عمان – القدس العربي
أحد الأصوات المبدعة، في حقل القصة القصيرة، بدأ الكتابة والنشر منذ مطلع الستينات، وبخط تصاعدي، شديد الوفاء لمقتضيات التجويد الفني، من كسر للجمود والرتابة إلى تفتيش متجدد عن أشكال أكثر ملاءمة للتعبير.

ذلك هو محمود شقير الذي أصدر أربع مجموعات قصصية، ومجموعتين للفتيان. ورغم انخراطه في العمل السياسي والإعلامي، إلا أنه لم يهجر أبداً فنه الأثير، وظل على قلق وانتباه دائمين من أن ينعكس انشغاله وانغماسه في العمل السياسي وانحيازه الأيديولوجي، سلباً على عطائه الفني.
الحوار التالي ينطلق من مجموعته القصصية (طقوس للمرأة الشقية)، التي تضم زهاء ثمانين قصة قصيرة جداً، تعتبر علامة مميزة في تطور الفن القصصي لهذا الكاتب المبدع، كما هي – أي المجموعة – بين قلة من الآثار الفنية التي تستوقف القارىء طويلاً، وتترك تأثيراً لا يمحى.

•شكلت مجموعتك القصصية "طقوس للمرأة الشقية" نقطة تحول في مسارك القصصي، وهو تحول جرى التعبير عنه في قصص لاحقة نشرتها بعد صدور مجموعتك هذه، والمقصود بهذا، هو تحرر القصة عندك من عناصر ومحددات كلاسيكية، ومن شمولية المعمار الفني ، لمصلحة التركيز على عنصر بعينه تقوم عليه القصة. والسؤال هنا هو: هل تعتبر أن انسحاب القصة إلى شكل القصة القصيرة جداً، هو بمثابة إعادة تعريف وتحديد لفن القصة، وفك ارتباطها بالشكل الروائي الشمولي؟ هل يحرز فن القصة بذلك استقلالاً أكبر وأوضح؟

_ بالرغم من قناعتي، بهذا الشكل الجديد من الكتابة المتمثل في القصة القصيرة جداً، فأنا لست مقتنعاً بضرورة أن تنسحب القصة القصيرة بالكامل إلى شكل القصة القصيرة جداً، لأن في ذلك حكماً تعسفياً على منجزات القصة القصيرة التي تطورت انطلاقاً من الشكل السردي التقليدي، ولأن فيه تضييقاً لفرص التنوع المبدع التي يمكن للقصة القصيرة أن تشتمل عليها. وبالنسبة لي، فأعتقد أن اتجاهي لكتابة القصة القصيرة جداً، قد جاء تعبيراً عن حالة ذاتية، دون أن أسقط من حسابي تأثير الظروف الموضوعية التي أسهمت في مثل هذا الاتجاه. فبعد أن كتبت القصة القصيرة السردية بقواعدها الفنية المعروفة، سنوات عديدة، وتحديداً في فترة الستينيات، وجدتني أنقطع عن كتابة القصة القصيرة بعض الوقت، بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967، تحت ضغط الانشغال بالعمل السياسي اليومي لمواجهة الاحتلال.
الآن بعد مرور السنين، أكتشف أن هذا الانقطاع لم يكن مبرراً على الإطلاق، وقد كان انصياعاً خاطئاً للموضة التي ما زالت سائدة حتى الآن بشكل أو بآخر في العمل الوطني الفلسطيني، التي تغلب الآني اليومي على ما هو مستقبلي واستراتيجي وذو فعالية بعيدة وتأثير مستديم. حينما عدت لممارسة الكتابة القصصية بعد إبعادي من الأرض الفلسطينية المحتلة، عام 1975، وجدت صعوبة في العودة إلى الشكل السردي للقصة القصيرة الذي انتهيت إليه في الستينيات، بسبب هذا الإنقطاع المؤقت عن الكتابة اولاً، وبسبب التغيرات الكبيرة التي واكبت الظروف السياسية والاجتماعية ثانياً، ولأن فن كتابة القصة القصيرة قد طرأت عليه مستجدات كثيرة ثالثاً. آنذاك، كانت موجة التجريب في الكتابة القصصية قد وصلت ذروتها، ووجدتني، تحت تأثير العوامل السابقة كلها، منخرطاً فيها، وكانت مجموعتي القصصية "الولد الفلسطيني" تعبيراً عنها. غير أنني – من جديد – لم أعد قادراً على الركون إلى ما توصلت إليه من تقنية في هذه المجموعة القصصية، وظل البحث عن طرائق جديدة في الكتابة القصصية يلح عليّ، حتى كانت هذه القصص القصيرة جداً، التي ظهرت أواسط الثمانينيات، في فترة احتدام الثقافة الاستهلاكية، معبراً عنها في التلفزيون وما يبثه من مسلسلات مسطحة تستولي على اهتمام الناس، وهي نفسها فترة عزوف الناس عن القراءة تحت ضغط القمع السياسي وتردي الأوضاع الاقتصادية، وعزلة القوى الوطنية والديمقراطية عن الجماهير. يبدو لي، أن هذه القصص القصيرة جداً، التي كتبتها في زحمة تلك الظروف المتشابكة، كانت تهدف بكلماتها القليلة، وتكثيفها الحاد، إلى استدراج المواطن الذي لم يعد يملك وقتاً للقراءة، كي يقرأ، إلى جانب أنها – أي القصص القصيرة جداً – بشكلها الخارج على المألوف القصصي السائد، إنما تشير إلى عدم الاستقرار في مجتمع تتزاحم فيه التناقضات على نحو يثير القلق في النفوس.

