|
تتحدد الوجهة الرئيسة لهذه المجموعة القصصية انطلاقاً من عنوانها. فالعنوان ذكوري في شكل لا لبس فيه. وهو لا يكتفي بإضفاء صفة إيجابية على الذكورة، وإنما يخطو خطوة أخرى مقابلة بحيث يضفي صفة سلبية على الأنوثة.
وحيث أن الكاتبة امرأة، فإن العنوان يشي بالسخرية، ويشي بتحريض النساء منذ اللحظة الأولى للقراءة، ضد امتهان كرامتهن، وهو يشي بما يفيد الاحتقار لهذا الرجل الذكي الذي يضع نفسه في مواجهة نساء بليدات. وحينما نعلم أن العنوان مأخوذ دون تحوير أو تحريف، من كلام لأحد شخوص أماني الجنيدي في مجموعتها القصصية هذه، فإن سر عنوان المجموعة ينكشف لنا دون لبس أو إبهام، على أنه يتضمن سخرية واستنكاراً ورفضاً وتحريضاً ودعوة إلى تغيير هذا التقابل المهين، الذي يجور على كرامة المرأة وعلى شخصيتها وعلى حريتها، بوصفها كائناً إنسانياً يستحق ما يستحقه الرجل من احترام وتقدير. ولعل أبرز ثيمة اشتغلت عليها أماني الجنيدي في قصصها هذه، هي العلاقة المتأزمة بين المرأة والرجل وبخاصة حينما يكونان زوجاً وزوجة. لو كانت الكاتبة تتحدث عن علاقات سوية بين الرجل والمرأة في مجتمعنا، لكان حديثها غير منطقي. ففي مجتمع بطريركي متخلف، مملوء حتى الثمالة بالتقاليد البالية وبالعادات التي انقضى زمانها، يصبح من المتوقع أن تكون العلاقة على النحو الذي وصفته أماني الجنيدي في قصصها. ميزة هذه القصص أنها لم تقف عند السطوح الخادعة. فثمة إمكانات لممارسة الخداع ولإظهار المرأة كما لو أنها نالت حقوقها وأنها تمارس مساواة مع الرجل لا غبار عليها. بل إن واحدة من قصص أماني الجنيدي تظهر امرأة متسلطة على زوجها، بحيث يبدو الرجل هو الأضعف من المرأة في ميزان الصراع. بالطبع لم يكن هدف الكاتبة إظهار قوة المرأة، بقدر اهتمامها بإظهار الحالة غير السوية في مجتمع يعاني من الكبت في العلاقة بين الرجال والنساء، فيحاول الرجل في هذه الحالة البحث عن حلول غير سوية مع نساء أخريات، وتكون النتيجة استمراراً في التخبط في العلاقات، وإنتاجاً لأزمات جديدة تظل تعتمل تحت سطح المجتمع، لكنها تنفجر بين الحين والآخر على شكل أزمات أسرية أو على شكل اندفاعات ذكورية تتصدى لحل الأزمات في شكل دموي تكون ضحيته النساء. ميزة هذه القصص أنها تدخل تحت السطح الخادع لترى الحقائق، ولترى التناقض ما بين الفعل التظاهري المخصص للنفاق الاجتماعي ولمجاراة القيم السائدة، وما بين الفعل الحقيقي الذي يظهر انهيار القيم في مجتمعنا، بحيث لم نتمكن بعد من إقرار منظومة قيم جديدة، تريحنا من قلق الضياع ما بين قديم وجديد، وتأخذ بعين الاعتبار ما جد على مجتمعنا من تحولات في الوعي وفي السلوك، وما يتعرض له هذا المجتمع من تيارات ثقافية وإعلامية ومن قيم ومن ممارسات وتصرفات، لا يمكن الأخذ بها دون تمحيص أو تدقيق، ولا يمكن تجاهلها كما لو أنها غير موجودة ولا تأثير لها على الناس. ولكي تكون الكاتبة صادقة مع نفسها ومع اللون الكتابي الذي اختارته، فقد آثرت أن تكسر وقار اللغة لكي تكون أكثر دقة في التعبير عما في داخل شخوصها من نوازع ورغبات. فاللغة التي تدعي الوقار وتتزيا به، تظل لغة بعيدة من منطق الحياة الاجتماعية وصخبها، وستبدو مثل عرائس الشمع، شكلاً دون حياة. لغة أماني الجنيدي في قصصها هذه موارة بالحياة، بعيدة من الحشمة والوقار، وهي تأتي بالغة الدلالة معبرة عن دواخل أصحابها دون تزويق أو تلطيف أو تمويه أو ادعاء. هي في الوقت نفسه لغة بعيدة من الابتذال. إنها لا تتقصد استخدام اللغة التي تشف عن إيحاءات جنسية في بعض الأحيان لكي تلعب على مشاعر قارئ مكبوت، بل هي تتقصد الذهاب إلى سبر الحالة