يوم في حياة محمود شقير
 

في التاسعة، أنهض من النوم. تمتدّ يدي إلى المذياع. أضغط الزر ويحضر العالم بكل ما فيه من فظائع إلى بيتي، وأنا أصغي الى ما يبثه المذياع ولا أصغي في الوقت نفسه. فالفضائيات تبث الخبر الواحد عشرات المرات، فأطمئن إلى أن شيئاً لن يفوتني مهما اعتراني من شرود.

أمدّ يدي إلى جهاز الضغط. أثبت الجهاز على معصم يدي اليمنى وأضغط الزر وأنتظر إلى أن تظهر النتيجة. أمدّ يدي إلى الأدوية. أبتلع حبة لمكافحة ضغط الدم المرتفع، وبعدها حبة الإشراف على تنظيم دقات القلب، ويكون العالم قد أوغل في التحدث عن فظائعه.
مع نشرة الأخبار، مثل حاوٍ متمرس في صنعته، أخرج من جارور مجاور كرتين معدنيتين، أحضرتهما معي من هونغ كونغ حينما ذهبت إلى هناك للمشاركة في ورشة أدبية، أدحرجهما في كفّي اليمنى وفي كفّي اليسرى، لأن ذلك ينشّط الذاكرة كما قيل لي. بعد ذلك، أخرج من الجارور كرة مطاطية أضغط عليها مرات ومرات، لإعادة المرونة إلى أصابعي التي تيبست بعد سنوات من العمل على الكومبيوتر.
في العاشرة، أضغط الزر وأفتح الكومبيوتر. أتفقد بريدي الإلكتروني. أبتهج حينما أجد رسائل من أصدقائي، وأشعر بشيء من الأسى حينما يكون بريدي فارغاً. فأنا أفرض على نفسي عزلة منذ غادرت الوظيفة قبل عشرين شهراً. غادرتها، ولم أعد مضطراً إلى النهوض المبكر كل صباح للذهاب إلى العمل، وللانتظار عند الحواجز العسكرية التي تثير الأعصاب. أعيش عزلتي وسط حشد من الكتب والمجلات والصحف، والمواد الثقافية والسياسية التي أنسخها عن الإنترنت.
مع ذلك، فإن عزلتي ليست محكمة تماماً. أذهب بين الحين والآخر للمشاركة في أمسيات ثقافية تقام في القدس ورام الله وبيت لحم. ومنذ أن عدت إلى الوطن بعد نفي قسري دام ثماني عشرة سنة، آثرت الإقامة في المكان الأول الذي ولدت فيه، وسط عشيرة ممتدة يتجاور فيها على نحو صارخ، رعي الأغنام مع الزراعة والتجارة، ولديها الكثير من أيام الفرح والموت والخصام، مما يجعلني دوماً محشوراً في قلب هذه الأيام. من هناك، أستوحي شخوص قصصي القصيرة وألتقط مادتها الخام، ثم أمزجها مع أحدث ما تقدّمه لنا العولمة من صرعات، ومن نماذج بشرية عولمية سابحة في ملكوتها الخاص.
في العاشرة والنصف، أبدأ الكتابة. أكتب كل شيء على الكومبيوتر مباشرة، ما عدا القصص القصيرة جداً التي أكتبها في البداية على الورق. أكتب لمدة ساعة أو ساعة ونصف ساعة. أبدأ بتدقيق ما كتبته في اليوم السابق، ثم أواصل الكتابة من حيث انتهيت. يحدث هذا حينما أكتب نصاً طويلاً. وحينما أكتب قصة قصيرة فإني أكتبها من أولها إلى آخرها دفعةً واحدة. أما القصة القصيرة جداً فليس لها توقيت محدد، لأنها تأتي مثل ومضة خاطفة، تنبجس فجأة في شكل إحساس غامض، ثم تتبدى في شكل جملة أولى، أسارع إلى الورق، وأكتب مادتها الأولية في دقائق معدودات.
في الثانية عشرة، أتناول طعام الفطور. فطور بسيط مكوّن من خضروات وفواكه، وأنا أعتمد على ما تنشره الصحف من معلومات حول الغذاء الصحي، وأحاول التقيد بذلك، وخصوصاً بعدما أصابتني جلطة دماغية خفيفة قبل سبع سنوات.
أثناء تناول الطعام، أضغط زر التلفاز وأتابع نشرة أخبار أو برنامجاً وثائقياً، أو موسيقى كلاسيكية تبثها محطة تلفاز فرنسية. بعد الانتهاء من الطعام، أستمر في مشاهدة برامج التلفاز لساعة أو أكثر، ويحدث أثناء ذلك أن أغفو قليلاً، فأشعر بارتياح، ويكون العالم قد أمعن في مراكمة فظائعه.
من الأولى والنصف حتى الرابعة والنصف، أقرأ في كتابين أو في ثلاثة كتب. أقرأ كل ما يقع تحت يدي من قصص قصيرة لكتّاب عرب وأجانب. أقرأ بحوثاً نقدية ودراسات وروايات عربية وأجنبية مترجمة. أقرأ باللغة الانكليزية في أوقات متقطعة، وأقرأ لبعض الكتاب الإسرائيليين. أتابع رؤيتهم لتفاصيل الصراع وموقفهم من المواطن العربي الفلسطيني، وكيفية موضعته من وجهة نظرهم في المجتمع الإسرائيلي، الذي تعيش فيه أقلية بقيت صامدة في وطنها، رغم كل مظاهر الأسرلة والاغتراب.
في الرابعة والنصف، أذهب إلى جهاز المشي (لم يعد في حيّنا متسع للمشي الطبيعي). أضغط الزر ويبدأ الشريط المطاطي حركته المحسوبة، وأبدأ رحلة المشي الموضعي التي تستمر نصف ساعة. في الخامسة أو بعدها بقليل، أتناول أنا وزوجتي طعام الغداء، طعاماً بسيطاً خالياً من الدسم ومن الملح تقريباً. وأثناء الغداء نتحدث قليلاً، نعلّق في الغالب على صخب الأحفاد حول البيت. إنهم ثلاثة عشر حفيداً لا يجيدون اللعب إلا مقروناً بضجيج لا ينقطع، وتكون ابنتي الشابة التي أقعدها مرض ضمور العضلات جالسة في سريرها، بالقرب منها هاتفها النقال وأمامها جهاز الكومبيوتر تتابع عليه بعض الألعاب، وأكون شارد الذهن وأنا أتناول طعامي، أرنو من النافذة القريبة إلى الجبال الراسخة المحيطة بالقدس، وإلى بعض مقاطع الجدار العازل الذي يطوّق المدينة.
في المساء، أجلس مع أفراد العائلة، نتبادل أحاديث سريعة، ننتقل من موضوع إلى آخر دون انتظام، نتذمر من صخب الأولاد ومن بؤس حياتنا تحت الاحتلال. ثم أنهمك في متابعة الأخبار، وأشعر بالقلق من هذا الدم المراق في فلسطين والعراق والصومال والسودان (وفي لبنان إبان الغزو الهمجي الإسرائيلي) وأتحسب من الفوضى الخلاّقة التي يروّج لها الأميركان، لغاية في نفوس المحافظين الجدد لم تعد خافية على أحد.
من الحادية عشرة حتى الثانية بعد منتصف الليل، أقرأ الصحف اليومية وأقرأ في الكتب التي لم أتم قراءتها بعد. وحينما أذهب الى النوم، أحصي في ذهني مقدار ما أنجزته في يومي، فإن كان كافياً شعرت بالرضا إلى حد ما، وإن لم يكن كافياً حلّت عليَّ لعنة الأرق.
وللأرق أسباب أخرى عديدة في طبيعة الحال.
جريدة النهار/ بيروت
الثلاثاء/ 16 / 1 / 2007 / العدد 22891 / السنة 74

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر 


أضف هذا الخبر إلى المواقع التالية