•هل ترى، كما يرى سائلك، أن القصة القصيرة في صيغتها الأخيرة، المتعارف على تسميتها بالقصة القصيرة جداً، قد أصابها تجديد نوعي، أعاد ربطها بشكل الأساطير والحكايات من جهة، وبالفنون المشهدية من مسرح وسينما ( تتابع اللقطات من أجل الوصول إلى لقطة بانورامية) أم أنك ترى بأن الأمر لا يعدو كونه إحدى صيغ التجديد التي أصابت هذا الفن، دون إغفال الصيغ الأخرى؟


_ طبعاً، لن نغفل الصيغ الأخرى ما دامت قادرة على العطاء وعلى ابتكار الجديد في مجال التقنيات القصصية، ولا أرى ضرورة أن ينسخ شكل قصصي ما، كل الأشكال القصصية الأخرى. إن تنوع أساليب الكتابة القصصية، وتعايشها وتجاورها، هو في مصلحة القصة القصيرة دون ريب، وإذا كنت تتحدث عن ربط القصة بشكل الأساطير والحكايات الخرافية وبالفنون المشهدية من مسرح وسينما مما أثر إيجابيا على تطور القصة القصيرة، فإنني أضيف إلى ذلك ضرورة أن ينتبه القاصون العرب إلى ما يخترنه النثر الفني في التراث العربي من قدرات تعبيرية، يمكن الاستفادة منها وتطويعها لأساليب القص الحديثة، ما سيوفر فرصاً أكبر للقصة العربية المعاصرة. طبعاً ثمة قاصون عرب وروائيون لم يغفلوا هذا الأمر، وقد استفادوا منه أيما استفادة، وما زال المجال مفتوحاً لكل مستزيد.

•مع ازدهار الفن القصصي في السنوات العشر الأخيرة، فان عيوباً نافرة، يمكن أن تقع عليها العين القارئة، كالشاعرية المجانية، والجنوح إلى أسلوب الخاطرة، والاختزال المتعسف مما يهدد هوية القصة كفن. فما رأيك؟

_ هذا صحيح تماماً، وهو نابع في الأساس من حصة الإنشاء في مدارسنا، التي ترسخ في روع الناشئة من الطلاب فهماً مغلوطاً للتعامل مع الكتابة، بحيث تستحيل حصة الإنشاء الى كليشيهات جاهزة أو جمل محفوظة تصلح لكل شيء ولا تصلح لشيء. وهو نابع أيضاً من الاعتقاد الخاطىء لدى بعض الهواة، بأن كتابة القصة القصيرة هي الأسهل إذا ما قورنت بالشعر أو بالرواية، كونها تشتمل في صلبها على حكاية ما، لا تبتعد كثيراً عن حكايات الجدات. وهنا لا بد للقصة القصيرة من أن تميز نفسها بوضوح عن الحكاية، لكي تحصن نفسها من عبث العابثين وطيش الطائشين.
أما القصة القصيرة جداً، فثمة من يعتقد – من الهواة ومن الكتاب كذلك– أنها أسهل بما لا يقاس حتى من كتابة القصة القصيرة، وهنا يلتبس أمرها بأمر الخاطرة التي يمكن للمرء أن يكتبها في دقائق. ومن هنا بالذات تتكاثر الأخطاء التي ذكرتها من مثل الشاعرية المجانية، والجنوح إلى أسلوب الخاطرة، والاختزال المتعسف الذي يحيل النص القصصي إلى طلاسم مغلقة. كذلك فإن موجة التجريب التي سادت في السبعينيات والثمانينيات من هذا القرن، مسؤولة هي الأخرى عن اختلاط الحابل بالنابل في كثير من الأحيان، وأدت الى تسرب الكثير من المفاهيم الخاطئة إلى ساحة الإبداع القصصي، الأمر الذي يتطلب من النقاد الجادين جهداً مضاعفاً هذه الأيام لبلورة المفاهيم الصحيحة، ولتنقية الساحة مما علق بها من أخلاط.

