الأحد 21 / 9 / 2003
 

مات الوالد صباح هذا اليوم. كنت أتأهب للخروج من البيت، حينما جاءت زوجتي لتخبرني أن الوالد في حالة سيئة. ذهبت فوراً إليه. كانت الساعة تقترب من التاسعة. الوالد ممدد في سريره غائب عن الوعي.

جلست بالقرب من سريره. ناديته فلم يجب. الوالدة قالت إنه دخل في غيبوبة منذ الصباح الباكر. كان يتنفس بصعوبة، ثم رأيته بعد دقائق وهو يلفظ نفسه الأخير.
أخذناه إلى المقبرة عصراً. كان الطقس حاراً. دفناه في قبر مجاور لقبر أمه بناء على وصيته، وعدنا. بقينا حتى العاشرة ليلاً في بيت أخي محمد، نستقبل المعزين. بعد ذلك ذهبنا إلى بيت الوالدة. عزيناها بوفاة الوالد. كانت تبكي بمرارة. حياتها مع الوالد ظلت رائقة في أغلب الأحيان. طبعاً، لم يكن الأمر يخلو من منغصات. شهدت في طفولتي بعض مشاجراتهما التي كانت تندلع لسبب أو لآخر. كان الوالد حينما يختلف مع الوالدة يسمعها كلاماً قاسياً، تبكي ثم لا تلبث أن تصالحه، ويعود الانسجام بينهما إلى سابق عهده.
وحينما تقدما في العمر، أصبحت لها سطوة واضحة عليه. يكفي أن يظهر العبوس على وجهها، وتأخذ في التذمر من شيء ما، حتى تنتقل العدوى إليه، فيغضب لغضبها وتتوتر أعصابه، وينفذ ما تقترحه عليه. لكنها كانت مخلصة له، ولم تتأخر لحظة عن العناية به، خصوصاً حينما أصابه وهن الشيخوخة في السنتين الأخيرتين.
كان الوالد شخصاً مسالماً. لكنه كان عصبي المزاج. تظهر عصبية مزاجه حينما يستفزه أمر ما. في أيام شبابه كان مختار عشيرة الشقيرات. أخذ هذه المهمة عن جدي. وكان يبدو مترفعاً على الناس، ما أورثه بعض عداوات مع نفر من أقاربه وأهل قريته. حينما تقدم به العمر لم يتأخر يوماً عن مجاملة الناس في أفراحهم وأتراحهم. كنت أذهب معه للقيام بالواجبات الاجتماعية، وكنت أقوده من يده في بعض الأحيان. كان قليل الكلام، وحينما يتكلم فإن قدرته على ترتيب كلامه تبدو واضحة بجلاء.
مات الوالد وهو في الثالثة والتسعين من عمره. ظل حتى لحظة وقوعه في الغيبوبة حاضر الذهن، عف اللسان، لا يشكو من تقصير ذويه بحقه، ولا يتذمر ولا ينحي باللائمة على أحد. استعرضت في ذهني شريط العلاقة الطويلة المتشابكة التي ربطتني به، وشعرت بالأسى والحزن لأنه مات.
*****
إلى هنا أتوقف عن نشر اليوميات في موقعي على الانترنت إلى حين مرور خمس سنوات.

قد أكتب بعض النصوص في هذه الزاوية بين الحين والأخر
18 / 7 / 2008

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر 


أضف هذا الخبر إلى المواقع التالية