التي جعلت شخوصها على هذا الحال. من هنا جاءت هذه المزاوجة الذكية وهذا التداخل المنطقي بين الوطني والاجتماعي في واقعنا المعيش. فنحن لا نتجرع قسوة المعاناة من الاحتلال الإسرائيلي وحسب، وإنما نتجرعها أيضاً من التخلف والانحطاط والفوضى وانهيار القيم، التي تجعل المعاناة مضاعفة وتجعل الهم مقيماً فوق كواهلنا أضعافاً مضاعفة. في هذه الحالة، يصبح من واجب الأدب أن ينتبه إلى هذا التداخل، لأن الاكتفاء بوصف معاناتنا من الاحتلال، رغم أهميته، سيبدو تزييفاً للواقع أو تجاهلاً له، أو عدم استيعاب لما يجري في مجتمعنا من تطورات سلبية وانتكاسات، لنا يد طولى فيها، فإن لم نعترف بذلك، فهذا يعني أننا نواصل العزف على وتر تأجيل النظر في أوضاعنا الداخلية إلى حين التخلص من الاحتلال! وهذه هي الوصفة الأكيدة لاستمرار التخبط والهوان. ولقد انتبهت أماني الجنيدي إلى هذا التداخل، وجاءت قصصها معبرة عن حالة الاشتباك مع ما تتعرض له نماذج من الشعب الفلسطيني، نساء ورجالاً، من شظف العيش في ظل احتلال عنصري، وفي ظل قيم متخلفة تتساوق في شكل غير مباشر مع سياسات الاحتلال، فيجري تأبيد تخلفنا وتعطيل فرص التحرر والانعتاق والعدالة التي نتطلع إليها منذ سنوات. يظهر ذلك بوضوح في قصة "بيتنا" حيث يستشهد زوج المرأة وتستشهد زوجة أخيها، وتكون نتيجة ذلك حجز المرأة في البيت باعتبارها أرملة لا يحق لها الخروج من بيتها، وفي الوقت نفسه يتزوج أخوها من امرأة تصغره في السن بعد خمسة عشر يوماً من استشهاد زوجته. ولكي يكتمل مشهد التمييز ضد المرأة واضطهادها، فإن أسرة زوجها لا تدفع عنها إيجار البيت، وتلحق بها الشبهات لمجرد أن مالك البيت يأتي إليها مطالباً بأجرة بيته. أكثر من ذلك، حينما تقرر الأرملة الجلوس في دكان جدها كي لا يصادره المستوطنون، يذهب إليها أخوتها ويجرونها إلى بيتها، ومن ثم يجبرونها على التوقيع على أوراق تخولهم الحق في بيع الدكان. ولم تتهيب الكاتبة من الاشتباك الصريح مع المحظورات التي لا يقاربها الكثيرون من الكتاب الفلسطينيين والعرب وكذلك الكاتبات، إلا بحذر شديد، خوفاً من غضب الأنظمة الحاكمة أو غضب الهيئات الاجتماعية التي تحرس السائد وتمجده، أقصد هنا محظورات الجنس والسياسة والدين. في هذه المجموعة القصصية، ثمة اشتباك مع الجنس والسياسة على غير صعيد، وثمة فضح لهالات زائفة دون خوف من اتهام. فالرجل الذكي في إحدى قصص المجموعة هو ضابط في الأمن الوطني، وقد كان له ماض نضالي ما زال يعتز به، ومن حقه بالطبع أن يعتز به، غير أن من واجبه أن يحافظ على استمراره، لا أن يتحول عنه ويحوله إلى أيقونة، يتباهى بها في زمن البحث عن امتيازات. وهو ما زال يقتني بندقيته التي شهدت بطولاته أثناء حصار بيروت، غير أن هذا الماضي النضالي المشرق، لم يغيره من الداخل، فالبندقية التي شهدت البطولات وأسهمت فيها، أصبحت أداة للتسلط على الناس، وصاحب البندقية لم يقدر تضحية زوجته الأولى التي ظلت صابرة منتظرة إياه في الوطن وهو في الخارج مع المقاومة، وحينما عاد إلى الوطن كان قد أصبح لديه ثلاث زوجات، يهددهن بين الحين والآخر بإحضار زوجة رابعة. ورغم تمردهن عليه في نهاية القصة وإخفاء بندقيته المعلقة على الحائط التي تمثل بالنسبة له معنى حياته ووجوده، والادعاء بأنها سرقت، إلا أنه لم يتراجع عن نظرته الدونية إلى النساء باعتبارهن نساء بليدات تمتلئ الأرض بهن. وحينما تكثر في المجتمع مظاهر الخلل والتفسخ والانهيار، تختار الكاتبة مكاناً مفترضاً اسمه التكية، لا يدخله إلا الضاحكون الراغبون في التلذذ بالعيش بعيداً من الهموم وأشكال المعاناة. ويذهب صحافي راغب