حوار مع القاص الفلسطيني :
محمود شقير
أجرى الحوار : محمود طافش الشقيرات
نشر في جريدة البيان بدبي يوم 22 نيسان 1986م

عرفته أكثر من ثلاثين عاما , عندما كنا زملاء على مقاعد الدراسة في مدرسة جبل المكبر الابتدائية , الضاحية الجنوبية لمدينة القدس الخالدة , حيث ولد الأديب الكبير عام 1941 , أنهى دراسته الثانونية في المدرسة الرشيدية في القدس , وحصل على شهادته الجامعية الأولى من جامعة دمشق .
نشر مقالاته وقصصه القصيرة في العديد من المجلات والصحف العربية , وهو عضو بارز في اتحاد الكتاب الفلسطينيين ورابطة الكتاب الأردنيين .
آثرت أن أحدد موعدا مسبقا للقائه ؛ ذلك لأن الرجل يقيم في الضواحي , فخشيت إن أنا ذهبت بلا سابق موعد أن لا أجده , فأعود خالي الوفاض , والمسافة ليست قصيرة .
استقبلني الرجل بابتسامته الهادئة , ورحب بي في منزله البسيط الأنيق الذي يقع في بلدة مرج الحمام الواقعة غرب العاصمة عمان ...
فكان لي معه الحديث التالي :


* لنبدأ من اهتمامك بالكتابة للتلفزيون . فأنت كاتب قصة, ومع ذلك فقد كتبت عددا من المسلسلات التلفزيونية في السنوات القليلة الماضية, لماذا ؟ وما هو تقييمك للأعمال التي كتبتها ؟
- بدأ الأمر مصادفة , حينما طلب مني المخرج اللبناني فؤاد نعيم - وكان آنذاك يشرف على شركة انتاج تلفزيوني في عمان - ان اكتب مسلسلا في ثلاثين حلقة للأطفال العرب , بحيث تظهر فيه نزعة التعاون وحب العمل الجماعي والانتماء إلى فريق موحد الأهداف والغايات , وقد استهوتني الفكرة , وبدأت بكتابة المسلسل على أن يقوم الرسام المصري حلمي التوني - وكان آنذاك يعمل في الشركة - بإعداد الرسومات لهذا المسلسل الذي يقوم بتقديم حكاية تتنامى من حلقة إلى أخرى في حين تظهر على الشاشة رسومات تعبر عن النص المحكي وبالفعل فقد كتبت النص , غير انه حتى الآن حبيس الأدراج - منذ سبع سنوات - بسبب صعوبات إنتاجية يبدو إنها لن تذلل .
ثم كانت التجربة الثانية حينما كلفني المخرج الأردني صلاح ابو هنود بكتابة المسلسل التلفزيوني " عبد الرحمن الكواكبي " الذي أنتجته " شركة الخليج للإنتاج الفني - دبي " وقد بث المسلسل عبر العديد من محطات التلفزة العربية , ولقي إقبالا جماهيريا ملحوظا , ومنذ ذلك الوقت انتبهت إلى حجم الدور الذي تلعبه المسلسلات التلفزيونية الجادة في صقل وجدان الناس وتشكيل وعيهم , خاصة وان أعدادا هائلة من الناس تشاهد التلفزيون كل ليلة , بينما لا يظفر الكتاب الجيد بأكثر من خمسة آلاف قارئ في طول الوطن العربي وعرضه , لأسباب لا مجال لذكرها الآن , مرتبطة بطغيان النزعة الاستهلاكية على الوطن العربي خلال العقد الأخير.
بعد الكواكبي كتبت مسلسل " حدث في المعمورة " وكان له صدى واسع في أوساط المتفرجين وهو يتحدث عن القضية الفلسطينية بأسلوب رمزي شفاف , ثم كتبت مسلسل " الزيارة " عن مسرحية دورينمات , غير أنني الآن وبعد انقضاء أربع سنوات على كتابة المسلسل اشعر بأنني لم أقم بدوري في كتابته على النحو المطلوب , مما أدى إلى هبوط واضح في المسلسل . بعد ذلك كتبت مسلسل " إبراهيم طوقان " وقد جرى بثه عبر العديد من محطات التلفزة , عموما أنا راض عن هذا المسلسل , رغم العديد من الملاحظات التي تكونت لدي فيما بعد حول النص وضرورات كتابته بما يتلاءم مع قدرة الإنتاج العربي الفقير، فقد اعتقدت آنذاك أن الكتابة بطريقة السينما ممكنة في ظروف الإنتاج العربي. غير أن التجربة أثبتت لي أن هذا الأمر صعب جدا. ولا بد من الاعتماد في الدرجة الأولى على الحوار ، والتقليل ما أمكن من الديكورات وعدد الممثلين والكومبارس للظفر بمسلسل غير مكلف اقتصاديا.. وهذا بالطبع لن يكون إلا على حساب جودة العمل وفنيته.
