|
لي مع الكتب تاريخ من الفرقة والحزن والأسى، تستدعيه عودتي الأخيرة الى الوطن بعد إبعاد قسري دام ثماني عشرة سنة.
فقبل حرب حزيران 1967، كنت في عداد مجموعة من الكتاب الشباب آنذاك، الذين جمعتهم من حولها مجلة الأفق الجديد المقدسية، كنا نحلم أحلاما كبيرة، ونقرأ باهتمام ما كان يقع بين أيدينا من كتب، وكنا معنيين بان تكون لنا مكتباتنا الخاصة، وظل حالنا كذلك حتى وقع الاحتلال الذي فرق شملنا ونثرنا في كل اتجاه.
بالنسبة لي، كان احد ابرز فصول المأساة، حين داهم الجنود بيتنا تمهيدا لاعتقالي، فقد فتشوا البيت، وبعثروا الكتب، ثم اخذوا ما لم يرق لهم منها، واخذوا كذلك بعض النشرات السياسية ومجموعة من المقالات كنت كتبتها في سنوات سابقة، ونشرتها في الصحف، ثم آثرت الاحتفاظ بها. بعد ذلك جاء دور الوالدة التي كانت مفاجأة الاعتقال شديدة على قلبها، فاعتقدت أن جنود العدو سيعودون من جديد الى البيت للتفتيش في وضح النهار، وقد يعثرون على كتب "خطيرة" كان الله قد أعمى أبصارهم عنها في الليل، فلم تسمح للوقت أن يمضي دون أن تفعل شيئا، فاستعانت ببعض نساء العائلة ممن يجدن القراءة، وطلبت منهن أن يقرأن على مسامعها عناوين الكتب وأسماءها، ومن ثم قامت بإحراق عدد غير قليل من كتبي تحت وطأة الخوف من ردود فعل المحتلين وممارساتهم.
ثم تتابعت فصول المأساة، حينما أبعدت من الوطن الى لبنان، بقيت بضعة أشهر في بيروت، وقد كونت فيها نواة لمكتبة خاصة، ثم ما لبثت أن غادرتها الى عمان، تاركا ورائي كل الكتب التي قرأتها والتي لم اقرأها، ولم احمل معي سوى بضعة دفاتر فيها مخططات أولى لقصص كنت أنوي كتابتها، فلم أكتبها لأن الدفاتر ضاعت مني ذات مساء وأنا أغادر البيت الذي كنت أقيم فيه تمهيدا للسفر الى عمان.
في عمان أقمت فترة طويلة. وتجمعت في مكتبتي كتب عزيزة، لطالما كنت أعود الى بعضها بين الحين والآخر، أعيد قراءته باهتمام. واذكر الآن على سبيل المثال كتاب "داغستان بلدي" لرسول حمزاتوف، ورواية "الصخب والعنف" لوليم فولكنر.
حينما غادرت عمان الى براغ، لم يكن قد تبقى لدي شيء سوى الكتب، التي أودعها أفراد أسرتي قبل أن يلتحقوا بي في مكان إقامتنا الجديد، لدى واحد من أقاربنا لعلنا نعود اليها ذات يوم، وبالفعل فقد عدنا بعد ثلاث سنوات للإقامة من جديد في عمان، وكنت قد أرسلت من براغ –عبر البريد- عدة شحنات من الكتب، التي كنت اشتريتها من مكتبات لندن وتونس والدار البيضاء، غير أن الكثير منها ضاع لهذا السبب أو ذاك، ومع ذلك فقد استعدت كتبي التي ظلت تنتظرني في عمان، ولم أكن بحاجة الى دليل لكي أتأكد بأن بعضها قد فقد في فوضى الرحيل، فاعتبرت ذلك أمرا ممكن الحدوث، فلم أتوقف عنده طويلا. الآن، وأنا أصفي كل ما لدي من أمتعة تمهيدا للإقامة النهائية في الوطن، فإنني أتأمل كتبي التي لا أستطيع إدخالها عبر الجسر بسبب إجراءات المحتلين، وأتهيأ من جديد لإبقائها أمانة عند أقاربي، واشعر بالأسى لهذه العلاقة غير المستقرة بيني وبين كتبي، وأدرك أن شروط الاحتلال التي تتنافى مع كل الأعراف والقوانين الدولية، ومع كل ما هو إنساني ومنطقي، هي المسؤولة أولا وآخراً عن كل هذا العناء، ولذلك فإن بهجتي وأنا أعود الى الوطن، ستظل ناقصة الى أن تنال الكتب حقها في العودة الى الوطن، والى أن ينال الناس، ناس الوطن، حقهم كذلك في العودة.
فوداعا والى اللقاء أيتها الكتب الغالية.
مجلة صوت الوطن 15/6-15/7/1993/ العدد 46 السنة الرابعة تاريخ الإدراج: 13 / 7 / 2007
|