الصالونات الأدبية وملاحظة من محمود شقير
 

رام الله – خاص بـ القدس - لعبت الصالونات الأدبية في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين على وجه التحديد دوراً بارزاً ومشهوداً في إثراء الحركة الأدبية والثقافية العربية، بل ان هذه الصالونات اعتبرت انعكاساً صحياً وسليماً لواقع الحركة الأدبية والثقافية في المجتمع، وكان الصالون الأدبي آنذاك بمثابة مركز ثقافي يتناول مختلف القضايا، خصوصا في ظل غياب وسائل الاتصال الحديثة حين كان هذا التقليد له دور هام، في احتضان الثقافة والفكر وفي تكريس مبادئ الحوار، وتسليط الضوء على الأنشطة الفكرية، والثقافية المختلفة.

وشاعت الصالونات الأدبية في منازل عدد من الشخصيات الارستقراطية والأدباء والوجهاء، حيث تدار في تلك الصالونات شتى الأحاديث الأدبية والثقافية وقي كثير من الأحيان السياسية والاجتماعية. ولم تكن المرأة الأديبة بعيدة عن هذا المضمار، بل كان لها الدور الأبرز في هذا المجال، بل إن الصالونات الأدبية النسوية نالت من الشهرة والحظ ما لم تنله الصالونات الذكورية إذا جاز التعبير، ولا أدل على ذلك من صالون الأديبة العربية مي زيادة التي حقق صالونها الأدبي شهرة واسعة، كما برزت أديبات أخريات مثل زينب فواز، وهدى الشعراوي، وأماني فريد، وملك حفني ناصيف المعروفة بباحثة البادية، وغيرهن من اللواتي نشطن في مجال الدعوة إلى تحرير المرأة، وكذلك الأديبة السورية مريانا مراش ، كما برزت ماري عجمي صاحبة مجلة” العروس”، والتي استضاف صالونها وجوها أدبية بارزة من أمثال: خليل مردم بيك، وعبد الكريم ألكرمي (أبو سلمى)، وفخري البارودي، وحبيب كحالة، وشفيق جبري، وغيرهم. كما أسست زهراء العابد زوجة محمد علي العابد، أول رئيس للجمهورية السورية نهاية الثلاثينيات، صالونا في منزلها، وكذلك ثريا الحافظ لعبت دورا في هذا المجال إذ أقامت صالونا أدبيا أطلقت عليه اسم “سكينة بنت لحسين” تخليدا لذكراها، وتقديرا لدورها الريادي، واحتفت في صالونها بأسماء هامة، مثل الشاعرة العراقية نازك الملائكة، والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان. والسؤال المطروح حاليا برهن الإجابة، هل فقدت الصالونات الأدبية دورها في إثراء الحركة الأدبية والثقافية العربية، وهل أنطفأ وهجها وخبا بريقها، أو هل انهزمت أمام هجمة وسائل الاعلام العصرية وامام تكنولوجيا الانترنت؟. يجزم الأدباء والشعراء الذين التقتهم “القدس الثقافي” ضمن هذا التقرير، بأن دور الصالون الأدبي قد تراجع كثيرا، بل يذهب بعضهم الى عدم وجود صالونات أدبية حالياً، مع عدم التقليل من أهمية الأشكال الجديدة التي حلت محل الصالون الأدبي سواء ما يتصل بوسائل الإعلام أو المدونات الالكترونية أو المراكز والاتحادات والنقابات الثقافية. ويقول الروائي والقاص الفلسطيني محمود شقير “في زمن سابق كان للصالون الأدبي دور مهم، وهنا نتذكر اللقاءات الأسبوعية التي كانت تدور بين الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ وغيره من الكتاب والأدباء المصريين والعرب، والتي كانت بالفعل تشكل مجالاً لتبادل الآراء واستعراض