مؤخرا انتهيت من كتابة مسلسل في ثلاث عشرة حلقة بعنوان " بيوت في الريح " ستقوم منظمة التحرير الفلسطينية بإنتاجه . وهو يتحدث عن الفلسطينيين بعد نكبة 1948 في الشتات ، ويعرض لكفاحهم المرير من أجل تأمين المأوى ولقمة الخبز صعودا إلى البحث عن الهوية. ومن ثم حمل السلاح وإعلان الثورة من أجل تحرير الوطن وانتزاع حق تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية المستقلة. حتى الآن لم يجر تصوير المسلسل، وأنا راض عن مستوى الكتابة، إذ أنني وظفت كل خبراتي المتراكمة في مجال الكتابة للتلفزيون في هذا المسلسل، وأرجو أن تثبت الأيام المقبلة صدق هذا الرأي وصوابه.
* ما هو تقييمك ككاتب لمستوى نصوص المسلسلات التلفزيونية العربية بشكل عام، وهل تعتقد أن المسلسل التلفزيوني يشكل ميدانا إبداعيا مثله مثل القصة القصيرة والرواية مثلا؟!
- سأبدأ من الشق الثاني في سؤالك. فمع انتشار جهاز التلفزيون، ومع الشعبية المتزايدة لهذا الجهاز وبسبب تأثيره البالغ في وعي الناس، فقد أصبح القول بأهمية المسلسل التلفزيوني واعتباره عملا إبداعيا كغيره من أجناس الإبداع، يعتبر قولا صحيحا ولا غبار عليه. وأنا اقصد هنا بالطبع المسلسل الجيد المكتوب بعناية وبمستوى فني لائق، وأستثني بالتأكيد المسلسلات التجارية الهابطة التي لا هم لها إلا الربح المادي، والتي تسهم في إفساد ذوق الناس وتخريب وعيهم وصرفهم عن تحسس مشكلاتهم الاجتماعية الحقيقية، لذلك لا بد من إدراج الكتابة الدرامية للتلفزيون ضمن حقوق الإبداع المختلفة ، ولا بد من تخصيص الاهتمام بهذه الكتابة، ونقدها سلبا وإيجابا، بما لها من تأثير على الناس ومن انتشار كاسح في صفوفهم.
وبالنسبة للشق الأول من السؤال، فإذا استثنينا قلة قليلة من المسلسلات التلفزيونية الجادة، فإن الغالبية العظمى من المسلسلات التي تبثها أجهزة التلفزة العربية هي مسلسلات هابطة المستوى، سطحية المضمون، رتيبة الأداء، فقيرة الدلالات. والأمر ليس مستغربا حينما نأخذ بعين الاعتبار اشتراطات أجهزة التلفزة العربية التي تتشدد في مراقبة النصوص والمسلسلات، بحيث لا تتيح للكتاب أن يتناولوا الهموم الحقيقية للمواطن العربي، ولا تجيز لهم أن يعالجوا القضايا القومية الملتهبة. مما يدفع الكثيرين من الكتاب والغالبية العظمى من شركات الإنتاج الخاص إلى إنتاج نصوص مسلوقة ومسلسلات تجارية فجة مفتقرة إلى المستوى الجيد.... إن تزمت أجهزة التلفزة العربية وضيق أفقها يلعبان دورا في تشجيع الأعمال الهابطة على حساب الأعمال الجيدة، كما أن "خوف" شركات الإنتاج من الخسارة، يضطرها إلى تشجيع التعامل مع النصوص الهابطة التي لا تتعرض للمساءلة أمام أجهزة الإعلام، ولا تؤدي بالتالي إلى الخسارة. كذلك فإن حرص الشركات على الربح، يقود إلى الاستعجال في إنجاز المسلسلات في أقصر وقت ممكن، وبأقل الإمكانيات المادية ودون تدقيق في المستوى الفني، وكل هذا بالطبع يتم على حساب الجودة الفنية، وعلى حساب الجمهور الذي ملّ من الأعمال الهابطة.
وأضاف : أنا لا أنفي وجود عدد من الكتاب المبدعين الذين يحترمون كلمتهم، ولا أنفي أنه في السنوات القليلة الماضية جرى عرض عدد من المسلسلات التلفزيونية الجادة التي استطاعت أن تستقطب إعجاب الملايين من المتفرجين العرب، والتي كشفت زيف المسلسلات الرديئة، وشجع الجماهير على المطالبة دوما بمسلسلات جيدة.
