|
في مجموعته القصصية التي تشتمل على عشر قصص قصيرة، يواصل الكاتب محمد علي طه انحيازه للكتابة الملتزمة التي تحمل هموم الوطن والناس، وتقوم بشحن أعماله القصصية بمواقف سياسية وأخلاقية ذات منحى تربوي، مكرساً من أجل ذلك، خبرته الطويلة في كتابة القصة القصيرة، ومستفيداً في أحيان غير قليلة، من ممارساته السياسية التي وضعته منذ سنوات عديدة في قلب المعركة الممتدة، التي يخوضها الشعب العربي الفلسطيني ضد التمييز القومي، ومن أجل الحرية وتقرير المصير.
ويلاحظ المدقق في قصص "النخلة المائلة" أن محمد علي طه ما زال يكتب القصة ذات الأسلوب السردي المألوف، لكنه لا يفعل ذلك من باب الاستسهال، أو لعدم الرغبة في دخول منحنيات التجريب الذي مارسه في مجموعات قصصية سابقة، فهو يطبع القصة السردية التي يكتبها بطابعه الخاص. فلغة السرد لديه ممتعة متأنقة، لا تكتفي بالوصف الخارجي للشخوص وللأمكنة، بل إنها تتغلغل عميقاً في دواخل الشخوص لتكشف عن نزعاتهم المختلفة وعن شتى الانفعالات، التي تحتدم في صدورهم. كما أنها تقدم الأمكنة غير معزولة عن ارتباط الشخوص بها، ما يجعلها أمكنة حميمة، لها وقعها المؤثر في النفوس، وتضاعف من هذا التأثير، استفادة الكاتب من معرفته العميقة بطبيعة بلاده: أرضها، ترابها، أشجارها، نباتاتها، وغاباتها، فيسهب في وصفها، مقدماً باستمرار تفاصيل حية دقيقة. غير أن قصص المجموعة تتباين في مستوى الجودة والإتقان. ويمكن منذ القراءة الأولى، إخراج القصة الأخيرة الموسومة ب "سورة زهرة المدائن" من عالم القصة القصيرة، واعتبارها كتابة نثرية جميلة، حشد فيها الكاتب بعض التضمينات من قراءاته، انتصاراً للقدس في محنتها القاسية، فيصدق ما كتبه محمد علي طه عنها قبل ست سنوات، على ما صادفته من بربرية قبل أسابيع معدودات، فها هو يقول: "يا زهرة المدائن.. يا أمنا.. يا قدس.. ما زال العساكر يذبحون الرجال والنساء والأطفال.. وما زال تراب الأقصى يروى بدمائنا.. وما زال حبنا يزداد إليك كل يوم" ص 124 . ويمكن كذلك، اعتبار قصة "الخادم" أقل حظاً من غيرها، من حيث مستواها الفني ومن حيث مساحة الشعور الإنساني الذي يتبدى من خلالها، حيث لا نجد سوى الرغبة في المقارنة بين جيل الآباء وجيل الأبناء، حينما تشتعل عاطفة الحب في القلوب، وقد جاءت المقارنة على نحو ستاتيكي جامد، لا يضيف الشيء الكثير إلى العالم الداخلي للقصة. في ما تبقى من قصص المجموعة، يتألق محمد على طه كاشفاً عن قدرته على الاستفادة من أبسط التفاصيل اليومية، ملتقطاً إياها، لتوظيفها ضمن نسق من العلاقات المتشابكة، ولإنتاج قصص تتميز بما فيها من رصد إنساني لبعض جوانب المأساة الفلسطينية. فمن خلال حصة مدرسية لتعليم الكبار، يتكشف اللغز المحير في حياة عبد الكريم ابن قرية الزيب المحروم من زوجته وطفله اللذين شرّدا مع من شرّد من أبناء الشعب الفلسطيني