|
وأنا أقرأ رواية ليلى الأطرش"مرافئ الوهم"، عدت أربعين سنة إلى الوراء لأتذكر تلك المعلمة الشابة التي كانت تكتب في صحيفة "الجهاد"، الصحيفة المقدسية اليومية التي أصبحتُ أحد كتابها بعد ذلك بأشهر. صرنا، ليلى وأنا زميلين في الصحيفة نفسها، نعمل فيها عملاً إضافياً بعد العودة من يومنا المدرسي الطويل.
غير أن هزيمة حزيران فرقتنا، ووجهت ضربة لزمالة لم تدم طويلاً، وحينما أحصي في ذهني عدد المرات التي قابلت فيها هذه الزميلة الكاتبة خلال تلك المدة الزمنية المنصرمة، لما وجدتها تزيد عن ثلاث مرات، تضاف إليها مهاتفة واحدة أغنت عن لقاء. جاءت ليلى إلى بيت ساحور بعد عام واحد من الهزيمة. ذهبت إلى هناك صحبة صديقين آخرين للسلام عليها. وكانت ارتبطت بصديقنا الشاعر فايز صياغ الذي كان قبل حزيران معلماً في مدرسة بيت لحم الثانوية. ذهبنا إلى ليلى للسلام عليها وللسؤال عن فايز الذي غادر بيت لحم قبل الهزيمة بعام واحد أو أكثر قليلاً للعمل في مجلة "أفكار" الصادرة في عمان. التقينا في بيت أهلها مساء، وكان اللقاء مزيجاً من الذكريات والتأسي على ما فات، وعلى ما وقع من هزيمة وشتات. ولم أقابل زميلتي الكاتبة إثر هذا اللقاء إلا بعد سنوات طويلة. كانت خلال ذلك تشق طريقها بجد واجتهاد نحو كتابة إبداعية متميزة، وكنت أثناء إقامتي في عمان، أتابع بعض أنشطتها في العمل الوظيفي الإعلامي وفي الكتابة. قابلتها ذات مرة قادمة من قطر، في بيت الصديق الكاتب عدي مدانات، وهو زوج أختها، وعرفت أنها وزوجها قد أصبح لهما بيت في عمان سوف يعودان إليه بعد الانتهاء من عملهما في الخارج. في بيت عدي، لاحظت أن ليلى تعبر عن وجهات نظر ناضجة في الحياة وفي الثقافة والأدب، وهو ما لاحظته منعكساً في رواياتها المنشغلة بهموم المواطن العربي وبمعاناة المرأة العربية في مجتمع ذكوري متخلف. وفي هذه الروايات يتوطد عنصر الخبرة الفنية، ويجري الانتباه إلى التوازن ما بين الفكرة وأسلوب تقديمها في قالب فني جذاب. كان اللقاء الثالث في القاهرة. عرف فايز وليلى أنني هناك بطريق الصدفة، وكانت ليلى تستعد لتقديم مخطوطة روايتها "صهيل المسافات" لكي تصدر عن دار شرقيات. قرأت الرواية بعد صدورها بفترة قليلة، ولاحظت ما فيها من صنعة روائية متقدمة. قبل مغادرتي لعمان عائداً إلى القدس، زرت بيت فايز وليلى في جبل عمان. كان فايز يحتفي تلك الليلة بالصديق الشاعر أحمد دحبور. ولم تكن ليلى هناك، كانت لا تزال على رأس عملها في تلفاز قطر. وفيما بعد، زرت عمان بعد عودتي إلى القدس عدداً من المرات للمشاركة في أنشطة ثقافية. جئت مرة لتقديم شهادة في دارة الفنون عن كتابتي للقصة القصيرة، بدعوة من الصديق الشاعر والروائي ابراهيم نصر الله. كان فايز في عمان، وقد أبدى رغبة ملحة في الاحتفاء بي في بيته، لبيت الدعوة وسهرنا معاً، فايز وأنا ومجموعة من الأصدقاء، ولم تكن ليلى هناك أيضاً. كانت في مهمة إعلامية في الخارج. جئت إلى عمان مرة أخرى في زيارة خاطفة، لتقديم شهادة عن الصديق الراحل الروائي مؤنس الرزاز في مناسبة مرور عام على وفاته. هاتفت فايز وليلى وهما في البيت. سلمت عليهما من بعيد واعتذرت منهما لأنني مغادر إلى القدس على جناح السرعة، فلم نتمكن من اللقاء. وكانت تلك المكالمة الهاتفية هي آخر ما وقع من اتصال بيني وبين زميلتي في صحيفة الجهاد، ولم أقابلها من جديد إلا قبل أشهر في بيت لحم حينما لبيت دعوة المركز الثقافي هناك، لتقديم شهادة عنها في معرض تكريمها، والاعتراف لها بما قدمته من إنجازات في ميدان الكتابة الروائية. تاريخ الإدراج: 24 / 12 / 2006
|