"رحلة ممتعة وموجعة مع "فرس العائلة "لمحمود شقير
الدخول عميقا في اختيارات الأفراد والجماعة
نادية عيلبوني
بأناة وهدوء وصبر، يسوس محمود شقير "فرس العائلة"، عائلته، ليجوب بها التلال والبراري الفلسطينية واضعا أمامنا سيرة حياة كاملة للعشائر في فلسطين، عبر محطتين مفصليتين من محطات الزمن الفلسطيني، من خلال سيرة حياة عشيرة "العبداللات" قرب القدس.
تصهل "فرس العائلة" وهي تنهب الأرض مسرعة بعصبية بين محطة وأخرى، فيتطير أصحابها وهم يقرأون في صهيلها وعدوها وجموحها، نذير الخطر القادم من الأيام، قبل أن تتشكل لديهم أية معرفة بصورة المستقبل الذي ظل غامضا بمقدار ما كان مخيفا في محطات الزمن السياسي الذي غير وجه فلسطين على نحو جذري0


فرس العائلة بجموحها وعدوها، لا تعلن لأصحابها عن الخطر القادم فحسب، بل هي تنعف أمام قارئها كل عجاج الأيديولوجيا لتجعلنا نرى بوضوح عوامل الجذب التي لا تزال تشدّ المجتمع الفلسطيني إلى جذوره العائلية والعشائرية الأولى، بكل هرميتها وترابيتها وقيمها، والتي ما انفكت تعكس آثارها في كل مفاصل الحياة الفلسطيني سواء منها على الصعيد الاجتماعي او الصعيد السياسي0
مصداقية الرواية، إذاً لا تتأتى فقط من كون محمود شقير يمتلك حرفة القص وأدواته، وقدرته على نقل أدق أسرار الذاكرة الشفوية للآباء والأجداد ،بل أيضا، في كونه أحد سلالات العشيرة التي يتحدث عنها0
"فرس العائلة" تؤرخ لحقبتين زمنيتين من تاريخ فلسطين لكل واحدة منها خصائصها وتجلياتها الاجتماعية، ابتداءً من أواخر عهد الاستعمار التركي لفلسطين، ومرورا بزمن الاستعمار البريطاني والهجرة اليهودية إلى فلسطين0
في مربض فرسه الأول، نتعرف على محنة أبناء العشيرة واللوعة والضنك الذي عاشته، وهي تقدم خيرة أبنائها في حروب السلطنة، ونقترب أكثر فأكثر لملامسة ذلك الوجع المرير والممض وهو يتوزع بين الشعور بالكرامة والاعتزاز بالنفس، وبين رفض استغلال مشاعر النخوة والحمية لابن القبيلة0 ففي حوار شيخ
القبيلة مع الضابط التركي الذي جاء باحثا في مضاربها عن الرجال لاقتيادهم للحرب باسم الدفاع عن القدس، والذي لم يلق استجابة أو حماسة من شيخها، بسبب التهام تلك الحرب لمواردهم وأبنائهم دونما طائل، يبتلع الشيخ منّان إهانة الضابط التركي بوصفه العشيرة بـ "الجنكلة"، ولكن دون أن ينسى أنها إهانة، إلا أنه يتصرف بشعور عال بالمسؤولية إزاء قبيلته ويترك الرد عليها إلى وقت يكون ملائما0
التزمت الديني ليس خاصية جوهرية في نمط حياة عشائر فلسطين
هذا على الأقل ما يمكن الاستدلال عليه في سياق العرض البانورامي الشيق لنسق الحياة الاجتماعية اليومية، والتي لا نعثر فيها إلا لماما على المواقف التي تعبر عن التزام ديني، باستثناء بعض الطقوس الدينية مثل الحج والصلاة الغير منتظمة والتي تمارس غالبا عند اشتداد الأزمات، بل ربما نستطيع الاستنتاج بسهولة أن ظاهرة التدين لم تكن موجودة على تلك الصورة التي كانت في المدن، أو حتى في القرى الفلسطينية، وهي لم تلعب أي دور، على ما يبدو، في توجهات أو نمط حياة العشيرة سواء أثناء فترة الحكم العثماني أو بعدها ووصولا لفترة الرحيل عن البرية إلى أرضها في رأس النبع قرب القدس في أواخر الاستعمار البريطاني وتدفق الهجرة اليهودية إلى فلسطين واقتراب أبنائها أكثر فأكثر من نمط حياة المدينة0 فدور الدين كما بدا من خلال السرد، لم يكن يتعدى، في أحسن الأحوال، بضعة طقوس بسيطة يؤدونها كواجبات ولكن دونما تزمت، وربما لهذا السبب لم تكن لرجل الدين الحظوة أو القيمة التي كانت لشيخ العشيرة0 الاستدلال على هذا لا يتجلى فقط في تعدد الزوجات المحصور دينيا في أربعة نساء وتجاوزه هذا العدد إلى سبعة في بعض الأحيان والذي هو في الحقيقة سلوك ينم عن حاجة أبناء القبيلة للكثرة العددية لتدرأ عن نفسها الأخطار، بل تتجلى أيضا، في عدم تقبل أبناء العشيرة لوصايا وتعليمات شيخ المدينة الذي انتقل إلى حمى العشيرة ليعلم أبناءها أصول الدين والقراءة والكتابة، والذي لم يتمكن برغم كل ما فعله من نيل الحظوة التي تجعل مكانته موازية لمكانة شيخ العشيرة وكبارها، مما اضطره بعد سنوات قليلة إلى المغادرة غاضبا متهما العشيرة بالكفر وعبادة الأصنام، غامزا غير ذي مرة، من اسم العباللات التي تشير إلى معبودة العرب قبل الإسلام، ومتهما إياها بالزندقة لأن أبناءها لا يوثقون زيجاتهم في عقود شرعية ورسمية؛ فطقوس الزواج كانت بسيطة جدا بحيث لا تتعدى طقسا واحدا، يجلس كلا العروسان أمام الناس على حجرين منفصلين، ليقول العريس:" أنا على حجر وأنت على حجر"، ولترد العروس قائلة : " أنا الأنثى وأنت الذكر"..!! ليس هذا فحسب بل هم على نحو مماثل كانوا يسخرون ويرفضون من الفتاوى ما لا يتناسب وحاجاتهم وضرورات حياتهم العملية، ويطلبون من الشيخ تعديلها أو حتى التخلي عنها0 وتعرض الرواية
الكثير من الأمثلة على ذلك، من ضمنها طلب الشيخ استبعاد النساء عن حلب الاغنام كي لا يرين طقوس التزاوج وطقوس الجنس0
ترى إلى أي حد يمكننا القول أن المجتمع الفلسطيني كان مطبوعا بدوره بتلك السمة التي تقربه من الولاء والانتماء العائلي والقبلي على حساب بقية الانتماءات بما فيها الانتماء الديني؟
طقوس الحرية في البرية
الميل للتحرر من القيود وصرامة العادات والتقاليد تتجلى أكثر ما تتجلى في حالات التطير من بعض العلامات التي تزرع حال الخوف من المجهول الغامض والمنذر بما لا طاقة على احتماله0 ففي طقس فريد من نوعه تشعل العشيرة النار لطرد الأرواح الشريرة وإنذارات الشؤم، التي استدلوا عليها في عدو فرس الشيخ القتيل "محمد" أبا منان، بصهيلها وعدوها في البراري، فيندفعون، نساء ورجالا معا، في طقس النار التي أشعلوها، ليؤدوا رقصات أقرب ما تكون إلى رقصات وثنية تستلهم روح التاريخ القديم للعشائر العربية الموغلة في القدم، ويذهبون بعيدا في التعبير عن مخاوفهم من خلال حركة أجسادهم العصبية التي تعتمر بكل شبق الحياة والتي تدفع الشيخ منان إلى طلب الزواج الفوري من وطفاء ابنة السابعة عشرة التي كانت ترقص إلى جانبه بالاندفاع ذاته، وإتمام كل طقوس الزواج في البرية وعلى مقربة من النار0
الرحيل
