|
لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الذي يضطلع به المثقفون العرب في نضال شعوبهم من أجل غد عذب ومكان نظيف، أو يتجاهل التضحيات التي قدمها هؤلاء المثقفون خلال العقود الاربعة الماضية في النضال ضد قوى السيطرة والعدوان ومن أجل أفق ديمقراطي بهيج.
ولا يستطيع أحد الادعاء في الوقت نفسه بأن المثقفين العرب يمارسون دورهم اليوم على الوجه الأكمل، بحيث لم تعد شعوبهم تنتظر منهم أكثر مما يقدمونه بين الحين والأخر، وعلى نحو يشبه الهبات المفاجئة التي لا تلبث أن تستكين لعوامل الزمن وروتين الأيام، وضعف التواصل بين المثقفين ومتابعة المهمات.
يحدث مثلاً أن تنطلق في سماء المثقفين العرب دعوة للعمل الجماعي ثم لا تلبث هذه الدعوة أن تتبدد أدراج الرياح، ويحدث أن يلتقي هؤلاء المثقفون في مؤتمر أو ندوة أو مهرجان يتمخض عنه في بعض الأحيان بيان يتحدث عن شرور الإمبريالية وآثامها في منطقتنا وفي العالم أجمع، ويوجه الإدانه القطعية للحركة الصهيونية وحكام إسرائيل، ويحيي انتفاضة الشعب الفلسطيني من أجل الحرية وتقرير المصير، ثم يشدد على مطلب الديمقراطية الذي تفتقر إليه الجماهير العربية افتقار التائه في الصحراء الى جرعة ماء، وينفض الحشد ليعود بعد ذلك كل شيء إلى ما كان عليه أو أسوأ قليلاً مع الأسف الشديد، دون أن يعني ذلك أان المثقفين هم المسؤولون عن مثل هذا الخواء. فلماذا؟
ويحدث على هامش الدعوة الملحة للعمل النضالي الملموس- وبالذات حينما تداهمنا الأحداث الكبيرة كالانتفاضة مثلاً- أن يجأر بعض المثقفين بالشكوى من كل شيء، وبمحاولة مكشوفة لجلد الذات واستخدام كل النعوت اللغوية التي تدل على بشاعة التقصير والتواكل والتخلي عن أداء المهمات، ثم يتفاقم الأمر إلى حد اتهام كل القاطنين بين المحيط والخليج من خلق الله بالتقصير، والانتهاء أخيراً بقراءة الفاتحة على روح هذه الأمة التي كانت شيئا مذكوراً في سالف الأزمان. ويبدو أن الأزمة الديمقراطية التي تقبض على خناق هذه الأمة بأصابعها العشرة لها علاقة بهذا التقريع المنفلت من عقاله. وهكذا يصبح الكل متهماً ما عدا المتهم الحقيقي الذي يطرب لمثل هذه "الطوشة" العمومية، فيحاول تغذيتها بأفلام ومسرحيات فاقعة، وبمسلسلات تلفزيونية منومة، ومجلات ذات أغلفة ملونة، وصحف لها اعتمادات وافرة في البنوك، لاجتذاب بعض الأقلام التي تشارك في الزفة من داخل المشهد السائد لكي تمنح سلطة القمع غطاءها الأيديولوجي المطلوب، ولتسهم في قلب المفاهيم وتعهيرها على نحو بالغ الصلف. فلماذا؟
وتسأل عن الاتحادات والروابط والتجمعات المهنية للمثقفين، فتجد أن غالبيتها العظمى قد انضوت في إطار الموقف الرسمي لضمان السلامة. فلم تعد قادرة على التعبير لا عن هموم المثقف وطموحاته، ولا عن أشواق الجماهير وتطلعاتها. وإذا ما دعيت هذه الاتحادات الرسمية أو بعضها – لان دعوة بعضها الآخر غير واردة أصلا بحكم النشأة والتكوين والأهداف- إلى إسهام ما دفاعاً عن الديمقراطية. فإنها مستعدة دون تهيب لتسجيل أروع المواقف- على الورق الصقيل- ما دام هذا الأمر لا يكلفها إلا أقل الوقت وأبخس الأثمان. المهم هو ألا يجري التطرق لا من قريب أو بعيد، لا بالتصريح أو التلميح إلى ما يجري تحت أنف الاتحادات المعنية وفي عقر دارها من ممارسات، مما يفقدها – أي الاتحادات- كل صدقية أو فاعلية، ولا تغنم في نهاية الأمر إلا "فضيلة" التحدث بعدة لغات، بعضها للداخل وبعضها للخارج، وبعضها الآخر –في أحسن الأحوال- بين بين.
هل أقول إن الموقف المراوغ من ممارسات السلطة السياسية هو السبب الرئيسي لفقدان السلطة المعنوية للمثقف في أوضاعنا العربية الراهنة؟ هل أقول إن هشاشة الموقف الذي تقفه الاتحادات –هو "أي الموقف" ينسحب بالضرورة على المنتمين إليها مهما خلصت نواياهم وصحت مواقفهم- يشجع السلطة السياسية على الاستهانة بأصالة كل الصيحات التي تنادي بالديمقراطية واحترام كرامة الإنسان، وبالتالي تجد أن استخداماً لسياسة "العصا والجزرة" هو الذي يفعل فعله في العقول التي تقبل بمثل هذا الازدواج الذميم؟
حينما ننظر إلى واقع الحال في أمريكا اللاتينية، تلك القارة المليئة بالأساطير والبؤس والسحر والديكتاتوريات، فسوف نجد دون عناء أن السلطة المعنوية للمثقف لها حضورها بالرغم من الحضور الطاغي لسلطة الديكتاتور، لذلك لم يكن من باب الصدف أن بعض أحزاب المعارضة هناك ترشح شخصيات أدبية مرموقة لانتخابات رئاسة الجمهورية في عدة بلدان، في حين أن الحال عندنا ما زال مختلفاً وبائساً.. فلماذا؟
حينما نسائل أحزاب حركة التحرر الوطني العربية وقواها المختلفة عن علاقاتها مع المثقفين، فلن نحتاج إلى جهد كبير لاكتشاف أن ثمة خللاً بيناً في هذه العلاقات. فالمثقف اليوم ليس هو المثقف نفسه في الخمسينيات، والأوضاع التي أفرزت ذلك المثقف لم تعد هي الأوضاع نفسها، وإنتاج المثقف المبدع في أحيان كثيرة لم يعد قريباً من ذهن السياسي الذي عودته الصحافة اليومية على التهام السهل اليومي المباشر وأنا لست ضد المباشرة الفنية. فإذا وجد الإنتاج الثقافي غير متساوق مع شكل اليومي – وهذا حكم لا يشمل كل السياسيين- ابتعد عنه وبشر كل المؤيدين والأنصار- دون تدقيق- بالابتعاد عنه أو هو في أحسن الأحوال يلوذ بالصمت. ما يجعل وصول الكتاب أو النتاج الثقافي عموماً إلى أوسع قطاعات الناس مسالة تحتاج إلى بحث وتدقيق وإعادة نظر جذرية لا تكتفي بالكلام المجامل في التقارير الموسمية أو في المناسبات.
فلماذا ... ولماذا أيها الأصدقاء !!!
مجلة صوت الوطن / ايلول 1989 العدد الاول تاريخ الإدراج: 22 / 3 / 2007
|