|
التجمع الوطني الديموقراطي.. ملاحظات أولى
وصلتني قبل أيام، نسخة من مسودة الإعلان السياسي للتجمع الوطني الديموقراطي الفلسطيني، وفيها توصيف للحالة التي وصل إليها مجتمعنا من تدهور ومعاناة، وكذلك للوضع الذي انتهت إليه الحركة الوطنية الفلسطينية التي "حملت قضيتنا العادلة وقاتلت بضراوة للحفاظ عليها" فإذا بها اليوم "مصابة بحالة مزرية من الوهن والتفكك والاضطراب، ما عكس آثاراً بالغة الخطورة على مشروعنا الوطني".
مسودة الإعلان السياسي للتجمع مكتوبة في شكل مكثف ومتوازن، وهي تشير بكلمات دالة إلى الوضع الدولي الذي لا يعمل في مصلحة قضيتنا، وتتحدث في إيجاز عن أبرز نواقص العمل الوطني الفلسطيني، وتنتقد "عجز الإطار القيادي للقوى الوطنية والإسلامية عن صياغة خطاب سياسي واقعي يحدد الأهداف المباشرة الملموسة لنضال شعبنا في هذه المرحلة". وفي الوقت نفسه فإن التجمع، بحسب مسودة الإعلان، ليس حزباً جديداً، و "لا يشكك ولا ينال من جميع الشرعيات القائمة على ساحتنا وفي مجتمعنا". والتجمع كما يبدو ليس جبهة وطنية من الطراز الذي كان سائداً في زمن مضى. اليوم، مع تبدل الظروف ومع التغيرات البنيوية التي طرأت على القوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير، يبدو أن صيغة الجبهة الوطنية بشروطها الصارمة، لم تعد جاذبة لهذه القوى الاجتماعية ولا للقوى السياسية المعبرة عنها. التجمع المنشود هو صيغة تنظيمية مرنة، وهو "يقيم بناءه الداخلي على أساس الديمقراطية والتعددية"، ويسمح للأحزاب والقوى السياسية المنضوية في إطاره بحرية الحفاظ على تنظيماتها وأعضائها على النحو الذي ترغب فيه، دون أن يشكل ذلك خروجاً على التجمع أو انتقاصاً من دوره. ربما كانت صيغة التجمع مطلوبة بإلحاح هذه الأيام، بسبب حالة الاستقطاب الحادة بين التنظيمين الكبيرين على الساحة الفلسطينية، وهي حالة تسهم في إفقار الحياة السياسية الفلسطينية وفي تعميم بعض المظاهر السلبية مثل الشمولية والتعصب الفئوي والرغبة في الإقصاء، وكذلك الاعتماد على البروباغندا التي تميل إلى التشهير والمبالغة وقلب الحقائق، بديلاً من نشر الحقيقة الموضوعية وتعميق الوعي السياسي للأنصار والمؤيدين ولجماهير الناس. والصيغة مطلوبة لعلها تسهم في إنعاش المجتمع المدني الذي يجري تهميشه وإضعافه بشتى الوسائل والأشكال، ويجري في الوقت نفسه تهميش الثقافة الوطنية الديموقراطية، لتنتعش بدلاً منها ثقافة مشوهة مستمدة من الإنتماءات المحلية الضيقة، ومن نزعات التعصب والاحتقان والتناحرات العائلية، ومن السلوكيات الذميمة المتدحرجة إلينا من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، ومن أجهزة الإعلام التابعة التي تروج للتفكير اللاعقلاني ولثقافة الاستهلاك. وهي مطلوبة كذلك، بسبب ما آلت إليه القوى الديموقراطية نفسها من تشرذم وضعف ومن تراجع وانعزال، بحيث تشير دلائل كثيرة من أبرزها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، إلى أن القوى الديموقراطية الفلسطينية ليس لها سوى نسبة حضور ضئيلة في المجتمع. وعلى الرغم من أهمية ما تطرحه هذه القوى من أفكار وسياسات، إلا أن صدى هذه الأفكار والسياسات محدود إلى درجة مؤسفة، بسبب ابتعاد القوى الديموقراطية عن العمل اليومي بين الناس، وبسبب تعاليها عليهم لهذا السبب أو ذاك، والاكتفاء بدور التنظير السياسي دون الاضطلاع، إلا في حالات قليلة، بمهمات يومية عملية دفاعاً عن مصالح الناس. ولعل الأخطر من كل ذلك، عدم إيلاء القوى الديموقراطية الفلسطينية، اهتماماً كافياً بنشر الثقافة الديموقراطية بما تعنيه من عقلانية ونقد سياسي واجتماعي، وروح علمية وتدقيق في التراث، ومساواة بين المرأة والرجل، وتفهم لاحتياجات الأجيال الجديدة، وإعلاء من شأن المواطن الفرد، وارتقاء بالحياة الروحية للناس، وتعميم هذه الثقافة دون كلل أو ملل في أوساط الجماهير، وبالذات في أوساط الطلبة والشباب والنساء، وكذلك التعريف في شكل دؤوب، بالمدى الذي وصلت إليه إنجازات الفكر الديموقراطي في عالمنا المعاصر، والكيفية التي تتحرك في ضوئها الحركات الديموقراطية في أوربا، وفي جنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية تحديداً، للاستنارة وللتعلم من تجارب الآخرين، ولتقديم إسهامنا الخاص في هذا المجال. وفي ظني أن مهمة التجمع الوطني الديموقراطي الفلسطيني ليست سهلة بأي حال، غير أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، ولا بد من قطع هذا الشوط إلى منتهاه.
|