ربما كان قرار عشيرة "العباللات" في الرحيل عن موطنها الأصلي قد بدا في ظاهره إراديا، ذلك أنها ترحل صوب أملاك اخرى لها قرب القدس، ولكن القرار، بأي حال، لم يكن سهلا بقدر ما كان صعبا وقسريا بالعمق، وأسبابه كانت كثيرة منها الاقتصادية التي تمثلت في النكبات المتتالية التي منيت بها ثروتهم الحيوانية، بسبب شح المياه وندرة الأمطار أو الفيضانات، وأيضا فقدانها لأبنائها الذين قتل الكثير منهم سواء في حروب السلطنة أو وهم يستخدمون من قبل حكومة الانتداب البريطاني في تصيد المهربين، هذا العمل الذي توقفوا عنه بعد خسارتهم لعدد من رجالهم وبعد أن اتضح لهم أيضا أنه كان يهدف إلى استغلالهم في تصيد الثوار الذين يهربون الأسلحة من شرق الأردن، هذا بالإضافة إلى الخطر القادم من الهجرة اليهودية وإعدادها العدة للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، فقد فضلوا أن يكونوا قرب أراضيهم التي يزرعونها، كي يدرأوا هذا الخطر0
هذا الرحيل رافقته مشاعر مريرة ومؤلمة التي خفف منها أنهم يرحلون باتجاه أرضهم الأخرى خوفا من استيلاء اليهود عليها، وهذا التماهي مع المكان الأول والتربة الأولى تجلى قبل الرحيل أو حتى بعده،
كما في حال إحدى زوجات الشيخ منّان، التي كانت متيمة بمراقبة الأقمار والنجوم في السماء، ولدى الزوجة الأخرى التي كانت تتماهى مع حجارة المكان إلى حد دفن نفسها تحتها عند جداول الماء، ويتجلى أيضا في حال أم الشيخ منّان "صبحاء"، التي ما أن غادرت البرية حتى بدأت ذاكرتها بالتدهور السريع والخلط ما بين الأحلام والواقع0 صبحاء التي لم تكن تستطيع إخفاء حنينها ووجعها وتوقها للعودة إلى حياة البرية، والذي تجلى في انتقادها المستمر لأي تغيير يطرأ على سلوك نساء العائلة وتأثرهن بحياة مدينة القدس القريبة0 هذا الانتقاد الذي لم يكن في جوهره سوى تعبيرا عن تمسكها بنمط عيشها في البرية، فهي كانت دائما التذمر والشكوى من سلوك النساء اللواتي كانت تجذبهن حياة النساء في القدس ويردن محاكاتها0 الحاجة إلى الحرية الممزوجة بالحنين إلى حياة البرية تتجلى كذلك لدى عديد الشخصيات في الرواية، كما في حالة معزوزة أخت الشيخ التي غافلت الأهل لتذهب إلى البرية وتزور قبور الأب والأجداد والحبيب، وتعود وهي تحتضن حفنة من تراب تضمها إلى قلبها غير آبهة باعتراض وغضب أخيها الشيخ منان على تصرفها0 وكذلك في حال العم عبد الجبار الذي تميز بالعناد والإصرار الذي جعله يتخذ قرار البقاء وحده مع زوجتيه وأولاده في البرية بعد أن رحل الجميع0
ترى إلى أي حد يمكننا القول إن استشارة الفتاة في أمر زواجها، الأمر الذي كان سائدا بحسب الرواية في حياة العشيرة، يبدو متسقا، إلى هذا الحد أو ذاك، مع فكرة الحرية؟ وإلى أي حد يمكن تفهم حالة حداد لفتاة على حبيبها الذي قتل، ولمدة سبع سنوات متواصلة وبمعرفة أهلها وعشيرتها، كما في حالة معزوزة أخت الشيخ منّان التي اعلنت امام أخيها الشيخ أنها لن تتزوج قبل قضاء فترة حدادها على الحبيب؟ وإلى حد يمكن اعتبار العلاقة الجنسية بين المرأة والرجل خارج إطار الزواج، تمر دون عواقب وبالرغم من انكشافها الإيحائي في حال زوجة الشيخ منان وولادتها المبكرة لطفلهما الأول؟؟
ربما كان من الصعب الإجابة عن هذا الأسئلة، ليس فقط لأن عادة تعدد الزوجات كانت شائعة في تقاليد القبيلة على نطاق واسع، وليس فقط لأن عشيرة العباللات شأنها شأن عشائر فلسطين، كانت تعيش في ماضيها شبه عزلة عن محيطها الأوسع بعيدا عن التطورات التي كانت تجري في مفاهيم العالم ورؤاه سواء بالنسبة لقضايا كثيرة بما فيها المرأة، بل بصورة أكثر خصوصية، لأنها كانت محكومة ومشدودة بقوة إلى طبيعة الحياة في البرية وشروطها القاسية التي تفترض أن يكون للقبيلة قوة عددية تكون بمثابة رأسمالها الأساسي والأهم في مواجهة الأخطار الكثيرة التي تهددها بالفناء، سواء أتت تلك الاخطار من محيطها الاصغر،أو الخطر القادم من خارجها0 كما يجب أن لا ننسى أن عادة الثأر بين القبائل كما حروب السلطنة
وما بعدها قد كلفت العشيرة الكثير من رجالها الأشداء وجعلتها لهذا السبب تشعر بالضعف والوهن والخطر على وجودها0
وتجدر الملاحظة هنا إلى أن عشيرة العباللات حتى قبل رحيلها عن البرية كانت قد أخذت بالتأثر بمحيطها المديني وخصوصا في فترة الانتداب0 ونلاحظ في السياق نفسه كيف بدأ هذا التأثر من خلال إدخال عثمان وعباس بعضا من الأدوات الحديثة وبيعها في البرية والتي وجدت إقبالا شديدا عليها، مثل مصابيح الكاز الكبيرة وبابور الكاز وغيرها، بل أيضا من خلال الاهتمام بالعلم والمعرفة لديها، ليس فقط من خلال إرسال الأبناء ومن ثم البنات لاحقا إلى مدرسة الشيخ وهم لا يزالون في بريتهم، بل أيضا من خلال انتقال بعض من أفرادها للدراسة في القدس، كما في حالة عباس0 ونلاحظ على نحو مماثل هذا التقدير للمعرفة ولمن يمتلكونها من خلال استشارة الشيخ لعباس وعثمان والإصغاء لهما كمصدرين موثقين للمعرفة في الأمور السياسية وما يجري من أحداث حولهم0
النساء هم الأكثر ميلا للتغيير
تبدّى الميل للتغيير في اقتناص الفرص لحياة افضل والتماهي مع حياة المدينة ولو بأشكال متفاوتة، فنجمة زوجة عم الشيخ منان تميزت بقدر كبير من الجرأة والميل إلى هذا التغيير، ليس فقط لأنها دفعت بابنتها على الرغم من كل الاعتراضات لتعلم القراءة والكتابة في مدرسة الشيخ، بل أيضا في إصرارها على انخراط تلك الابنة بعد ذلك في مدراس القدس لتلقي العلم الحديث، وفي استئجارها بيتا في القدس لتعمل هي وزوجها في المدينة، وفي نجاحها في اختراق عادات القبيلة وقيادتها للنساء وتشجيعهن للتوغل اكثر فأكثر في أنماط حياة مدينية مختلفة كلية عن حياتهم الأولى، ابتداء من ارتياد الحمام التركي عندما كانت تجيء إلى القدس لبيع منتجاتها، مرورا باقتناء الملابس والعطور ومستحضرات التجميل الذي لم يكن مألوفا في حياة نساء القبيلة، الأمر الذي جعلها موضع انتقاد مستمر واستنكار لدى رجالها وبعض نسائها باعتباره خروجا فاضحا عن أعراف القبيلة، ثم بعد ذلك تقبله شيئا فشيئا0
كثيرة هي المفاصل التي تغري بالحديث عنها ولفت الانتباه إليها في رواية شقير، منها قدرة العشيرة على صهر ودمج الغرباء داخلها، كما في حالة الجندي التركي الهارب من جحيم حرب الاتراك، والذي جرى تبنيه عمليا وتزويجه من إحدى بنات العشيرة وصار فردا من أفرادها، الأمر الذي اعتبره الشيخ منّان ردا مفحما على إهانة الضابط التركي له0
"فرس العائلة" رواية قيمة بكل المقاييس وخصوصا السوسيولوجي منها، إذ نادرا ما تم التطرق في الأدب الفلسطيني لحياة هذه الفئة من فئات مجتمعنا الفلسطيني، وغالبا ما تمت الإساءة لهذا المكون الحاضر دوما من مكونات المجتمع الفلسطيني، وهي في اعتقادي أبلغ رد على هذا التهميش القصدي لهذا المكون الذي ينظر اليه غالبا باستهتار واستخفاف، على الرغم من حمل المجتمع الفلسطيني ماضيا وحاضرا لكل قيمه0
كاتبة فلسطينية

تاريخ الإدراج: 3 / 1 / 2015

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME