عن مذكرات فائق وراد
 

لعل الفترة التاريخية التي تفتح عليها وعي فائق وراد، أن تكون من أغنى الفترات في تاريخنا المعاصر، ومن أكثرها امتلاء بالانتصارات والإنجازات حيناً، وبالهزائم والنكسات حيناً آخر.

لا يتحدث فائق وراد عن الأحداث المرصودة في هذا المذكرات من موقع المتفرج، بل إنه يروي أحداثاً ووقائع اكتوى بنارها ودفع من سنوات عمره ثمناً باهظاً لها. كان فائق وراد في صلب الأحداث، مناضلاً صلباً لا تلين له قناة، محرضاً على رفض الظلم واغتصاب الأرض والحقوق، وداعياً إلى التغيير والتقدم والعدالة الاجتماعية والحرية والاشتراكية.
وما يمنح هذه المذكرات نكهتها الطازجة ومغزاها البعيد، أنها تحرث في أرض التجربة الشخصية لمناضل تفتح وعيه على الفكر الماركسي في حقبة مبكرة من حياته، في مجتمع متخلف لم يأخذ بعد بأسباب الحضارة والتمدن، وفي فترة إشكالية معقدة من تاريخنا المعاصر، تلك الفترة التي شهدت تواطؤ الاستعمار البريطاني مع الحركة الصهيونية، لاستكمال مخططها الرامي إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، تحقيقاً لوعد بلفور المشؤوم.
كان فائق وراد طفلاً، حينما اصطدم وعيه بصدام دموي بين قوات الانتداب البريطاني وعناصر الثوار من الفلسطينيين المدافعين عن الأرض والوطن، في معركة ينقصها التكافؤ منذ الأساس، وفي ظني أن هذا الذي حدث على مقربة من وعي الطفل القروي المتعطش للمعرفة آنذاك، لم يذهب سدى، ويبدو أنه استقر في أعماقه ليحرك غضبه اللاحق ضد كل أشكال الغطرسة والاستعباد والاستبداد.
كانت فلسطين الرازحة تحت الانتداب، المبتلاة بهجرة يهودية منظمة قادمة إليها من كل بقاع الدنيا، تشهد تحركات سياسية وطنية لا تهدأ، رداً على التحديات التي تتهدد البلاد بأخطار ستظهر نتائجها واضحة للعيان في سنوات قادمة. تشكلت في طول البلاد وعرضها الأحزاب السياسية القومية، وعقدت المؤتمرات والاجتماعات الحاشدة، وسارت المظاهرات الصاخبة في كل مكان، واندلع الكفاح المسلح أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين. كان المناخ السياسي الملتهب في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، حافزاً على الانتماء إلى أحزاب الحركة الوطنية الفلسطينية ومنظماتها المناوئة للحركة الصهيونية وأطماعها التوسعية، ولقد اختار فائق وراد الانتماء إلى عصبة التحرر الوطني في فلسطين، وهي منظمة ماركسية ضمت في صفوفها نخبة من المثقفين الفلسطينيين، ثم توسعت صفوفها والتحقت بها أعداد كبيرة من العمال والفلاحين، ولعبت دوراً ملموساً مع بقية أحزاب ومنظمات الحركة الوطنية الفلسطينية في النضال ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية إلى فلسطين، بل إن العصبة تميزت عن بقية الأحزاب والمنظمات الوطنية الفلسطينية آنذاك، بسياستها الواقعية وببعد نظرها، تجاه ما كان يحيط بشعب فلسطين وقضيته الوطنية من مخاطر وصعاب.
لم تكن في الوسط الاجتماعي الذي نشأ فيه فائق وراد، أية مؤشرات أو تأثيرات مباشرة، يمكن أن تفسر ميله اللاحق إلى الفكر الماركسي واعتناقه له واتخاذه مرشداً له في النضال الوطني والاجتماعي. ربما كانت البيئة الفقيرة التي نشأ فيها سبباً غير مباشر لتحبيذ الأفكار التي تدعو إلى إنصاف الفقراء، وربما كان لفضول الفتى المتعطش إلى المعرفة، واجتهاده اللافت للانتباه أثناء الدراسة، علاقة بذلك. ربما كان للمناخ الوطني العام السائد في البلاد علاقة بذلك أيضاً، وربما كان الانتقال إلى المدينة لمواصلة الدراسة فيها، هو السبب الرئيس المفضي إلى انفتاح الأفق، المؤدي إلى إقامة علاقات شخصية مع أناس مؤمنين بالفكر الماركسي، والتأثر اللاحق بهم والانتماء من ثم إلى هذا الفكر.
مما لا شك فيه أن المدينة الفلسطينية لعبت دوراً بارزاً في حياة فائق وراد، فقد عاش وهو فتى يافع في القدس أربع سنوات، هي سنوات دراسته في الكلية الرشيدية، وهي أهم مدرسة ثانوية في فلسطين في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، ثم عاش في الخليل وغزة ونابلس، وبدا من خلال مذكراته، راغباً في العيش في المدينة لتوسيع آفاقه ومعارفه، وقد تم له ذلك، وتحقق له الانتماء إلى الفكر الماركسي وهو شاب في مقتبل العمر.
