صبحي شحروري.. المثقف الذي لا يساوم
 

صبحي شحروري علم من أعلام ثقافتنا المعاصرة.
منذ حمل القلم قبل ما يزيد عن خسين عاماً، وهو معني بهموم حركتنا الثقافية، متفاعل معها ومع ما تطرحه من نتاجات ثقافية مختلفة. لذلك لم يكتف بالاهتمام بالقصة القصيرة التي كتبها منذ مطلع شبابه وظل يكتبها حتى وقت متأخر، بل إنه كرس جزءاً غير قليل من اهتمامه لكتابة النقد الأدبي، نقد الشعر والقصة والرواية، وأعطى في ذلك نتاجاً متميزاً، بسبب قدرته على تذوق النصوص الأدبية والتعاطي معها من دون مجاملة أو اعتبارات شخصية، وبسبب الحرص على متابعة أحدث النظريات النقدية واستيعابها والاستفادة منها في النظر إلى نتاجاتنا الثقافية المحلية.


لذلك، يصح القول إن الدور الذي نذر صبحي شحروري نفسه لأدائه في قلب حركتنا الثقافية، لم يكن دوراً من قبيل التمني أو الرغبة التي لا تجد تجلياتها في الواقع. كان صبحي شحروري وما زال مبدعاً وناقداً له تأثيره الملموس على الكتابة الفلسطينية، وقد تبدى هذا التأثير في غير حقل من حقول الأدب الفلسطيني، كما تجلى في النشاط الثقافي العملي الذي دأب صبحي شحروري على القيام به، متخذاً أشكالاً متنوعة من التواصل مع الكتاب الفلسطينين سواء منهم أولئك الذين نشأوا على الكتابة في زمن صبحي أو بعده بقليل، أم هؤلاء الشبان الجدد الذين ظلت ساحتنا الثقافية تلدهم سنة بعد سنة وجيلاً بعد جيل. يضاف إلى ذلك، المشاركة الفعلية المثابرة في الكثير من الندوات والمؤتمرات والفعاليات الثقافية التي تشهدها بلادنا بشكل غير منقطع، وكذلك الاهتمام الجدي بدعم التجمعات الثقافية في رام الله وغيرها، والتواصل معها وتحويلها إلى بؤر لتوليد الأفكار الجديدة وصقل المواقف والاجتهادات الثقافية المتنوعة، والتحرك الذي لا ينقطع في اتجاه التواصل مع العمل الأكاديمي والأنشطة الثقافية التي تضطلع بها جامعاتنا، وإقامة أفضل الروابط مع الأدباء والمثقفين الفلسطينيين وراء الخط الأخضر.
وفي ظني أن قدرة صبحي شحروري على الجمع بين النشاط الإبداعي والفاعلية النقدية، وإقامة الصلات اليومية مع الآخرين، والتهليل لكل إبداع حقيقي وتحفيز حركة الثقافة الصاعدة، ما كان له أن يضطلع به ويحقق النجاح فيه، لو لم يكن حائزاً على الصفات الأصيلة التي تميزه وتجعله محبوباً من أقرانه ومن أصدقائه وتلاميذه ومريديه. يتميز صبحي شحروري بالتواضع الجم، وبالبساطة التي تجعله قريباً من الناس، وهو أبعد ما يكون عن التعالي، وعن التباهي بحصيلته الثقافية الواسعة، وهو أبعد ما يكون كذلك عن توظيفها للمساومة أو لإحراز مكاسب شخصية أو مصلحية. صبحي شحروري زاهد في متع الحياة وفي بهرج المكاسب المادية، وكذلك في الوظائف العامة والامتيازات الشخصية. إنه المثقف الساعي إلى الحقيقة، وهو مسلح بالصفاء وبالتجرد والنبل. إنه الرجل الذي ما زال ينظر إلى القيم باعتبارها علامة على سعي البشر إلى ما هو أبهى وأجمل، وليس مجرد صيغ يتشدق بها من يعمل على الضد منها في أية لحظة أو أية مناسبة مواتية. لذلك، يصح القول: إن صبحي شحروري ينتمي إلى جيل راسخ في معتقداته وقناعاته، وهو لا يمكن أن يخذل في أية لحظة من أولاه ثقته، وأحله في موقع الصدارة من اهتمامه، لأنه بنى كل تجربته في الحياة على الصدق المؤسس على احترام الحياة واحترام الآخرين الذين يستحقون الاحترام. من هنا تصبح صداقة صبحي شحروري مكسباً يعتز به أصدقاؤه وكل من عايشوه وعرفوه.
التقيت صبحي شحروري أول مرة في دمشق، العام 1963 ، وكنت آنذاك من المنتسبين لكلية الآداب في جامعة دمشق، دارساً في قسم الفلسفة والاجتماع، وكان صبحي شحروري من المنتسبين كذلك للكلية نفسها وللقسم نفسه. وكنت أعمل في مهنة التدريس التي يعمل فيها صبحي كذلك. كان اللقاء بيننا حميماً لسبب بسيط، وهو أننا كنا نشترك في صفة أخرى حميمة، وهي كتابة القصص القصيرة ونشرها في مجلة "الأفق الجديد" المقدسية التي صدرت العام 1961، واحتضنت على صفحاتها كوكبة من الشباب الذين برزوا آنذاك في كتابة القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي.
كان صبحي شحروري أحد أهم كتاب القصة القصيرة الذين دأبوا على نشر قصصهم في مجلة "الأفق الجديد". وثمة من يخطئ في اعتباره من الجيل الذي اصطلح على تسميته فيما بعد "جيل الأفق الجديد"، فهو أسبق من هذا الجيل في مضمار الكتابة الإبداعية والصحافية، لأنه ابتدأ الكتابة منذ العام 1955. وعلى أية حال، فإن من يقرأ قصص صبحي شحروري التي نشرها في "الأفق الجديد" قبل ما يزيد عن أربعين سنة، (الزامور، سلة تين، رأس الشيخ والقطار، وغيرها) يدرك أن هذه القصص مكتوبة بوعي فني متقدم، وبلغة رصينة بعيدة عن المباشرة والتسطيح، دالة على مخزون ثقافي ومعرفي وفير.
ولم نلتق مجدداً إلا بعد سنوات طويلة. لكنني بقيت مواظباً على قراءة كل ما ينشره صبحي شحروري في الصحف والمجلات الفلسطينية والعربية. كانت حرب حزيران العام 1967 قد وقعت، وتركت أثرها السلبي على الكثير من مظاهر حياتنا المختلفة ومن ضمنها بطبيعة الحال الثقافة ومنابرها القليلة التي كانت متوفرة لنا قبل الحرب. فقد توقفت مجلة "الأفق الجديد" عن الصدور، وهي الرئة التي كنا نتنفس من خلالها، ونطل من على صفحاتها على القراء في داخل الوطن. (توقفت قبل الحرب بأشهر بسبب ضائقة مالية) وتوقفت صحيفة القدس اليومية عن الصدور مدة تجاوزت السنة بسبب ظروف الاحتلال وإجراءاته غير الطبيعية، وتبعثر الكتاب الذين كانوا يتجمعون من حول مجلة الأفق الجديد، وتوقف عدد منهم عن الكتابة لفترات مختلفة. وأصيبت الحركة الثقافية الناشئة آنذاك بضربة غير قليلة.
وفي ظني، أن عدوان حزيران وما تلاه من احتلال ما زال يحثم فوق صدورنا حتى الآن، قد أسهم في زعزعة التوجهات الإبداعية للكثيرين منا لأسباب عديدة متنوعة. ويبدو أن بعضنا قد توقف عن الكتابة بسبب الصدمة التي أحدثها الاحتلال، كما توقف بعضنا الآخر عن الكتابة لبعض الوقت بسبب الانهماك في النشاط السياسي المباشر ضد الاحتلال. وأعتقد أن صديقي صبحي شحروري لم يكن في منجاة من تأثير هذه الظروف أو بعضها، فقد استوقفتني الأسطر التالية التي وردت في مجموعته القصصية الأولى الصادرة عن منشورات البيادر المقدسية العام 1983 ، وبالتحديد في النص الموسوم ب "تمارين في كتابة سيرة ذاتية": "أما اليوم، فأبواب النشر أمامه شبه مقفلة، والقلم لم يعد يطاوعه كما كان، وشغفه الشديد بالنقد عطل إلى حد كبير قدرته على الإبداع، وكان هو صاحب النظرية في أن الإبداع الفني يحتاج إلى شيء من العبط أو السذاجة أو البراءة الأولى التي تطرح جانباً كل مدارس النقد" ص72
التقيت صبحي شحروري للمرة الثانية في عمان، وكان ذلك في العام 1991 ، كنت أعيش هناك باعتباري مبعداً من أرض الوطن منذ العام 1975، وجاء صبحي إلى عمان لكي يقدم محاضرة في مقهى الفينيق الثقافي، حول الوضع الثقافي في الأرض الفلسطينية المحتلة. كان واضحاً من كلامه أنه ملم بكل تفاصيل الحياة الثقافية في الداخل، وكنت أرى أن هذا أمر متوقع، بسبب معرفتي أن صبحي شحروري أحد أهم رموز الحركة الثقافية الفلسطينية في الداخل. أمضينا وقتاً ممتعاً في عمان، وتبادلنا الأحاديث حول شؤون الداخل وشجونه.
بعد سنتين عدت مع عدد من المبعدين الفلسطينيين، إلى الوطن، وتعددت اللقاءات بيني وبين صبحي شحروري في رام الله التي كان صبحي يزورها باستمرار حتى اندلاع الانتفاضة الأخيرة. وقد سررت كثيراً حينما فاز صبحي، العام 1996 مناصفة، بجائزة وزارة الثقافة التي تحمل اسم الشاعر الفلسطيني المرحوم توفيق زياد، المكرسة للشعر ولنقد الشعر، وذلك عن واحد من كتبه النقدية المهمة حول الشعر الفلسطيني، وسررت أكثر حينما أخذ صبحي يكتب بين الحين والآخر مقالات نقدية لمجلة "دفاتر ثقافية" التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة، وكنت أعمل فيها بصفة كوني مشرفها العام ورئيس تحريرها.
لصبحي شحروري، المثقف، المبدع، الناقد، الإنسان، كل تقديري ومحبتي، متمنياً له طول العمر ودوام الإبداع.
مجلة الشعراء/ فلسطين/ العدد 26 / خريف 2004
تاريخ الإدراج: 18 / 2 / 2007

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر 


أضف هذا الخبر إلى المواقع التالية