العام 1948 إلى خارج الحدود، ومن خلال الشوق العارم إلى البيت، حيث الجلسة الخاصة التي لا تجدها في فندق أو في أي مكان آخر. يعاني بطل قصة "البيت" من مرارة التشرد، ويقتني بالصدفة صورة للبيت الذي ولد فيه، ثم اضطر إلى مغادرته مع أسرته، دون أن يبقى في ذاكرته الصغيرة أي شيء يدل عليه. وكذلك، من خلال النخلة التي تصبح رمزاً للوطن بأكمله، تنبجس الذكريات في وعي يوسف العلي، العائد إلى الوطن، ليجد النخلة مبروكة، و قد مال جذعها تحت ضغط الزمن، واضعاً اللوم في ذلك، ليس على الزمن، وإنما على الذين تركوها وحيدة مهجورة. وحينما يكتب محمد علي طه قصصاً ملتزمة عن الوطن، فإنه يستنفر كل أدواته الفنية للوصول إلى اللحظة الإنسانية التي تعطي لقصصه ديمومتها وجدارتها، وتعمل على حمايتها من سطوة اليومي المبتذل، ومن غواية ا لمباشرة الزائدة. غير أنه يقع أحياناً في شرك التناول الرومانسي لمادته القصصية، كما هو الحال في قصة "الخط الجميل" حينما يقوم الكاتب بالحجب المتعمد للمعلومات، وبالمبالغة في التعمية على الوضع الشخصي لعبد الكريم، الذي يعيش وحيداً في القرية، دون أن يعلم أحد سر ذلك، إلى أن تعود أسرة عبد الكريم بعد طول تشرد وعناء (وهو تشرد لا يمكن إخفاؤه والتكتم عليه كل هذا الوقت، لأنه أصاب أناساً كثيرين تعرضوا لمأساة عامة). ويقع الكاتب في بعض الأحيان في شرك الإيديولوجيا التي يتبناها، بحيث يصبح بعض أبطال قصصه أسرى لها، أو مجرد أدوات تتجلى الإيديولوجيا من خلالها. يتضح ذلك في قصة "لحظة حياة" عندما يتراجع الصبي عدنان عن قذف الزجاجة الحارقة في اتجاه سيارة المستوطن الإسرائيلي، لأنه رأى في اللحظة الحاسمة طفلاً بريئاً ممدداً في سرير صغير على المقعد الخلفي للسيارة. وإذا كان غير وارد بتاتاً مطالبة الكاتب بالتخلي عن موقفه الإيديولوجي أثناء الكتابة الإبداعية، فإن مستلزمات العمل الفني الناجح تتطلب منه الابتعاد عن حشر المادة الإبداعية في قوالب إيديولوجية جاهزة. لقد بدا هذا الابتعاد واضحاً في قصص متقنة تماماً وهي "مشوار الأصيل"، "زوجة العقيد"، و "ليلة في قطار ريغا" حيث يترك القاس لأبطاله حرية الحركة للتعبير عن نوازعهم الداخلية دون تدخل مباشر منه، وحيث يبدون منسجمين مع أنفسهم، غير عابئين إلا بمنطقهم الخاص، من أجل أن يلبوا نداء الحياة الكامن في أعماقهم. بل إن بطل قصة "ليلة في قطار ريغا" يتعرض لأزمة ضميرية حادة، تتمثل في الصراع بين قناعاته الإيديولوجية الزائفة حيناً، الساذجة حيناً آخر، وبين نداء الجسد. وفي النهاية ينتصر هذا الأخير، وتنهزم القناعات الساذجة، ليعطينا محمد علي طه واحدة من أجمل قصص مجموعته القصصية هذه. النخلة المائلة/ مجموعة قصصية/ تأليف: محمد علي طه/ 127 صفحة/ دار الهدى- كفر قرع/ نيسان 1995 دفاتر ثقافية/ رام الله/ العدد 6 / تشرين الأول 1996
تاريخ الإدراج: 4 / 1 / 2008
|