لم تكن المدينة الفلسطينية آنذاك مجرد فضاء للسكن يمتاز عن القرية بالاتساع ووفرة العلاقات الاجتماعية وحسب، بل كانت موقعاً أساسياً للتجمعات السياسية والثقافية وللصحف. لقد لعب المثقفون الفلسطينيون، وبينهم عدد لا يستهان به من معلمي المدارس الابتدائية والثانوية، الذين تأثروا بالفكر الماركسي، دوراً بارزاً في نشره في أوساط اجتماعية فلسطينية واسعة نسبياً، وكانت في ذلك فرادة وتميز وفعل من أفعال الريادة المؤكدة. كما لعبت الصحف والمجلات الصادرة في فلسطين في أربعينيات القرن الماضي، وبالذات صحيفة الاتحاد، لسان حال عصبة التحرر الوطني، ومجلة الغد، لسان حال رابطة المثقفين العرب، دوراً تنويرياً لا ينكره أحد. ولقد كانت العلاقات الشخصية التي ربطت فائق وراد ببعض أعضاء العصبة من المثقفين، واهتمامه بقراءة صحيفة الاتحاد ومجلة الغد، السبب الرئيسي والمباشر لانتمائه إلى عصبة التحرر الوطني في فلسطين.
منذ الأيام الأولى لانتمائه أبدى فائق وراد حماساً منقطع النظير للأفكار التي انتمى إليها واقتنع بها، وامتزج ذلك بنزعة وطنية صادقة ودفاع عن الأرض والوطن والشعب دون مهادنة أو تردد، وامتزج في الوقت نفسه بنزعة أممية واسعة الأفق، جعلت فائق وراد مؤمناً أشد إيمان بأن نضال الشعب الفلسطيني من أجل الحرية وتقرير المصير، وكذلك نضال الشعوب العربية من أجل التقدم والعدالة والديمقراطية، إنما هو جزء لا يتجزأ من نضال شعوب العالم قاطبة ضد الامبريالية وضد نزعات التوسع والهيمنة والتبعية والعسكرة، ومن أجل السلام والعدالة والحرية والاشتراكية.
أصبح فائق وراد عضواً في اللجنة المركزية لعصبة التحرر الوطني وهو شاب في العشرين من عمره، وكان معه في قيادة العصبة نخبة من الشباب المجايلين له أو الذين يكبرونه قليلاً في السن، وكانوا كلهم متحمسين للنضال، مستعدين للتضحية في سبيل مبادئهم، وقد أثبتوا ذلك قولاً وفعلاً، فدخلوا غياهب السجون مراراً وقضوا فيها سنوات طويلة، دون أن تهتز قناعاتهم أو تضعف إرادتهم.
ودخل فائق وراد البرلمان الأردني أواسط الخمسينيات وهو في الثلاثين من العمر، عضواً منتخباً وممثلاً للحزب الشيوعي الأردني، تعبيراً عن التفاف الجماهير حول البرنامج السياسي الذي رفعه فائق وراد آنذاك، وهو البرنامج نفسه الذي تبنته الجبهة الوطنية التي لعب الحزب الشيوعي دوراً أساسياً في تشكيلها، وخاضت انتخابات البرلمان في مختلف مدن البلاد.
كما انتخب فائق وراد أميناً عاماً للحزب الشيوعي الأردني وهو في الخمسين من العمر، وهو أمر يستحق التأمل والإعجاب: مدرس شاب ينتمي إلى منظمة ماركسية وهو في ريعان الشباب، يصعد إلى قيادة هذه المنظمة في زمن قصير بسبب مثابرته ونشاطه وصدق انتمائه، ثم يصبح عضواً في البرلمان، أصغر عضو في البرلمان، بسبب اندفاعه في طريق النضال واحتماله كل المخاطر والصعاب، وبعد ذلك يقضي في السجون سنوات طويلة، ولا يتراجع عن الطريق الذي اختاره، بل يمضي فيه قدماً، ويصبح واحداً من القادة البارزين في الحركة الوطنية الفلسطينية وفي منظمة التحرير الفلسطينية، يجوب العالم من أقصاه إلى أقصاه، مدافعاً عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، ويتعرض لمصاعب صحية وأمراض، يحتملها في سبيل قضيته التي أخلص لها وقناعاته التي آمن بها.
في هذه المذكرات التي كتبها فائق وراد، بتواضع شديد، حيث أسهب في الحديث عما هو عام في مسيرة النضال، وأوجز كثيراً في الحديث عما هو خاص، في هذه المذكرات إضاءة لجوانب من التجربة الفلسطينية الكبيرة، ومن التجربة الأردنية والعربية كذلك، وفيها درس أخلاقي كبير يجدر بالأجيال الجديدة الصاعدة أن تتمثله وأن تستلهمه، وهي تمضي في رحلة الحياة.
وتحية إلى فائق وراد، صاحب المواقف المبدئية، المناضل الكبير الذي قدم الكثير من التضحيات.

محمود شقير

تحضير للطباعة أرسل هذا الخبر 


أضف هذا الخبر إلى المواقع التالية