في إحراز سبق صحافي إلى التكية، يختلط بأهلها ويتعرف إليهم ونجد مشكلات المجتمع الحقيقي تتردد على نحو ما وبطريقة غير مباشرة في هذه التكية المنتقاة. فالحديث عن نية الحكومة الفلسطينية استئصال الفساد والفاسدين، يصبح نكتة يتداولها أهل التكية ويروونها لكي يضحكوا، وفي ذلك ما فيه من رأي غير مباشر في الموقف من محاربة الحكومة للفساد. لأماني الجنيدي لغة سردية لا تعرف الحياد. فيها حيوية ودلالة على الحالات الموصوفة دون لف أو دوران. لغة مطعمة بقدر معقول من اللهجة الدارجة ، وهي منتزعة من حرارة التجربة ومن صميم المجتمع. جملتها القصصية قادرة على بعث الإيحاء وإثارة رغبة القارئ في متابعتها حتى النهاية. واقعيتها مطعمة بسخرية حريصة على توفير متعة القراءة للقراء، وهي تستخدم ضمير المتكلمة حيناً وضمير المتكلم حيناً آخر وتستخدم ضمير الغائب في بعض الأحيان، وفي كل ذلك نكون أمام شخوص من لحم ودم وليس أمام شخوص من رؤى ذهنية وأفكار. وهي تستخدم الترميز الشفاف في بعض قصصها كما هو الحال في قصة "أرملة برداء مزركش" التي استخدمت فيها رمز "التكية". وفي هذه القصة، ثمة خلط للواقعية ببعض لمسات سريالية تتبدى في الغرف ذات الأبواب العملاقة والنوافذ المقزمة حيناً، وفي الغرف ذات الأبواب المقزمة والنوافذ العملاقة حيناً آخر. والكاتبة تستخدم في بعض القصص (قصة الأستاذ رجب، مثلاً) وقائع معروفة لبناء قصة سياسية تسخر فيها من بعض ممارساتنا وكذلك من ممارسات الاحتلال، فهي تتطرق في القصة إلى موت عرفات وانتخاب أبي مازن والتغيير الوزاري المنتظر، وذلك توجه إيجابي من أحد أوجهه، وهو سلبي من أوجه أخرى، حينما تتسلل المباشرة والأفكار العارية إلى داخل النص القصصي على هذا النحو أو ذاك.ولأماني الجنيدي قصص لا تتجاوز الواحدة منها أربع صفحات، في حين أن قصة "خلف الستار" يزيد عدد صفحاتها عن سبعين صفحة، وفي هذه القصة تفضح الكاتبة أثر التزمت على نفسيات الجيل الجديد ودفعه إلى التهور الخلقي، وتكشف تأثيرات الإنترنت على هذا الجيل الذي يحيا في بيئة متزمتة، مع أنه يصح التساؤل: كيف يسمح أب متزمت يحرم ابنته من مواصلة دراستها في المدرسة كي لا تخرج من البيت، بحرية الوصول إلى الإنترنت في داخل البيت! وإلى ذلك، تستخدم الكاتبة على نحو مقنع العلاقات الجنسية غير السوية، وبخاصة سفاح المحارم، للتدليل على حالة مجتمع بلغ فيه التفسخ وتفكك نسيجه الداخلي درجة لافتة للانتباه. ثمة مآخذ على بعض قصص المجموعة. ثمة إسهاب في السرد دون داعٍ لذلك في بعض القصص. ثمة إخفاق في اقتناص اللحظة القصصية الملائمة على نحو ملائم، كأن يجري تصوير الحاخام في إحدى القصص بأنه متعقل قابل للعيش مع الشيخ في هذه البلاد، في حين يظهر الشيخ على أنه شخص متطرف يقول للحاخام: إما أنا أو أنت في هذه البلاد، في حين تقول الحقيقة إن من يدعون التعقل هم الذين يسومون الشعب الفلسطيني العذاب ويعرضونه للتبديد والخسران. وفي قصة أخرى يجري تصوير المتضامنين مع الشعب الفلسطيني الذين يحضرون الكرسي للطفل الذي أصبح معاقاً بعد إطلاق الجنود الإسرائيليين النار عليه، بأنهم الوجه الآخر لمطلقي الرصاص، وفي ذلك ظلم لهؤلاء المتضامنين وتجاوز على الحقيقة على نحو ما. غير أن ذلك كله لا يحجب عن الأنظار حقيقة أننا أمام مجموعة قصصية متميزة، فيها نفس قصصي جديد، وفيها جرأة في الكتابة، وفيها موقف فكري متقدم، وفيها سلاسة وإمتاع، وفيها عنصر جاذب آخر لا يمكن أن يغيب عن البال، وهو كونها مجموعة قصصية غير محافظة، قادمة من مدينة توصف بأنها من أكثر المدن الفلسطينية محافظة: أقصد خليل الرحمن. محمود شقير
|