|
برحيل نجيب محفوظ، أشعر أنني ابتليت بخسارة شخصية في وقت تكثر فيه الخسارات. وبالطبع، فإنني لست الخاسر الوحيد في هذا المجال، فثمة ملايين الخاسرين الذين يشاركونني الإحساس نفسه. أقصد هنا، قراء نجيب محفوظ من عرب وأجانب في كل أنحاء المعمورة، على امتداد سنوات طويلة من ثلاثينيات القرن العشرين حتى الآن.
غير أن خسارتي تعتبر أكثر فداحة، كما أعتقد، بالنظر إلى أن نجيب محفوظ كان واحداً من أهم مصادري في كتابة القصة القصيرة ذات المنحى الواقعي الاجتماعي، وهو واحد من أبرز الكتاب الذين تأثرت بهم منذ ابتدأت الكتابة أوائل الستينيات من القرن الماضي. لروايات نجيب محفوظ عموماً نكهة لا تنسى، ولرواياته الواقعية التي صور فيها أجواء الحارة المصرية، سحر خاص ما زلت أتذكره وأتمثله، وقد تعمق هذا السحر وتجلى على نحو أكثر رسوخاً في النفس، حينما تحولت هذه الروايات (بداية ونهاية، خان الخليلي، بين القصرين، مثلاً) إلى أفلام سينمائية برز فيها ممثلون تقمصوا بشكل متقن النماذج البشرية التي خلقها نجيب محفوظ (شكري سرحان، يحيى شاهين، أمينة رزق، عبد المنعم ابراهيم، على سبيل المثال). لهذه النماذج البشرية في روايات محفوظ حضور لا يغيب عن البال. قرأت رواية "القاهرة الجديدة" قبل أكثر من أربعين سنة، وما زلت حتى هذه اللحظة أتذكر محجوب عبد الدايم، بطل الرواية الذاهب إلى انحطاطه الشخصي النابع من انحطاط العلاقات الاجتماعية السائدة آنذاك. وما زلت أتذكر الضابط حسنين بطل رواية "بداية ونهاية" الذي يجسد طموحات الطبقة الوسطى نحو الصعود، ويجسد في الوقت نفسه خشية هذه الطبقة من الاندحار والسقوط تحت عبء المصائب والصعوبات. وأتذكر سعيد مهران بطل رواية "اللص والكلاب" الذي دفعه المجتمع إلى ميدان الجريمة، بعد أن تكشف رؤوف علوان، مثله الأعلى وملهمه الفكري، عن انتهازي يدوس القيم والأفكار من أجل الوصول إلى غاياته الشخصية. أتذكر ثلاثية نجيب محفوظ، وما حفلت به من رصد واسع للطبقة الوسطى في مصر، التي جسدتها أسرة التاجر أحمد عبد الجواد، الممثل النموذجي لهذه الطبقة بكل أحلامها وتطلعاتها وبكل فضائحها وانكساراتها، وأتوقف عند براعة نجيب محفوظ في كتابة سرد روائي سلس يأسر القارئ ويشده إلى النهاية، وفي وصف المكان وإبراز ما يتمتع به من خصوصيات، وفي تقديم أبطال رواياته بطريقة محكمة، وما يعنيه ذلك من تعمق في دواخلهم وكشف صراعاتهم وخلجات أنفسهم. وأتابع الرحلة الإبداعية لنجيب محفوظ، وأتعلم من قدرته على تطوير أدبه الروائي والقصصي، بحيث لم يتكلس وعيه الفني عند مرحلة فنية بعينها. كان صدور رواية "اللص والكلاب" أوائل الستينيات من القرن الماضي، إيذاناً بدخول نجيب محفوظ مرحلة فنية جديدة، بدا فيها مواكباً إلى حد كبير للتطورات الفنية في الكتابة الروائية الحديثة، التي تمثلت في التخلي عن أسلوب السرد التقليدي ذي النزعة الإخبارية، والتحول إلى السرد المكثف ذي الجمل القصيرة الموحية، التي تصور الانفعالات الداخلية للشخصية الروائية، من خلال المونولوج الداخلي، والاستعانة بضمير المخاطب علاوة على ضمير الأنا وضمير الغائب، والتنقل المستمر بين هذه الضمائر الثلاثة، لرصد مشاعر الشخصيات وللتعبير عنها بشكل دقيق. حينما قرأت رواية "ثرثرة فوق النيل" أواسط الستينيات من القرن الماضي، لاحظت مدى استطاعة نجيب محفوظ، تعرية المجتمع المصري وكشف ما يختفي تحت سطحه من أخطاء وخطايا، بحيث تصبح العوامة التي يلتقي فيها شخوص الرواية، تعبيراً رمزياً عن مجتمع يسير حثيثاً نحو التخبط والانهيار. وليس من قبيل الصدف، أن هذه الرواية وما فيها من رؤية تنبؤية، ظهرت قبل هزيمة حزيران العام 1967 بأشهر معدودات. ولقد كتب الكثير عن نجيب محفوظ حتى الآن. وبعد رحيله، سيواصل النقاد والدارسون الكتابة عنه وعن أدبه على نحو أكيد. وأما بالنسبة لي، فسوف تظل الساعات الممتعة التي قضيتها مع روايات نجيب محفوظ وقصصه القصيرة، من أمتع الساعات. وسوف تظل الدروس التي تعلمتها منه، من أثمن الدروس. ولذلك فإنني أعتبر رحيله خسارة شخصية لي قبل أي شيء آخر. له الرحمة ولأدبه الخلود.
|