|
جاء بشير البرغوثي إلى براغ مرة أخرى العام 1989. كانت براغ في تلك الأيام تواصل حياتها مع قلق تستثيره عناصر آتية من هنا وهناك. المعارضة المدعومة من الغرب الرأسمالي يشتد ساعدها وتقوم بالتعبير عن نفسها في شكل تجمعات سلمية تتزايد يوماً بعد يوم، والترهل في النظام الحاكم يبدو واضحاً، وموسكو تضغط على النظام من أجل أن يقوم بخطوات تجديدية من وحي البيروسترويكا.
والنظام يقوم بخطوات كاريكاتيرية، توحي بعدم قناعته بالبيروسترويكا التي تستهدف تحجيم البيروقراطية. والنظام متورط في البيروقراطية، وضغوط موسكو تعبر عن توجه غير صحيح، قادم من فوق على شكل أوامر وتوجيهات، وهي نفسها تعبير عن بيروقراطية متخفية في ثياب التجديد. وبراغ تواصل حياتها كما لو أن شيئاً لن يقع. يسهر أهلها في المراقص والحانات كما لو أن كل شيء على ما يرام. يتساقط فيها الثلج في فصل الشتاء، ثلج يكسو المدينة بحلله البيضاء دون هوادة. ويهطل المطر غزيراً بقية أيام السنة، ثم تندلع الخضرة اليانعة في كل مكان، وتمشي في ساحات المدينة أفواج كثيرة من السائحين والسائحات. ويعيش الشباب في المدينة من غير انتماء تقريباً، ولا يوحدهم سوى كرههم للنظام ورغبتهم في الاحتجاج، ضد ما يعتقدون أنه هيمنة مطلقة على مقدرات البلاد. والمدينة تواصل حياتها دون أن تدري ما تخبئه لها الأيام، وفيها ممثلون لقوى سياسية من كل أنحاء العالم. جاءنا ذات مرة فيلسوف بولندي، لإلقاء محاضرة في مقر مجلة قضايا السلم والاشتراكية. قال بصراحة متناهية: ما أنتم (يقصد ممثلي الأحزاب الشيوعية والعمالية في المجلة) إلا بقايا الأممية الثالثة! فوجئنا بما قال واعتقد بعضنا أنه ذو نزعة تحريفية (كثيرون ممن امتطوا موجة البيروسترويكا في الاتحاد السوفياتي وخارجه، تكشفوا فيما بعد عن انتهازيين ومغامرين، وهذا لا ينفي أن ثمة كثيرين أيضاً كانوا صادقين في طروحاتهم الفكرية والسياسية الجديدة). دخلنا معه في حوار متشعب، وكان يدعو بإصرار إلى تصورات جديدة لا بد منها في اعتقاده، لإنقاذ الاشتراكية من أزمتها. ودون أن يستمع بشير إلى ما قاله هذا الفيلسوف، ومن غير أن يكون متفقاً معه بالضرورة، فقد جاء هذه المرة إلى براغ، وهو يحمل أفكاراً حول طبيعة التنظيم الحزبي، وحول الديموقراطية داخل الحزب ومدى تأثرها سلباً بمفهوم المركزية الديموقراطية، وكذلك، ضرورة تحديد فترات زمنية لبقاء الأمين العام وأعضاء المكتب السياسي، في مواقعهم الحزبية. جرى نقاش لهذه الأفكار في أوساط الحزب في الداخل والخارج، ثم جرى التطرق لاسم الحزب نفسه، ولضرورة تغييره بما يتلاءم وطبيعة المرحلة التي تجتازها بلادنا، ما أسفر عن تغييرات في بنية التنظيم الحزبي، وعن تغيير اسم الحزب نفسه. كما طالت التغييرات جوانب في برنامج الحزب وفي نظامه الداخلي، الأمر الذي يعتبر جرأة في التفكير، وخروجاً على الكليشيهات التي ظلت تتردد زمناً في برامج الأحزاب الشيوعية، دون أن يجرؤ أحد على المساس بها، كأنها نصوص مقدسة، لا يجب أن يطالها التغيير. كان لبشير دور بارز في كل هذه التغييرات التي وقعت في برنامج الحزب