شهادة عن ابراهيم نصر الله/ محمود شقير
 

شهادة*:
ابراهيم نصر الله.. الروائي، الشاعر، والإنسان
محمود شقير

وأنا أعيد قراءة الرواية الأولى التي كتبها ابراهيم نصر الله، تذكرت أنني التقيت ابراهيم أول مرة في العام 1978 . كنت أعمل في صحيفة الرأي الأردنية، وذات مساء زارني في مكتبي في الصحيفة شابان في مقتبل العمر هما: ابراهيم نصر الله ويوسف عبد العزيز.

رحبت بهما وتحدثنا في الأدب، وعرفت أن هذين الشابين يكتبان الشعر، وظلا يكتبانه إلى أن حقق كل منهما بعد سنوات من الجد والتعب، مكانة لائقة لنفسه في هذا الحقل الإبداعي. وفيما اقتصر نشاط يوسف على كتابة الشعر وكتابة مقالات أدبية وسياسية، فقد أضاف ابراهيم إلى الشعر، كتابة الرواية، ولم يكتف بذلك بل مارس وما زال، كتابة مقالات في النقد الأدبي والفني، إلى جانب نشره كتاباً متميزاُ في أدب الرحلات، علاوة على ممارسته للرسم والتصوير الفوتوغرافي وإقامته عدداً من المعارض الفنية.
كانت رابطة الكتاب الأردنيين التي أنشئت في العام 1974 بعد انتحار الأديب الأردني تيسير سبول، تأخذ من اهتمامنا نحن الكتاب الشيء الكثير، بسبب التنافس على مقاعد هيئتها الإدارية، وذلك لخدمة اتجاهات سياسية تتصارع حيناً وتتحالف حيناً آخر. ربما كان التنافس والصراع من المستلزمات الصحيحة للعمل النقابي لولا الأجواء غير الصحية التي كانت ترافق الانتخابات وتستمر إلى ما بعد إجرائها. ولم يكن ابراهيم نصر الله رغم اهتماماته الأدبية والسياسية، معنياً بالدخول في هذه الصراعات التي تستهلك الكثير من وقتنا، وهو علاوة على ذلك كان زاهداً في المناصب القيادية في الرابطة، وهذه ميزة تحسب له لا عليه.
مع ذلك، لم يتردد ابراهيم عن المشاركة في الأنشطة الثقافية للرابطة، ولا عن حضور الفعاليات الثقافية التي كانت تقام فيها. ولم تتردد الرابطة عن تقدير العطاء الإبداعي لابراهيم نصر الله، فقد نال خمس جوائز من الرابطة خلال عقدين من الزمن، مكافأة له على تميزه في حقول الإبداع المختلفة من شعر ورواية وغيرهما. وأذكر أن جوائز الرابطة في حقول الشعر والرواية والقصة القصيرة في العام 1991 ذهبت إلى ابراهيم نصر الله، مؤنس الرزاز، وكاتب هذه السطور. وهو إلى ذلك حائز على جائزة سلطان العويس الأدبية تقديراً لأعماله الشعرية.
حينما كنت أعيش في عمان، تعددت اللقاءات بيني وبين ابراهيم نصر الله وعدد آخر من الأصدقاء. كنا نلتقي في بيت ابراهيم وفي بيتي وفي بيوت أصدقاء آخرين، لمناقشة قضايا ثقافية وسياسية، ولمناقشة كتب جديدة صادرة لبعض الزملاء الكتاب ومن ضمنها كتب لإبراهيم نفسه. كان بيت ابراهيم وما زال يستقبل الكثيرين من الكتاب والشخصيات الثقافية من مختلف الأقطار العربية والأجنبية. يتمتع ابراهيم بدماثة في الخلق وبرغبة صادقة في إقامة أوسع العلاقات مع الكتاب والمثقفين، وهو يكرس أغلب وقته تقريباً لعمله الإبداعي.
ومنذ أن عاد من السعودية، حيث مارس التدريس مدة سنتين هناك، لم يشغل نفسه في عمل وظيفي يستنزف الكثير من وقته. عمل في صحيفة الأخبار الأردنية وبعدها في الدستور ثم في صوت الشعب حتى العام 1996 ، وأخيراً في دارة الفنون في عمان، بما لا يزيد عن أربع ساعات في اليوم، بحيث يبدأ دوامه في ساعات ما بعد الظهر، في حين كان يكرس وقته في الصباح المبكر للكتابة وللقراءة، وهو الآن متفرغ تماماً لكتابة الشعر والروايات.
ومنذ أن بدأت التعاطي مع الانترنت قبل اثنتي عشرة سنة، نشطت المراسلات بيني وبين ابراهيم نصر الله، ونشطت في الوقت نفسه عملية قراءتي لعدد من مخطوطاته الشعرية والروائية، مثلما قمت بدوري بإرسال عدد من مخطوطاتي القصصية وغير القصصية إليه لقراءتها ولإبداء الرأي فيها. كانت تلك التجربة ناجحة بكل المقاييس، وبخاصة في ظل عدم وجود محررين أدبيين لدى دور النشر التي نتعامل معها، وهذا نقص كبير في حياتنا الثقافية لا يدركه إلا من عرف قيمة وجود محرر أدبي، يتولى قراءة المخطوطات لإبداء الرأي فيها ولتطويرها في ضوء ملاحظاته حولها، وهو الأمر الذي يشبه البدهيات المفروغ من تحققها في البلدان المتقدمة ولدى دور النشر فيها.
بعد عودتي إلى القدس في العام 1993، انقطعت عن عمان وعن أصدقائي فيها بضع سنوات، ولم ألتق ابراهيم نصر الله من جديد إلا في العام 1997 في دمشق، في مناسبة انعقاد مؤتمر الأدباء والكتاب العرب هناك، وكنا يحيى يخلف وعزت الغزاوي وأنا نشكل وفد فلسطين إلى المؤتمر، وكان ابراهيم قادماً إلى المؤتمر ضمن وفد رابطة الكتاب الأردنيين، وكانت تلك فرصة سانحة لتذكر أيامنا البهيجة في عمان.
ثم التقيته في عمان في العام 1998حينما دعاني إلى دارة الفنون في جبل اللويبدة، وكان هو مشرفاً على النشاط الثقافي فيها، وذلك لتقديم شهادة عن تجربتي في كتابة القصة القصيرة. قدمني ابراهيم للجمهور بكلمات جميلة ما زلت أتذكرها حتى الآن، وفيها تعبير واضح عن وفائه للصداقة وللصديق.
والتقينا مرة أخرى في العام 2003 في مناسبة الندوة التي أقامتها رابطة الكتاب الأردنيين في الذكرى الأولى لرحيل الروائي الأردني مؤنس الرزاز، وكانت لي مشاركة فيها إذ ألقيت كلمة تحدثت فيها عن مؤنس وعن أدبه الروائي. يومها، لاحظت أن إبراهيم كان أكثر ميلاً إلى الهدوء وإلى التأمل من أوقات أخرى سابقة.
وكانت آخر مرة التقيته فيها في العام 2004 إبان إقامة معرض الكتاب الدولي العاشر في عمان، وكنت مشاركاً فيه بدعوة من اتحاد الناشرين الأردنيين، ثم قدمت شهادة في مركز الحسين الثقافي عن تجربتي في كتابة القصة القصيرة، وقد قدمني آنذاك الشاعر الناقد عبد الله رضوان، وأذكر أن ابراهيم لم يكن في عمان آنذاك، وحينما عاد من السفر التقينا في مكتب ماهر الكيالي مدير عام المؤسسة العربية للنشر الواقع في حي الشميساني، واستذكرنا معاً آخر أنشطتنا الأدبية وتحدثنا عن بعض مشاريعنا المقبلة.
مؤخراً، قام إبراهيم بدور مثابر في الدعوة لمقاطعة معرض تورينو للكتاب، الذي أقيم أواسط شهر أيار 2008، وكان قد رفض الدعوة الموجهة إليه للمشاركة في المعرض ولتوقيع بعض كتبه المترجمة إلى الإيطالية، بسبب إقدام إدارة المعرض على دعوة إسرائيل لتكون ضيف الشرف على المعرض في مناسبة ذكراها الستين، التي هي الذكرى الستون لنكبة شعب فلسطين.

*****
وأنا أعيد قراءة "براري الحمى" وهي الرواية الأولى التي انتهى إبراهيم نصر الله من كتابتها في العام 1981 بعد ثلاث سنوات من الاشتغال عليها، فقد أعجبني ما في هذه الرواية من نضج فني بالنسبة لروائي كان يومها في السادسة والعشرين من العمر، وكان قد اجتاز فترة عمل وظيفي في السعودية، هي التي ألهمته كتابة هذه الرواية، التي تصف شظف العيش هناك ومرارة التجربة، في ظل حياة يومية محكومة ببؤس التخلف الاجتماعي وقسوة الصحراء.
ولم يشأ ابراهيم نصر الله أن يكتب تجربته بأسلوب تقليدي، خوفاً من تسطيح التجربة وإدخالها في دهاليز الرصد التسجيلي للوقائع، فاختار الطريق الأصعب ولكنه الأجدى فنياً، المتمثل في كسر انتظام الحكاية التي تنطوي عليها الرواية عبر السرد المتشظي واللغة الشعرية التي تلمح إلى المواقف أكثر مما تشرحها، وتكثف المشاهد أكثر مما تستطرد في الإخبار عنها. واختار أن يدخل في مفارقة دالة حين استعان بجماليات اللغة الشعرية وغناها للتعبير عن قسوة المكان وفقره، ولإظهار حجم هذه القسوة وهذا الفقر منظوراً إليهما من زاوية جمالية متعالية عليهما من جهة منصهرة فيهما من جهة أخرى.
وفي الرواية تصوير للبشر ولأعماق نفوسهم ولردود أفعالهم حينما يكونون أمام لحظات وجودية حاسمة تضطرهم إليها حياة قاسية، وفيها رصد للمشاعر المكبوتة جراء التخلف، وبخاصة حينما يتعلق الأمر بالمرأة وبالموقف الذكوري منها، وكذلك متابعة للصراع المرير من أجل الاحتياجات الأولية التي لا تتوفر حياة من دونها، ليس بالنسبة للبشر وحسب، وإنما كذلك بالنسبة للطيور والحيوانات. والصحراء التي حاول أحد شخوص الرواية (أبو محمد) أن يزرع فيها الحياة، لم تستجب له وظلت صحراء قاحلة تلحق بساكنيها من البشر كل أنواع الشقاء.
ومما ساعد الكاتب على التخلي عن الأسلوب التقليدي في الكتابة، والدخول في تجربة السرد الحداثي، ليس فقط اطلاعه على التجارب الروائية الحديثة، واللغة الشعرية التي لا إفراط فيها ولا مبالغة، والتي توفرت لديه من حقيقة كونه شاعراً إلى جانب كونه روائياً، وإنما كذلك خصوصية تجربته في تلك البيئة التي أوحت إليه بحالة الانشطار في الشخصية الروائية الرئيسة، ممثلة في الأستاذ محمد، تحت ضغط صعوبات الحياة اليومية في مدرسة نائية في قرية صحراوية، يكابدها شاب متغرب اضطره إلى القدوم إليها، البحث عن عمل وظيفي لا يتوفر بسهولة في مكان إقامته، وحيث نجده يتحدث عن زميل له يسكن معه في الغرفة ويحمل اسمه وصفاته وملامحه، وحيث يختفي هذا الزميل/ الصنو أو الظل كما جاء في مقدمة الشاعر الانجليزي جيرمي ريد للطبعة الانجليزية من الرواية، ويظل زميله يفتقده، ويخشى من تحميل الشرطة المسؤولية له عن اختفائه.
فكرة الصنو أو الظل ربما تقابلها على نحو ما فكرة القرين في ثقافتنا الشعبية، حيث لكل واحد منا نحن البشر قرينة أو قرين ملازم له دون أن يراه، وهو في الأغلب الأعم جني لا أنسي (يقال عن الإنسان حينما يغضب ويفقد صوابه: ثارت عليه قرينته). ربما استوحى إبراهيم هذا القرين من هذه الثقافة الشعبية، وهو الذي يكثر من الانتباه لما في هذه الثقافة من رموز وحكايات وأقوال دالة، لعل من بينها الجملة التي تكررت في براري الحمى: اتخبا مليح اجاك الريح. وربما استوحى هذا القرين من قراءاته، ولا غبار على ذلك ما دام قد قدم هذه الشخصية الروائية بكثير من البراعة والإتقان، وربما كان هذا القرين من ابتداعه الخاص النابع من تجربته الحية هناك.
الآن بعد ما يقارب خمس وعشرين سنة من ظهور "براري الحمى"، وما يقارب ظهور اثنتي عشرة رواية لابراهيم نصر الله، كان آخرها ملحمته الروائية "زمن الخيول البيضاء"، يتأكد الجهد الفني المتميز الذي قدمه ابراهيم في روايته الأولى، بل إن هذا الجهد كان الأساس المتين الذي انطلق منه الكاتب ليكتب روايات فيها الكثير من الاجتهادات الفنية، وألوان التجديد في الكتابة الروائية. ولعل ما ورد في "براري الحمى" من استعانة بالقصيدة وبالمشهد الذي ينتهي بستار كما لو أنه مشهد مسرحي، وما هو كذلك، وذلك لتوسيع آفاق السرد الروائي وللتنويع فيه، أن يتكرر على نحو أبرز مع إضافات فنية أخرى، استندت إلى الخبر الصحافي والصورة الفوتوغرافية، في رواية "شرفة الهذيان، الصادرة في العام 2005 .
ولعل اللغة المحملة بالإيحاءات، والرغبة في التجريب وفي كسر القواعد الفنية المتعارف عليها، أن تظهر بجلاء في كتابته لمشروعه الروائي الذي سماه "الملهاة الفلسطينية"، حيث لم يلجأ إلى الأسلوب المألوف في كتابة ثلاثية أو خماسية، يتكرر فيها ظهور الشخصيات نفسها في كل أجزاء العمل الروائي، مع ظهور شخصيات أخرى بطبيعة الحال. كان إبراهيم نصر الله في كل رواية من روايات الملهاة التي بلغت ست روايات حتى الآن، يذهب إلى زاوية أخرى جديدة لم يطرقها من قبل للكتابة عن جانب من جوانب المأساة الفلسطينية بكل ما تحفل به من شخوص وأحداث، بحيث يتم التعاطي مع الرواية الواحدة باعتبارها عملاً مستقلاً عما قبله وعما بعده، وبحيث يتم التعاطي معها باعتبارها جزءاً مكملاً لمشروعه الكبير مندرجاً فيه، وقد أكد هو نفسه هذا المنحى الذي سار فيه، في واحد من الحوارات التي أجريت معه.
كتب ابراهيم نصر الله في رده على بعض تساؤلاتي حول روايته الأولى هذه يقول: "لم أكن أعتقد أبداً أنني سأكتب رواية غيرها، فقد كان الهدف ربما علاج النفس بالكتابة عن تجربة قوية مؤثرة لا يستوعبها الشعر. تجربة لا تنسى أبداً".
والآن، بعد هذا العدد من الروايات التي أكدت حضور ابراهيم نصر الله في المشهد الروائي العربي، يمكنني القول إن بداية فنية ناضجة كهذه ما كان يمكنها أن تنقطع أو تتوقف، وكان من الطبيعي أن يتوالد منها كل هذا الإبداع وكل هذا الحضور.
* ألقيت في ندوة عن ابراهيم نصر الله في دار الشروق
رام الله/ 24 / 5 / 2008



تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر 


أضف هذا الخبر إلى المواقع التالية