كل جديد في عالم الأدب والثقافة”. ويمضي شقير قائلاً “ وفي زمن لاحق كان هناك كتاب وأدباء آخرون غير نجيب محفوظ مثل، الأديبة مي زيادة التي كان لها صالونها الخاص، وكانت تقام جلسات في بيوت أحد الأدباء يجتمع فيها كتاب وأدباء يناقشون فيها قضايا أدبية وثقافية مختلفة”. ويوضح الشاعر الفلسطيني الأستاذ علي الخليلي أن الصالونات الأدبية انتشرت في البدء بعد الثورة الصناعية في أوروبا وحظيت بشهرة واسعة آنذاك بسبب غياب المؤسسات الثقافية، من جمعيات واتحادات ومراكز، والتي كان من المفترض أن تضطلع بمهمة جمع الأدباء، ناهيك عن أن دور الصحافة في تلك الحقبة كان أضعف مما هو عليه الآن. وقال “ وهذه الحالة وجد الأدباء والمبدعون عامة أنفسهم مضطرين لإنشاء صالونات أدبية من خلال شخصيات مغرمة بالمبدعين خاصة النساء منهم”. ويشير في هذا السياق إلى أن الطبقة الارستقراطية هي من احتضن الصالونات الأدبية، فمرتادي صالون مي زيادة الأدبي فتنوا بشخصيتها كيف لا وهي امرأة تملك الثراء والجمال إلى جانب كونها أديبة مبدعة في جو ذكوري. أما الشاعر الفلسطيني زكريا محمد فيقول “ إن الصالونات الأدبية بشكلها القديم لم تعد مهمة كما كانت في حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي في تلك الفترة كانت الصالونات حاسمة جداً وكاد يكون لكل أديب صالونه الخاص، أما الآن فقد انحدرت وحل محلها أشكال جديدة مثل، المواقع والمدونات الالكترونية لبعض الكتاب والتي أصبحت بدورها مؤثرة إضافة إلى انتشار المجلات التي حلت محل الصالونات الأدبية”. ويعتقد الشاعر الفلسطيني من قطاع غزة خالد جمعة جازماً أن الصالونات الأدبية فقدت دورها لسبب بسيط يتمثل في أن هدف إنشاء الصالونات الأدبية في الماضي كان محض أدبي وأي قضية تناقش على الهامش كانت نتاج للأدب رغم الاختلاف الفكري والأدبي في توجهات رواد هذه الصالونات. ويقول جمعة “ لا جدوى للمبدعين حاليا من الصالونات الأدبية فالبحث الآن يتركز على الصورة الإعلامية وليس عن حقيقة الأدب”. ويرى أن المدونات الالكترونية والانترنت أنتجا حالة إشباع في النقاش الثقافي والأدبي أكثر مما تملك الصالونات الأدبية. الصالونات الأدبية في فلسطين وإذا كانت هذه آراء ضيوفنا في الصالون الأدبي التقليدي، فماذا نسمي إذا الصالونات الأدبية الموجودة في الساحة الثقافية والأدبية الفلسطينية على قلتها؟ يقول الأستاذ محمود شقير حول هذه النقطة “ اسمع عن بعض الصالونات الأدبية في نابلس ورام الله، وإن كانت نشاطات هذه الصالونات تعقد بشكل متقطع. ويعزو تراجع دور الصالونات الأدبية إلى ضعف الحركة النقدية في الحياة الثقافية الفلسطينية، وبسبب الدور الهامشي الذي تمثله الثقافة العربية في هذه المرحلة، ما جعل دور الصالون الأدبي محدوداً جداً ولم يعد للثقافة ذلك الدور البارز وهذا مرده في الأساس تجاهل الحكام للثقافة وعدم إيلائها الرعاية والدعم اللازمين من قبل هذه الأنظمة. ولم يقف شقير عند هذه الأسباب فقط في تفسيره لتراجع دور الصالون الأدبي والثقافة عموماً، فهو لم يعف المثقفين العرب من مسؤوليتهم في هذا الجانب ويرى أنهم مقصرون