سليمان النجاب في براغ
 

ذات مرة، عقدت قيادة فرع الخارج للحزب اجتماعاً دام يومين في مدينة براغ.
جاء أعضاء القيادة من مواقع عديدة ومن مدن شتى. أقمنا في شقة بضواحي براغ، تابعة للحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي. كان الطقس بارداً والثلج يكسو المدينة برداء أبيض.

كنت أحضر أول اجتماع لقيادة فرع الخارج بعد خروجي من عمان. كنا حوالي عشرة رفاق، تباحثنا في أمور كثيرة تهم نشاطنا في صفوف الطلبة وتجمعات شعبنا في الشتات. تقرر في هذا الاجتماع أن أبقى في الخارج وألا أعود إلى عمان، وأن تكون براغ هي مقر إقامتي، وكان فيها من قيادة الحزب كل من: نعيم الأشهب، محمد أبو شمعة، ومازن الحسيني.
كان سليمان متحمساً لبقائي في الخارج وللعمل انطلاقاً من مدينة براغ، وكنت مسروراً لذلك. شكلت براغ حلماً بالنسبة لي في زمن سابق. كان يتعين علي أن آتي إليها العام 1972 لتمثيل الحزب في قيادة اتحاد الطلاب العالمي، الذي يتخذ من براغ مقراً له (كان العيش في بلد اشتراكي يثير فضولاً شديداً لدي، بسبب الروايات التي قرأتها لكتاب ماركسيين، وفيها إعلاء من شأن الإنسان الجديد في المجتمع الجديد!). أذكر أن سليمان هو الذي نقل إلي الاقتراح القادم من عمان آنذاك. وافقت على الذهاب إلى براغ، غير أن قيادة الحزب في الداخل رأت رأياً آخر ولم توافق على الاقتراح، ووجدتْ أن بقائي في الداخل يعطي مردوداً نضالياً أفضل من ذهابي إلى الخارج، فلم أناقش الموضوع، وانصعتُ لرأي القيادة.
بعد خمس عشرة سنة من تلك الواقعة، يتجدد الحديث عن بقائي في براغ، ويصبح الأمر حقيقة واقعة، ويكون سليمان حاضراً في المناسبة الأولى وفي المناسبة الثانية.
وهكذا أصبحت براغ مقراً لإقامتي، وكنت مبهوراً بالحياة اليومية للناس فيها. وقد لونت قراءاتي ومواقفي المسبقة هذا الموقف بألوان زاهية، حتى وصل بي الأمر حد التساؤل بيني وبين نفسي، كلما مررت بمحاذاة مبنى المخابرات التشيكية، المجاور للمجلة التي أعمل فيها ممثلاً للحزب، عن جدوى استمرار هذا الجهاز في بلد مستقر لا يحتاج إلى جهاز مخابرات! وقد كنت واهماً بطبيعة الحال، بعد أن تبين لي أن للجهاز مهمات كثيرة، وفيها تجاوزات ما كان ينبغي لها أن تحدث، لو كانت أمور البلد تسير على نحو صحيح!) لكنني بقيت مغتبطاً بحياتي في بلد اشتراكي، فيه الكثير من السمات الجيدة رغم السلبيات التي تكشفت لي في ما بعد، وكانت براغ لا تبخل على ساكنيها بطيب الإقامة فيها.
وكان سليمان يأتي إليها بين الحين والآخر، لحضور اجتماعات دورية نعقدها فيها.
ذات مرة، كنا نغادر مكتب الحزب الواقع في شارع باريس بمدينة براغ. نمشي في الشارع، وكان الزمان أول الصيف من العام ألف وتسمعائة وثمانٍ وثمانين ميلادية، والانتفاضة الأولى في شهرها السابع. نجتاز الساحة الفسيحة حيث تمثال الراهب يان هوس، والناس يملأون الساحة مبتهجين للشمس التي غابت طويلاً، وسليمان يمشي الهوينى في الساحة ويتحدث باهتمام، مدافعاً عن موقف الحزب، وأنا أسير إلى جواره وأصغي إلى ما يقول. والحزب يقول إن التعامل البيروقراطي مع الانتفاضة سيقود إلى إضعافها. الحزب يقول ذلك انطلاقاً من معاينة الوضع في الداخل، ونحن في الخارج نناقش هذا الأمر باستفاضة، ينحي بعضنا باللائمة على الحزب لأنه يحرجنا مع المنظمات الفلسطينية الأخرى، وأشعر بالأسى لأن محاكمة الأمور من بعيد قد لا تصيب الهدف المأمول.
نتجه، سليمان وأنا، نحو فندق الحزب القديم الواقع في مركز المدينة. (أقمت في هذا الفندق بضعة أيام حينما أوفدتني رابطة الكتاب الأردنيين، التي كنت أمين السر في هيئتها الإدارية، إلى تشيكوسلوفاكيا لقضاء أسبوعين فيها، ضيفاً على اتحاد الكتاب في هذه البلاد، قبل عام أو يزيد). وسليمان القادم من تونس يقيم الآن في الفندق، ينهمك في ممازحة بعض العاملين والعاملات في البهو المريح، ممازحات القصد منها إضفاء جو من المتعة البريئة على لحظة من عمر الزمن الذي ينقضي دون هوادة. يستعين سليمان بمفردات من اللغة الروسية والفرنسية والانجليزية لتوصيل ما يريد أن يقول.
نجلس في بهو الفندق القديم ونواصل الحديث، حديثاً لا ينقطع في السياسة وملابساتها، وأشعر بالحزن، لأن بلادنا ما زالت تتعرض للعدوان، ونحن نتحدث عنها من بعيد، لأننا نحيا في المنفى القسري.
وذات مرة، كنا مجموعة من أعضاء الحزب في براغ، والطقس ربيعي، والعشب ينمو على أطراف الشوارع، وبراغ مدينة متألقة. نمشي في الشوارع بحبور، وسليمان معنا. يتحدث بابتهاج عن العشب وطقس الربيع. يمازحني باعتبار أنني متحدر من أصول بدوية، وباعتبار أن أسرتي كانت تربي قطيعاً من الأغنام في زمن سابق، بالقول إن هذا العشب بحاجة إلى ماعز لكي تأكله!
يتشعب الحديث ويأخذنا إلى الكتب. كنت في الأشهر التي سبقت قدومي من عمان إلى براغ، انتهيت من قراءة كتاب "الحيوان" للجاحظ. علقت على سعة اطلاع الجاحظ وعمق ثقافته. وأطرى سليمان على أسلوبه الممتع في كتابة النثر، نثر قريب من الحياة، بعيد من التقعر والتعقيد اللغوي، وفيه استطرادات ذكية محببة.
ثم نمضي وقتاً غير قليل ونحن نتمشى في الشوارع، وسط حشود من رجال ونساء، يجتازون الشوارع إياها مضفين على طقس المدينة مزيداً من الروعة والبهاء.
وقبل أن أستقر في براغ ويكون لي فيها بيت، جئنا، سليمان وأنا، ذات مساء إلى المدينة قادمين من تونس. اقترح نعيم الأشهب علينا الإقامة في فندق المجلة، مجلة قضايا السلم والاشتراكية، والفندق لا يزيد عن بضع غرف في بناية كبيرة، مخصص لبعض زوار المجلة ولبعض العاملين فيها أو ضيوفهم، حيث تكاليف الإقامة محدودة جداً. أقمنا سليمان وأنا في غرفتين متجاورتين. وأذكر أنني نمت نوماً غير مريح بسبب السرير القديم في غرفتي. وكانت تقيم في الفندق فتاة سوفياتية شابة تجيد اللغة العربية، جاءت حديثاً لكي تلتحق بقسم الترجمة في المجلة. وسوف تغادر الفندق حينما توفر لها إدارة المجلة سكناً في المدينة (كم كان غضب الموظفين السوفيات العاملين في المجلة شديداً، حينما قررت إدارة المجلة تطبيق البيريسترويكا في المجلة نفسها، وذلك بإعادة عدد من موظفي المجلة السوفيات إلى موسكو، بسبب تضخم أعدادهم فيها. يومها، سمعت تبريرات عجيبة، ساقها المرشحون للإعادة إلى موسكو، ظاهرها الحرص على المصلحة العامة وجوهرها الحفاظ على الامتيازات الوظيفية، لتسويغ بقائهم في براغ، باعتبار ذلك خدمة للبيريسترويكا نفسها، خلافاً لما يدعيه غيرهم. وقد نجحوا في البقاء في المجلة حتى لحظة إغلاقها، ليس لأن وجهات نظرهم صحيحة، وإنما لأن البيروقراطية المتفشية في كل موقع، كانت أقوى من أية محاولة للإصلاح حتى لو كانت محاولة شكلية! وهذا ما عرفته في ما بعد).