وفي نظامه الداخلي، وقد تم إسقاط الكليشيهات والجمل الجاهزة، مع التمسك بما هو جوهري في الماركسية، وأعني به منهجها العلمي الذي لا غنى عنه لدى تحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية. الآن، يدور الحديث عن التجديدات التي أدخلت على النظام الداخلي للحزب وعلى برنامجه السياسي. إنه حديث مشروع، لأن الزمان لم يعد الزمان نفسه، ثم إن الأفكار والبرامج بحاجة إلى التأمل فيها بين حين وآخر. والسؤال: هل ساعدت هذه التجديدات على حماية الحزب من الانهيار؟ ربما. لأن التأثيرات السلبية التي أحدثها انهيار الاتحاد السوفياتي وبقية بلدان الكتلة الشرقية، لم تكن بسيطة كما هو معروف. مع ذلك، تظل الأسئلة تتواتر: هل ساعدت هذه التجديدات على تطوير أداء الحزب؟ ألم تسهم في تغييب هوية الحزب الفكرية والعقائدية؟ ألم تسهم في مرحلة لاحقة في إضعاف الحزب وفي تهميش دروه في الحياة السياسية وفي المجتمع؟ هل كان لا بد منها في فترة محددة، وكان ينبغي تجاوزها في فترة أخرى؟ هل إذا عاد الحزب للإفصاح عن هويته باعتباره حزباً يسارياً يتبنى الماركسية، سوف يشهد إقبالاً عليه من الجمهور الفلسطيني؟ أسئلة كثيرة لا أعتقد أن أحداً يستطيع الإجابة عنها بشكل قاطع، وهي جديرة بالمتابعة والاهتمام.
2
حينما جاء بشير إلى براغ، كان أكثر امتلاء بالتجربة وأكثر غنى بالرؤى والاجتهادات. سخريته باقية على العهد بها، وعقله مفتوح على تيارات الأفكار المتلاطمة فوق كوكبنا. وقد بدا معنياً بالتدقيق في تفاصيل التجربة الاشتراكية التي تتعرض لانتقادات، وفي مناقشة وجهة النظر التي تحملها الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، عن طبيعة العلاقة بينها وبين الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل. وكان قد كتب مقالات صريحة ضد التعامل البيروقراطي مع الانتفاضة، وضد تصدير الأوامر إليها على الفاكس، دون اعتبار لوضع الناس الملموس في الداخل، ما أثار في حينه ارتباكاً في علاقة الحزب مع بعض القوى الوطنية. غير أنه استمر يشرح وجهة نظره ويدافع عنها، فأصبح لها المزيد من المؤيدين. كان لدى بشير ما يقوله لمحاوريه باستمرار. وقد لاحظت مدى اهتمام عدد من رموز الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، إبان فترة أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين، باللقاء مع بشير البرغوثي، وإقامة الحوارات المطولة معه، وخروجهم من تلك اللقاءات والحوارات، بانطباعات إيجابية، تشهد كلها على اتساع أفق الرجل. كان إصراره على التمسك بالبرنامج الواقعي لحلّ القضية الفلسطينية، الذي بلوره الشيوعيون منذ أيام عصبة التحرر الوطني الفلسطيني أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، تعبيراً عن استيعابه لواقع القضية الفلسطينية وتطوراتها المتشابكة، وعن قناعته بالمنهج الجدلي الذي لا يضع الرغبات الذاتية فوق حسابات الواقع الموضوعي. ولذلك لم يسقط في شرك الشعارات الكبيرة التي لا غطاء واقعياً لها، ولم يتورط في المزايدات السياسية الساعية إلى تملق مشاعر الجماهير!
