|
قبل عشرة أشهر هاتفني راسم، ناقلاً إلي دعوة من مديرة مدرسة البنات في السواحرة الغربية، للذهاب إلى المدرسة، وللمشاركة في ندوة ثقافية هناك. قبلت الدعوة واتفقنا، راسم وأنا، على اللقاء بعد أسبوع، في الموعد المحدد للندوة المقترحة.
ذهبت إلى المدرسة، ولم يكن راسم هناك. في تلك الأثناء كان قد اعتقل مع عدد من رفاقه، وبقيت طوال ذلك اليوم وما تلاه من أيام مسكوناً بالأسى لهذا الغياب، وهو بالمناسبة ليس الغياب الأول لراسم، الذي جرب من قبل مرارة السجون الإسرائيلية، واكتوى بنارها، مثلما يكتوي بها الآن الآلاف من المعتقلين والمعتقلات، والأسيرات والأسرى الفلسطينيين والعرب. وتوقعت أنّ اعتقال راسم لن يطول، لأنني عرفت من ذويه ومما تناقلته الصحف، أن هذا الاعتقال إنما وقع على خلفية قيام راسم بنشاط سياسي له علاقة بانتخابات المجلس التشريعي. واعتقدت أنه لا مبرر أصلاً لهذا الاعتقال، الذي يعني في حالة استمراره مزيداً من تكميم الأفواه، وتحريم فرص التعبير عن الرأي في ظل الاحتلال، وهي فرص ليست كثيرة على أية حال. غير أن توقعاتي خابت، لأن اعتقال راسم طال، وحكمت عليه محكمة إسرائيلية بالسجن سبعة عشر شهراً يقضيها الآن في سجن عسقلان! وقبل أيام وصلتني رسالة من راسم، أرسلها من سجنه البعيد، وفيها كلام حميم من صديق عزيز، له مكانة في نفسي وفي نفوس الكثيرين من أصدقائه ورفاقه ومحبيه. وفي الرسالة استمرار لحوارات سابقة كانت تدور بيني وبين راسم كلما التقينا. وفيها عتب على مثقفي بلدتنا البدوية التي ما زالت مأخوذة بتقاليد لم يعد لها مكان في زمننا الراهن، وآن الأوان للتحرر من سطوتها، ومن سلبية المثقفين الذين ما زالوا متقاعسين عن بذل الجهد المتوقع منهم للتأسيس لعلاقات عصرية جديدة، تسهم في إشاعة جو من التفاهم بين الناس، وفي تقليل معاناتهم من أزمة علاقاتهم الداخلية المتوترة! إذ تكفيهم ممارسات الاحتلال الجائرة ضدهم، ولا حاجة لمزيد من المعاناة. أعتز براسم وأنا أقرأ كلماته القادمة من هناك، التي تعبر عن ضمير حي وعقل نشط منشغل بالهم العام، حتى وهو قابع في السجن البغيض. وأعتز به حينما أتابع ما يكتبه وتنشره له "القدس" على صفحاتها كل أسبوع، مع أنني أختلف معه في بعض الاجتهادات. وإذا كان راسم يبدو متشائماً في بعض مواقفه، إزاء ما يجري في بلدتنا خصوصاً وفي بلادنا على وجه العموم، فإنني أوافقه الرأي على أن ما يجري ليس هيناً، وهو يثير القلق الجدي على المستقبل وعلى المصير. غير أن فسحة الأمل تظل قابلة للتداول على الرغم من ضراوة الظروف، ويكفي أن أشير بارتياح إلى ما كتبته ابتسام، أخت راسم قبل أيام في "القدس" وهي تنتقد ما نحن فيه من أحوال سيئة، بنبرة احتجاج مشوبة بسخرية سوداء، ومن ثم تتوجه إلى أخيها في سجنه بكلام يفيض ثباتاً على الموقف وتقديراً لأخيها صاحب التضحيات! وأنا أقول في هذا الصدد: من حقك يا راسم أن تفخر بأن لك أختاً، تمتشق القلم لتعبر عن رأيها وهي على هذا القدر من الوعي، وأنا على قناعة بأن لك دوراً في تشكيل هذا الوعي، مع أن هذا ليس دورك الإيجابي الوحيد، فمن يعرفك يعرف ما تتمتع به من مثابرة وإصرار. وما دمت أتحدث عن أسير مناضل، فلا بد من كلمة في مناسبة يوم الأسير التي مرت قبل يومين. فثمة جهود كثيرة يبذلها أناس مخلصون من أبناء شعبنا لنصرة الأسيرات والأسرى، والمعتقلين الإداريين والسجناء. وثمة أنشطة متصلة تقام باستمرار، للتضامن معهم في احتجاجهم على أوضاعهم المزرية في السجون. وثمة نشاط إعلامي بهذا الخصوص، يظهر في الصحافة وأجهزة الإعلام. غير أن هذا النشاط الإعلامي لم يكتسب حتى الآن، صفة التخطيط والتنظيم والفاعلية والجدوى المطلوبة. وهو في بعض الأحيان نشاط مكرس لرفع العتب! في حين ينبغي لمثل هذا النشاط أن يخترق العالم من أقصاه إلى أقصاه، لتقديم قضية الأسرى باعتبارها واحدة من أهم قضايا الحرية وحقوق الإنسان التي تستوجب حلاً في وقت غير بعيد! وانسجاماً مع ذلك، علينا كما أعتقد أن نواصل طرح قضيتنا الوطنية ومن ضمنها قضية الأسرى، في عقلانية واعتدال، على العالم كله وعلى المجتمع الإسرائيلي بالذات، ليس لاستجداء الحلول وإنما لتحشيد قوى السلام العالمية لممارسة الضغط على إسرائيل للجلوس إلى طاولة المفاوضات، للإفراج عن أسرانا وللانسحاب من أرضنا، وكذلك لإنعاش قوى السلام الإسرائيلية الآخذة في الاضمحلال الآن، وللتحول إلى قوة سياسية لها وزنها في الضغط على اليمين، وفي التوصل إلى حل متوازن معقول للصراع. هذا يعني ألا نيأس من الاستمرار في مخاطبة الشعب الإسرائيلي بلغة واضحة وبوسائل نضالية مشروعة لا يمكن استغلالها لفرض المزيد من العزلة علينا، وهو يعني ضرورة وضع الشعب الإسرائيلي أمام مسؤولياته التي لا مفر منها تجاه قضايا الأرض والحرية والتعايش وتقرير المصير، فإن لم نفعل ذلك فقد يطول بنا الطريق! وإن إطالة الطريق قد لا تكون من الحكمة في شيء، أمام احتلال توسعي يلتهم أرضنا يوماً بعد يوم، ويخلق فوقها وقائع عنيدة! وتحية من القلب، إلى راسم عبيدات وإلى الآلاف من زميلاته وزملائه الصامدين في السجون.
محمود شقير
|