في دورهم وعليهم عدم انتظار أن تبادر الأنظمة الحاكمة لمنحهم الفرصة للاضطلاع بدورهم فهذا الدور ينتزع انتزاع، كما أن من الأسباب التي أشار إليها عزلة الجماهير عن الثقافة وهذا عائد إلى استقطابهم من قبل وسائل الإعلام المختلفة وعلى رأسها التلفاز. وقال “ هذه العوامل مجتمعة أدت إلى اختفاء الصالونات الأدبية وغياب فرص تجميع الأدباء والمثقفين”. ويرى الشاعر علي الخليلي أن جميع الدول العربية شهدت ظهور صالونات أدبية حديثا وبضمنها فلسطين إلا أن هذه الصالونات فشلت والسبب في ذلك “أن الاستنساخ لا يعني الإبداع”. وقال “هناك حاليا العديد من المراكز الثقافية في الضفة الغربية وقطاع غزة وهذه يفترض بها أن تخدم الثقافة وتقوم بأدوار تفوق الدور الذي يمكن أن يلعبه الصالون الأدبي ولكن بعيداً عن النزعة الشخصية. ويرى أن تطور الصحافة الإبداعية ليس فقط المقروءة ولكن أيضا المسموعة والمرئية، وانتشار المدونات الالكترونية ساهم بشكل كبير في نكوص دور الصالون الأدبي إذ أصبح كل أديب ومبدع يمتلك صالونه الأدبي الخاص على الانترنت وهي صالونات عصرية ذات حداثة أو حتى ما بعد الحداثة. وقال “في تقديري أن الصالونات الحديثة تلعب دوراً أخطر منه في الصالونات التقليدية القديمة التي كانت ذات نزعة نخبوية، فنجيب محفوظ كان يجلس في مقهى هو أشبه بصالون أدبي، وكذلك الأدباء في بيروت الين كانوا يجتمعون في مقهى “الهورت شو” والذي كان أيضا بمثابة صالون أدبي يجمع نخبة من الأدباء والمثقفين”. وأضاف “ليست السياسة وحدها لعبت دورا في اختفاء الصالونات الأدبية، فالقفزة الآن في المدونات والانترنت”. ويرى أن ثقافة ما بعد الحداثة بدأت تفقد الكلاسيكيات، كلاسيكيات الرمز كما عند طه حسين وجان بول سارتر وهناك الآن سرعة في تقديم المعلومة يطغى عليها الجانب الإعلامي. وإذا كان الخليلي يرى أن الثقافة العربية الراهنة متأخرة، فهو يرجع أسباب ذلك على سبيل المثال لا الحصر، إلى انعدام حركة الترجمة وضعف الجمعيات والمؤسسات الثقافية واضطرابها عدا عن القمع السياسي والمنع الذي تتعرض له النقابات الثقافية وهذا بالتالي أثر على الصالونات الأدبية ودورها وخلق انزياحا عنها نحو الانترنت. أما الشاعر زكريا محمد فيلخص القول في هذه الجزئية “بأن الصالونات الأدبية خلال السنوات العشرين الأخيرة لم تكن ذات تأثير بل ربما أن عهدها قد انتهى وولى”. ويضيف “في فلسطين لا اعلم عن وجود صالون أدبي مؤثر، كانت هناك محاولات ولكنها لم تستمر طويلا”. ويرى الشاعر خالد جمعة أن الحركة الثقافية في قطاع غزة تعرضت لضربة وبالتحديد بعد مجئ السلطة الفلسطينية حيث لم تميز السلطة بين ما هو أدبي وما هو سلطوي. وقال أن نظام اتحاد الكتاب الفلسطينيين يشير إلى انه مؤسسة مستقلة إلا أن الاتحاد كان يتلقى التمويل من وزارة الثقافة كما أن بعض موظفي الاتحاد هم موظفون في وزارة الثقافة، مما انعكس على الصالونات الأدبية وربطها بفكرة ضيقة. المرأة والصالونات الأدبية..إقصاء أم تراجع وإذا كانت الصالونات الأدبية التي تتولى أمرها أديبة أو مبدعة أو ارتبطت بإحدى الأديبات أو المبدعات قد شهدت ازدهار في الماضي، إلا أنها في المرحلة الراهنة قد تراجعت كثيرا إذا لم تكن قد انعدمت تماما، فهل هذا يؤشر أو يرتبط بتراجع دور المرأة عموما سواء فلسطينيا أو عربيا؟. وهنا يقر الأديب محمود شقير بأن هناك إقصاء للمرأة بل أن هناك إقصاء للمرأة والرجل المثقفين على حد سواء ولكن مساحة الظلم الواقع على المرأة أكبر بكثير. ويشير إلى أن هناك أديبة من نابلس يعتقد أنها أفنان دروزة هي صاحبة صالون أدبي، ولكن لا يعلم شقير إلى أي حد يبلغ تأثير هذا الصالون في الحياة الثقافية. ويقول “الإقصاء وارد رغم جهود النساء في الثقافة، عندما نستعرض الثقافة الفلسطينية الراهنة نجد حضورا بارزا للمرأة، في مجال القصة والشعر ولكن على صعيد تبوأ المرأة مناصب في المؤسسات الثقافية نجد هناك إقصاء لها عن هذه المراكز”. ويرى الشاعر زكريا محمد أن ظروف انخراط المرأة في الصالونات الأدبية في السابق تختلف عنها حاليا، ففي الماضي كانت صاحبة الصالون الأدبي كاتبة أو مبدعة حباها الله بنعمة الجمال مما يجعل صالونها مؤثراً يتسابق الأدباء إليه كما تهفو الفراشة إلى النار، فعنصر الجمال كان بمثابة البهار للصالون. كما كانت النساء رائدات آنذاك خاصة في مجال التحرر أما الآن فقد خرجت المرأة للعمل ولم يعد هناك خصوصية للمرأة الأديبة. الشاعر خالد جمعة يشيد بتجربة صالون “نون” الأدبي في قطاع غزة ويرى أنه حقق نجاحاً في الساحة الثقافية، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود مآخذ على هذا الصالون الذي تديره وتقوم عليه مثقفات. ومن المآخذ على صالون “نون” الأدبي وفق جمعة، إن توجهه نسوي فهو يركز على قضايا تخص المرأة وضيوفه من النساء الأديبات أو المبدعات، وهذا أمر جيد ولكن يعتريه في الوقت نفسه عامل نقص وتشويه تجاه العملية الأدبية. وقال جمعة “أنا مع التوازن وقليلا مع حرية المرأة ولكن ليس مع تغليب طرف على الآخر (...) صالون نون ناجح وأنا شخصيا أشارك فيه ولكن القائمات عليه نسوة وهو يناقش قضايا تحص المرأة أو لها علاقة بالمرأة وهذا ما لم يكن يحث في صالونات مي زيادة وغيرها من الأديبات في الماضي”.
الثلاثاء مارس 11 2008
جريدة القدس

ملاحظة من محمود شقير: اتصلت هاتفياً بجريدة القدس للتحدث مع الأخ أمجد التميمي الذي أجرى معي حواراً على الهاتف حول الصالونات الأدبية، فلم أجده. قيل لي إن أمجد لا يعمل في صحيفة القدس. عرفت من أحد الزملاء أنه يتعاون مع الصحيفة وينشر تقارير صحافية فيها من الخارج.
وأما سبب اتصالي وسؤالي فقد كان مقصوداً منه التنبيه إلى خطأ في المعلومات جاء في نص التقرير دون أن يصدر عني، وهو المتعلق بكلامي على مي زيادة والقول: في زمن لاحق كان هناك كتاب وأدباء آخرون غير نجيب محفوظ مثل الأديبة مي زيادة. والصحيح أن مي زيادة كانت في زمن سابق لنجيب محفوظ، وهذا ما قلته على الهاتف، وربما وقع السهو من الأخ أمجد أثناء تحرير النص، ولهذا وجدت من المناسب أن أنوه هنا إلى ذلك حيث فاتني التنويه في الصحيفة حول هذا الخطأ غير المقصود.
18 / 3 / 2008

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر 


أضف هذا الخبر إلى المواقع التالية