تعرفنا إلى الفتاة في الصباح، وتبادلنا معها حديثاً مقتضباً، تخلله مزاح سليمان معها، فأدركنا للتو أنها تنطوي على ذكاء وعلى إلمام جيد باللغة العربية. تعرفنا كذلك إلى المرأة العجوز التي تعمل في الفندق، وهي تحب المزاح وتسعى إليه. تحدث معها سليمان مستخدماً بعض كلمات روسية لكي يتفاهم معها. كانت نحيفة الجسم رشيقة الحركة، وقد ساعدتنا في إعداد طعامنا في مطبخ الفندق. أعددنا بيضاً مقلياً، وقطعنا بالسكين بضع حبات من البندورة والخيار. تناولنا فطوراً بسيطاً وشربنا شاياً في المطبخ، وكنا نشعر بمتعة البساطة التي تخيم على كل شيء في هذا المكان الوادع. ثم غادرناه إلى مقر المجلة الذي وصلنا إليه مشياً على الأقدام، في صباح رائق جميل.
أقام سليمان في فندق المجلة ليلتين ثم سافر إلى دمشق. أقمت أنا أيضاً ليلتين، ثم انتقلت للسكن في شقة في أحد أحياء براغ. كانت الشقة في الطابق السادس من بناية مكونة من ثمانية طوابق. وقد جاء للسكن معي في الشقة نفسها، عبد الرحمن عوض الله ومحمد أبو شمعة. أما سليمان فقد انتقل للسكن في تونس، بعد أن سكن في دمشق بضع سنوات.
ومن تونس جاء ياسر عرفات إلى براغ، ليلقي محاضرة أمام ممثلي الأحزاب الشيوعية في مجلة "قضايا السلم والاشتراكية". كان معه على الطائرة، سليمان النجاب، ياسر عبد ربه، محمود درويش، تيسير قبعة. وفي براغ، انضم إليهم نعيم الأشهب وسميح عبد الفتاح. جلس القائد الفلسطيني وصحبه من القادة على المنصة المقابلة لمقاعد ممثلي الأحزاب في قاعة الاجتماعات. قدمته وأنا أجلس إلى جواره بكلمات مناسبة، ثم تحدث عن القضية التي نذر حياته من أجلها، وتحدث عن ممارسات الاحتلال غير الإنسانية ضد شعبنا. وكان بين الحين والآخر يتلقى أوراقاً فيها ملاحظات، يمررها إليه بعض إخوانه من القادة، ومن بينهم سليمان بطبيعة الحال (هذا تقليد فلسطيني معروف، وعرفات يتقبله برحابة صدر). يقرأ الملاحظات التي تتمثل عادة في ذكر بعض نقاط نسي أن يذكرها في معرض كلامه، يتبناها على الفور ويتحدث عنها، ويتخذ منها فرصة لمزيد من الشرح والتوضيح.
بعد ذلك، أجاب عرفات عن أسئلة ممثلي الأحزاب. بدا مبتهجاً لهذا اللقاء، ثم غادر القاعة هو وصحبه من القادة، بعد أن ودعهم الحضور بمثل ما استقبلوا به من حفاوة وتكريم.
من كتاب "مرايا الغياب" الذي سيصدر قريباً
جريدة الاتحاد/ حيفا/ الجمعة 13 / 4 / 2007

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر 


أضف هذا الخبر إلى المواقع التالية