|
ردات الفعل العصبية التي بدرت من بعض الجماعات الدينية، خلال أيام الأسبوع الثقافي الفلسطيني الأردني الذي انعقد مؤخراً في عمان، تحتاج إلى وقفة متأنية لاستجلاء ما يترتب عليها من مخاطر على التجربة الديمقراطية الوليدة في الأردن، إذا ما استمرت واستفحلت على هذا المنوال.
ما يبعث على القلق، تنكر بعض هذه الجماعات، ممن كونوا رأياً مسبقاً عن محمود درويش وأدونيس باعتبارهما من "أتباع كارل ماركس الملحدين"! لأبسط شروط التجربة الجديدة التي تقوم على ضرورة التعايش بين الرأي والرأي الآخر، والابتعاد عن ممارسة الإرهاب الفكري إزاء الرأي المخالف، لمنعه من الظهور على الناس. وما يبعث على القلق، ألا تقتصر ردات الفعل العصبية هذه، على بعض جمهرات الطلبة من المتأثرين بالتيار الديني، بل تتعداها إلى الحد الذي يجعل نائباً في البرلمان من التيار الديني، يطالب صراحة بمحاسبة العاملين في التلفزيون الأردني الذين أتاحوا لمحمود درويش أن يعبر عن رأي، لم يرق للنائب المبجل، على شاشة التلفزيون، فإذا به -أي النائب- بدلاً من مقارعة الحجة بالحجة كما تقتضي أصول الديمقراطية التي أوصلته إلى سدة البرلمان، يلجأ إلى سلاح تكميم الأفواه والتحريض على إنزال العقاب بمن أتاحوا للرأي المخالف أن يجد فرصته على الشاشة الصغيرة! فهل بمثل هذا المنطق تصان الديمقراطية، ويزدهر الفكر، وتتألق الملكات؟! إن صعود نجم التيار الديني لأسباب عديدة، من بينها وصول المجتمع البطركي الحديث في البلدان العربية إلى ذروة أزمته الراهنة، يجعل التعايش بين التيار الديني والتيارات القومية والعلمانية واليسارية، أمراً محتوماً إذا أردنا للممارسة الديمقراطية أن تترسخ في مجتمعاتنا، وإذا أردنا لهذه المجتمعات أن تجد طريقها إلى الأصالة التي لا تضع نفسها في تعارض فج مع الحداثة بكل ما تعنيه من استجابة لضرورات الحياة، ولمنطق العصر، وما يحفل به من مستجدات. هذا الأمر، يضع على عاتق التيارات المذكورة أعلاه، وظائف وأعباء جديدة، لا مناص من الاضطلاع بها، لكي تستقيم أحوال هذه الأمة، فإذا برز من أوساط التيار الديني، من هو على استعداد لمواصلة رسالة الإصلاح التي حملها مصلحون دينيون من أمثال الكواكبي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني، فلم يصلوا بالرسالة إلى نهاياتها المأمولة، فإن هذا الاستعداد كفيل بجسر الهوة بين تراثنا واحتياجات العصر المتجددة، وتضييق الفجوة بين البرامج السياسية المشتقة من الفكر الديني، وبرامج التيارات الفكرية الأخرى. وهو يضع على كاهل اليسار العربي تحديداً مهمات كبرى لا تحتمل التأجيل، كأن يضطلع اليسار باحترام الممارسة الديمقراطية قولاً وفعلاً، والابتعاد صراحة عن التأثر بمنطق النظام الشمولي الذي مارسه الاتحاد السوفياتي طوال سنوات –دون أن يعني ذلك أنني مرتاح لمظاهر التفلت الليبرالي التي تجري في الاتحاد السوفياتي الآن- وأن يبادر اليسار إلى العودة الجدية إلى التراث، فلا يتركه ساحة فريدة للتيار الديني يصول فيها ويجول كما يشاء. واجب اليسار أن يستخرج كل ما في تراثنا من قيم عقلانية، كفاحية وإنسانية، وأن يعممها على الجمهور الواسع، للإسهام في تسييس الناس وربطهم من خلال تراثهم الحي، بكل ما تحفل به الحياة المعاصرة من رقي وحضارة وإنجازات. ولعل من أهم واجبات اليسار أن يلعب دوراً تنويرياً حثيثاً في المجتمع العربي، وألا يظل دوره مقتصراً على المواعظ السياسية المكررة، المستنبطة من مقولات محنطة أصبحت في حاجة إلى إعادة النظر فيها دون إبطاء، فلا يصغي الناس إلى المواعظ، ولا يلتفتون إلى المقولات التي تجاوزتها الحياة. يسار، تلتف من حوله حشود الناس، وله دور في كل مناحي الحياة. وآنذاك، يمكن التعايش ديمقراطياً مع التيار الديني، دون تجاوزات. صوت الوطن/ كانون الثاني 1991/ العدد 17/ السنة الثانية تاريخ الإدراج: 8 / 9 / 2007
|