3
جاء إلى بيتي في براغ ذات مساء، وكان معه ابن عمه وزوج أخته، رجل الأعمال ثروت البرغوثي. كنت أسكن مع أسرتي في شقة في بناية في منطقة براغ 6 واقعة على تخوم المدينة . وجاء إلى البيت نعيم الأشهب ومحمد أبو شمعة ومازن الحسيني. تناولنا طعام العشاء في حوالي التاسعة. تحدث بشير في السياسة وقتاً، وروى حكايات ظريفة عن بعض وقائع العمل في صحيفة الطليعة، وامتدت السهرة إلى الحادية عشرة، تخللتها سخريات كان لبشير الدور الأبرز فيها. في مساء آخر، التقينا في بيت نعيم الأشهب. البيت يقع في حي قريب من طريق المطار. وكان في البيت عدد غير قليل من الرفاق والأصدقاء. كنا نبتهج حينما يأتي أحد القادمين من الأرض المحتلة إلى براغ، فكيف إذا كان هذا الأحد هو بشير البرغوثي! وفي مساء ثالث، ذهبنا إلى فندق الحزب الجديد. إلى الجناح الذي يقيم فيه بشير. جاء عدد من قادة الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي وموظفي اللجنة المركزية، لتناول طعام العشاء بدعوة من بشير. تناولنا الطعام في إحدى قاعات الفندق، وجرت مباحثات سياسية أثناء ذلك، ولم يكن أحد يتوقع أن هؤلاء القادة سيتم إقصاؤهم مع بقية رفاقهم عن سدة الحكم في وقت قريب. في مساء رابع، في الليلة التي سبقت مغادرته لمدينة براغ وعودته إلى الوطن، التقينا في مطعم قريب من نهر الفلتافا. كانت براغ تتمدد مسترخية في الليل، وفي أحشائها تتوثب رغبات كثيرة وتطلعات. وكنا نخمن بأن ثمة تململاً في المدينة، غير أننا لم نتوقع مقداره ومداه على نحو دقيق. لذلك، بدا بشير مرتاحاً في تلك الليلة لنتائج زيارته لتشيكوسلوفاكيا، حيث التقى عدداً من المسؤولين فيها، وعدداً من المسؤولين الفلسطينيين الذين قدموا من تونس خصيصاً للتحاور معه. وكان سليمان النجاب موجوداً معنا في تلك الليلة. تناولنا طعام العشاء في المطعم، وتحدثنا في شؤون شتى، ثم ذهب بشير وسليمان إلى الفندق. وفي الصباح ودعناهما في المطار، حيث غادر سليمان إلى تونس وبشير إلى فلسطين.
4
وكان يأتي إلى عمان بين حين وآخر. في عمان، تجمع عدد من قادة الحزب العائدين من المنافي البعيدة أو المبعدين قسراً من الأرض المحتلة. وأنا عدت من براغ إلى عمان بعد انهيار التجربة الاشتراكية هناك، وبعد إغلاق مجلة قضايا السلم والاشتراكية التي عملت فيها ممثلاً للحزب مدة ثلاث سنوات. كانت عمان تعيش أول عهدها بالديموقراطية، تكثر فيها الندوات السياسية والثقافية والتجمعات. وتتشكل فيها الأحزاب العلنية، والشارع فيها موّار بأنشطة واجتهادات. وكان بشير يأتينا دوماً بأفكار جديدة. لم يتردد يوماً عن تقديم المقترحات والمبادرات التي تهدف إلى تطوير عمل الحزب وتحسين أدائه، وكذلك المبادرات التي ترمي إلى تطوير النضال الوطني الفلسطيني وتعزيز مشاركة الجماهير فيه. ولم يتوقف عن طرح الأسئلة. يطرح الأسئلة ويحث رفاقه على تقديم إسهاماتهم في حياة الحزب الفكرية والسياسية، ويستثير السجالُ الفكري قدراته الذهنية على نحو فريد. وهو، كما لاحظت، من أشد الكارهين للكسل الفكري وبعض مظاهر التواكل التي تتبدى مع الزمن، لدى هذا المسؤول الحزبي أو ذاك. كان يتألم حينما لا يجد من يحاوره باستفاضة، حول ما يطرحه من أفكار وتأملات. ولربما كان حساساً أكثر مما ينبغي في بعض الأحيان، ما يجعل مزاجه معتكراً، يزيده اعتكاراً ضبطه لأعصابه إلى أبعد حد مستطاع. زياراته لعمان قربتنا منه وقربته منا، وجعلتنا نكتشف ما في شخصيته من جوانب إنسانية. هو بسيط صادق، وليس ممن يرتدون الأقنعة، أو يثبتون على وجوههم "البوزات" لغايات الشهرة الإعلامية أو اقتناص الإعجاب. سلوكه الشخصي هو السلوك نفسه أينما حلّ، بغضّ النظر عن المرتبة الحزبية، أو الشهرة التي جلبتها إليه قدراته الفكرية ومثابرته على النضال. جريدة الاتحاد/ حيفا – الجمعة 26 / 1 / 2007
|