•عودة الى مجموعتك "طقوس للمرأة الشقية"، فمن الواضح – بالنسبة لي على الأقل كقارىء – أن النظر الايديولوجي ، ما زال له سطوة على عالمك القصصي، رغم محاولات التحرر منه. هناك رسالة ايديولوجية لا تخفى ابتداء من عنوان المجموعة إلى الأجواء المبثوثة في القصص. صحيح أن هذه الرسالة تقتصر على الإيماءات والإشارات اللطيفة، والملاحظات السرية والخافتة، عن الاضطهاد والاستغلال والاحباط الاجتماعي والجنسي، إلا أن ذلك لا يقلل من إحساس القارىء، بأن القصص، في مساقها العام، أقرب إلى طرح نماذج وتجارب فنية لجملة من الأفكار والقناعات. وإذ يتفق المرء معك عليها، فإن الخلاف قد يثور عند التساؤل: أليس الحيز الذي يخوضه الفن هو أكبر وأشمل من التوقف عند محددات ايديولوجية بعينها؟ أليست هناك هواجس وانشغالات وعواطف كبرى للكائن البشري تخترق مثل هذه المحددات؟ وفي النهاية، أليست ظاهرة النشاط الفني أكثر براءة وتعقيداً في الوقت ذاته، من مجرد الانتصار لايديولوجية بعينها؟ وإذا كان الفنان لا يملك بالمطلق أن يتحرر من انحيازاته الايديولوجية، فالخلاف هو حول موقع وأثر هذه الانحيازات، هل تكمن في "ضمير" الفنان، في قرارة وعيه ولا وعيه أم في مقدمة الرأس؟ أقول بهذه الملاحظة مع إعجابي الصادق والحقيقي بالمجموعة.

_ أوافقك على كل ما ذكرت، رغم قناعتي وقناعة نقاد آخرين ممن كتبوا عن المجموعة، بأنني قد تخلصت إلى حد كبير من سطوة الإيديولوجية على عالمي القصصي. وقبل أن أضع المسألة في سياقها التاريخي، أذكرك بما كان الروائي الكولومبي الشهير غارسيا ماركيز يخطط له قبل سنوات قليلة حول تربية فريق من السينمائيين الكوبيين، غير متأثر بالسينما الهوليوودية، فاختار لذلك فتياناً من الريف ممن لم يشاهدوا السينما في حياتهم بتاتاً، وألحقهم بمدرسة للسينما تحت إشرافه، وذلك لإنتاج أفلام جديدة متحررة من سطوة السينما الهوليوودية، يحلم بها غارسيا ماركيز، ولا أدرى إلى أين وصلت جهوده هذه الأيام! أما بالنسبة لي، فقد تم الأمر على سبيل الصدفة ثم تحول إلى "تواطؤ" مكشوف – إذا جاز القول – فقد بدأت الكتابة عن الريف الفلسطيني، وهموم الفقراء فيه قبل أن أنتمي إلى أية أفكار سياسية أو إيديولوجيات محددة. بعد ذلك اكتشف الشيوعيون – الذين لم أكن واحداً منهم حتى ذلك الحين – أنني أكتب – بأصالة كما ادعوا – عن الكادحين ، وراح أحد نقادهم يسهب في الحديث عن تفاصيل القصة الواقعية التي كنت أكتبها في الستينيات. منذ ذلك الحين، ارتبطت الايديولوجيا بكتاباتي القصصية، وكانت تخفت حيناً وتبرز حيناً آخر وفقاً لظروف عديدة منها مثلاً استمرار القمع السياسي ضد أفكار اليسار لسنوات طوال، ما كان يدفعني – قصداً – إلى تسريب بعض قناعاتي السياسية والايديولوجية عبر كتاباتي القصصية. ومنها مثلاً ذلك الموقف المغلوط الذي درجت عليه قوى اليسار الماركسي طوال حقبة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، الذي رفع من وتيرة الموقف الايديولوجي، وجعل له الغلبة على كل المواقف الأخرى والاعتبارات، ما ترك بصمات على بعض نتاجي القصصي عموماً، وعلى مسلسلاتي التلفزيونية على وجه الخصوص، حتىجاءت "طقوس للمرأة الشقية" التي اعتبرتها نقطة تحول كبيرة في هذا المسار. ولا أكتمك أنني ما زلت حتى الآن، طامحاً في مزيد من التحرر من سطوة الايديولوجيا على الكتابة الإبداعية، دون التخلي عن قناعاتي الفكرية بطبيعة الحال، ولكنني في الوقت نفسه ما زلت أخشى مفاهيم يرددها نقاد وأصدقاء ورفاق من نوع: التعالي على الجماهير والتخلي عن الإلتزام، والجنوح الى برجزة الفن على نحو من الأنحاء. إن لمثل هذه المفاهيم التي تحتاج إلى نقاش مستفيض تأثيراً كابحاً علي، يتبدى في شكل انصياع لسطوة الايديولوجيا بين حين وآخر، على ما أكتبه من قصص.

•هل أنت مع الرأي القائل إن المشهد القصصي العربي، ومنه الفلسطيني، قد أصابه شيء من الانحسار والبهوت والاختلاط، وإن القارىء قد يجد صعوبة كبيرة في تلمس نقاط الفاعلية والجودة في العطاء القصصي، رغم أنها موجودة ومبثوثة هنا وهناك، هل هو حظ القصة القليل أم سطوة أشكال النثر الأخرى أم لجمود اعترى الفن القصصي؟

_ المسألة ليست متعلقة بالجمود، بالعكس فقد اعترى الفن القصصي في السنوات العشرين الماضية الكثير من عمليات التجديد والانطلاق إلى ذرى جديدة عبر ما أطلق عليه موجة التجريب. ويمكن القول إن التطرف الذي واكب هذه الموجة في بعض جوانبها ربما كان مسؤولاً عن تشوش النظرة إلى القصة القصيرة، واهتزاز الثقة فيها لدى قطاع غير قليل من القراء الذين تعودوا على نمط معين، سهل، ميسور من القصص التي تشبه الحدوتة أو الحكاية، ثم إذا بهم فجأة أمام ألغاز ومعميات، ما دفعهم إلى الانصراف عن القصة القصيرة أو التعامل معها بحذر شديد في أحسن الأحوال.
كذلك، فإن كتاب القصة القصيرة أنفسهم ليسوا شديدي الإخلاص لهذا الفن الذي يبدعونه، فما إن يصدر الواحد منهم مجموعته القصصية الأولى أو الثانية على أبعد تقدير، حتى تبدأ إغراءات كتابة الرواية تداعب خياله، فيتحول عن القصة القصيرة إلى الرواية، ولا يعود إليها إلا لماما، ومن باب رفع العتب ليس إلا. يضاف إلى ذلك ، ما شهدته منطقتنا من تطورات سياسية وأزمات وهزائم واندحارات في السنوات الخمس والعشرين الماضية، ما جعل تزاحم الأحداث وتدفقها أكبر من قدرة القصة القصيرة على الاحتمال. فمن جهة، بدا الشعر بتعامله الفوري الحار مع الأحداث أكثر شعبية لدى الجماهير، وأكثر استجابة من القصة القصيرة في التفاعل مع الأوضاع، وبدت الرواية كذلك، بقدرتها على استيعاب الكثير من التطورات وبشموليتها التي تتسع لمجتمع بأكمله، أكثر استعداداً من القصة القصيرة للتعاطي مع المستجدات. غير أن القصة القصيرة، وبالرغم من ذلك كله، قادرة عبر النماذج التي نوهت بها، المبثوثة هنا وهناك، على المضي قدماً لكي تحرز مزيداً من التبلور ومزيداً من النضج الفني، لهذا اللون من الفن الذي ما زلنا بحاجة إليه، وسنظل كذلك وإلى أمد طويل كما اعتقد.
أجرى الحوار: مراسل القدس العربي في عمان
1991

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME