعد أن ينال قسطاً من الإذلال والضرب المبرح، يعود إلى سيرته الأولى في حجز المقعد: "جلس كاظم علي في الصباح خلف مقود سيارته. اقترب منه أحد أبناء الحارة همَّ بالصعود إلى المقعد الأمامي للسيارة. صدّه كاظم علي بكلمات حاسمة: هذا المقعد محجوز لرونالدو"(17). وها هي مسألة استضافة رونالدو تُسترجع ثانية في قصة "مقعد بابلو عبدا لله" ، ويدور حولها لغظ واسع، وتتداخل مع قصة بابلو عبد الله اللاعب الأرجنتيني من أصل فلسطيني، الذي اخترعته مخيلة كاظم علي، وآمن الجميع بهذا الهذيان وهذا التشويه للواقع مع إدراكهم بعدم إمكانية وقوعه، ونتج هذا الإيمان عن قدرة المؤلف على تسويغ تجوزه الفني، وتكراره بكامل لياقته عبر كريستال مخيلته ومنظور ذهنيته، فغدا أكثر وضوحاً ووعياً لما هو عليه في الواقع المضطرب. وفي قصة" ما بعد صورة شاكيرا"، تتجلى المبالغة في استيعاء الثيمة، وإيصالها حدّ التناقض الحاد، الذي جمع ما بين المخططين الخيالي والواقعي والتشكيك في مصداقيتهما، مع تقبل القصد الفني الذي تبرره التربة الفعلية المغروسة في هذا التناقض، المفضي إلى مثل هذه الأوهام، الذي ينتهي عادة نهاية غير متوقعة في معظم الحالات، فالفتاة في قصة "مشية نعومي كامبل" تتحدى أعراف مجتمعها وتتجرأ على الاستنهار بآراء الجميع، الذين يقفون منذهلين أمام جرأتها غير العادية، وكسرها للتابو حيث تقتحم بلباسها غير المقبول المضافة التي يتداولون سيرتها فيها، وتحدق: "في وجوههم باستغراب، حدقوا بفضول، رأوا فتاة جميلة وادعة النظرات، شعروا بالحرج"(18). ابتعدت عنهم عائدة إلى غرفتها "خلعت بنطالها ونامت في سريرها، ولم ينم أبوها ورجال العائلة، وفي عدادهم الطبيب الشاب، حتى الصباح"(19). وهذا ما وقع لمردخاي في قصة "شاربا مردخاي وقطط زوجته" ولو بشكل معكوس، إذ انتهى الحدث إلى أن يتجرد مردخاي من شاربيه جراء وقع سير عجلة الحياة، والبحث عن حجرات لم يدخلها أحد من قبل، وزوايا لم يبص بها أحد، رغم اعتزاز مردخاي بشاربيه واعتباره إياهما مصدر هيبة له: "مردخاي جاء ذات صباح إلى الحاجز متجرداً من شاربيه". لا حظ الفلسطينيون أن حركة المرور على الحاجز تحسنت قليلاً، ربما لأن مردخاي تخفف من بعض هواياته وانشغالاته"(20). تختلط في قصص المجموعتين الأحلام بالواقع، والخيال بالملابسات الفعلية الواقعية، والاستعارة بالحقيقة فيضحي التجوز الفني بلا حدود تؤطره، كما يغدو وسيلة خاصة بالمنهج الواقعي، تحيد عن "القواعد" الثابتة للإحاطة الجمالية العميقة بالواقع، واجتراح صور فنية دقيقة في زيّ بصمة للحقيقة المرئية، تستفز عدوى شبهة الواقعية وتستثير ينابيع الإيمان بقوة الإنسان الشخصية ونزوعه إلى السعادة. وهذه الصور في مجملها ليست أدوات فنية حسب، وإنما هي وسائط لتثبيت الأسس الجمالية وترسيخها بقوة ونصوع أوضح لغاية تكثيف المهمة الجمالية وجعلها أكثر شدة وتماسكاً، وإبراز حقيقة الحياة الملتبسة في سبيل تقريب ما هو أجمل وأفضل، والتغلب على المجازات والاستعارات والتوريات المقننة الراسخة، ولا تتكشف مدلولات هذه الصور ومغازيها إلا من خلال المقاربة التاريخية الملموسة. كتب محمود شقير قصصاً للأطفال، وأصدر أكثر من عشر مجموعات قصصية في هذا المجال، كما أسهم في كتابة الأوتْشِرْك الوثائقي في مؤلفه "ظل آخر المدينة"، وهو ضرب من ضروب الجنس الملحمي، يجد تفرده وخصوصيته في حدته ورهافته الصحافية وفي دقته الوثائقية. وقد آثرت أن استبقي الحديث على هذه الموضوعات إلى فرصة أخرى.
المصادر
1- خرابتشينكو، ميخائيل "فرادة الكاتب الإبداعية وتطور الأدب"، ط3، الكاتب السوفياتي، موسكو 1975، ص121. 2- محمود شقير "ظل آخر للمدينة" ط1، دار القدس للنشر والتوزيع، القدس – 1998. 3- نفسه، ص6. 4- نفسه، ص116. 5- محمود شقير "خبز الآخرين وقصص أخرى" ط3، دائرة الثقافة، منظمة التحرير الفلسطينية، القدس – 1995، ص8. 6- نفسه، ص 24-25. 7- نفسه، ص30. 8- نفسه، ص33. 9- نفسه، ص69. 10- نفسه، ص17. 11- مصدر سابق، ص266. 12- محمود شقير "الولد الفلسطيني"، ط1، منشورات صلاح الدين، القدس-1977، ص23. 13- نفسه، ص24. 14- محمود شقير "صورة شاكيرا"، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت -2003، ص52. 15- نفسه، ص53. 16- محمود شقير "طقوس للمرأة الشقية"، ط1، دار ابن رشد للنشر والتوزيع، عمان – 1986. 17- محمود شقير: "صورة شاكيرا"، مصدر سابق، ص9. 18- محمود شقير: "ابنة خالتي كوندوليزا"، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت -2004، ص13. 19- نفسه، ص13. 20- نفسه، ص32.
سر مارتا/ موقع الكتروني تاريخ الإدراج: 28 / 7 / 2010
|