* توقفت لفترة عن كتابة القصة القصيرة بعد إصدار مجموعاتك القصصية الثلاث، ثم عدت مؤخرا إلى كتابة القصة القصيرة، كيف تنظر إلى تجربتك القصصية منذ مجموعة "خبز الآخرين" حتى الآن؟
- حينما بدأت كتابة القصة القصيرة في أوائل الستينات كنت ممتلئا بالحماس للقصة القصيرة باعتبارها الجنس الأدبي الذي أستطيع من خلاله أن اعبر عن خلجات نفسي وهمومها، وما زلت حتى الآن متحمسا للقصة القصيرة. ولكن بدرجة أقل مما سبق. لقد بدأت كاتبا للقصة الواقعية الإنتقادية وأحيانا كثيرة ظهرت لي قصص مما يمكن تصنيفه تحت تيار "الواقعية الجديدة" في القصة. آنذاك كانت قضايا العالم الخارجي أقل تعقيدا، وكان يكفي أن يلاحظ المرء خطا صغيرا في بنيان الواقع كي تهتز مشاعره ويكتب القصة. الآن تغيرت الصورة، أصبحت الأخطاء الفادحة هي خبزنا اليومي، وأصبحت المآسي الكبيرة هواءنا الذي نتنفسه مع جريدة الصباح ونشرة الأخبار الأولى، أصبح الدم العربي المراق كالشلال في أكثر من بقعة عربية هو كابوسنا الذي لا يريم. وكان لا بد للقصة القصيرة إزاء ذلك أن تعلن بين الحين والآخر على الملأ أجمعين أنها ليست بالضرورة الشكل الفني الأوحد القادر على التصدي لكل هذه الأعباء الجسام ..
ومن هنا تتقدم الرواية، يتقدم المسلسل التلفزيوني، تتقدم المسرحية الطويلة ويتقدم الشعر، غير أن القصة القصيرة لا تستقيل من العمل. وتظل قائمة في الظل وقتا ثم يجيء وقتها فتعلن نفسها عن نفسها من جديد.
لقد توقفت عن كتابة القصة القصيرة بالفعل ولفترة جاوزت السنوات الست، حينما كنت أحيانا في الأرض المحتلة آنذاك اعتقدت أن النضال المباشر ضد العدو هو ما ينقصنا، فتوقفت عن كتابة القصة القصيرة، واكتشفت فيما بعد أنني كنت مخطئا، فالمهمات المباشرة لا يمكن أن تقف في تعارض صارخ مع الكتابة، بل ينبغي أن تكون رافدا لها ومعينا.
وأضاف يقول : بعد إبعادي من الأراضي المحتلة، نشرت مجموعتي الثانية " الولد الفلسطيني " وبدا في تأثري الواضح بالتجريب وبمنجزات القصة القصيرة في الوطن العربي خلال السنوات الأولى من عقد السبعينات. وحينما انهمكت في كتابة المسلسلات التلفزيونية زمنا، فإنني لم أنس القصة القصيرة إطلاقا، صحيح أن اهتمامي بها قد قل ، غير إنني نشرت عددا غير قليل من " القصص القصيرة جدا " وفي السنة المنصرمة قمت بنشر عدد من القصص القصيرة في عدد من الصحف والمجلات العربية، وأعتقد أنني الآن مهيأ لكتابة القصة القصيرة مستفيدا من تجربتي السابقة ومن اطلاعي المستمر على منجزات القصة القصيرة في الوطن العربي وفي العالم.
* لك اهتمام بالكتابة القصصية للأطفال. كيف بدأ هذا الاهتمام وما رأيك في مستوى أدب الأطفال الذي ينشر في الكتب والمجلات العربية؟!
- بعد نكسة حزيران عام 1967 بدأ كل شيء في الواقع العربي خاضعا للمراجعة النقدية. بل أن ذلك كان ضروريا لإعادة التوازن إلى الذات العربية. وقد كان من آثار النكسة أن توجه عدد من الكتاب العرب الجادين إلى الكتابة للطفل على نحو ملموس لم نشهد مثله في السنوات التي سبقت النكسة. وكان ذلك تعبيرا عن التوجه إلى خلق جيل جديد مسلح بقيم قادرة على مواجهة الصعوبات والتحديات التي تتهدد الأمة العربية ممثلة في الهجمة الأميركية الصهيونية على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية. ولقد كان هذا أحد أسباب اهتمامي بالكتابة للطفل الفلسطيني والعربي. كذلك فقد أتيح لي أن اقرأ بعضا من أدب الأطفال الصهيوني، الذي ينضح بالعنصرية والعداء للعرب وتصويرهم بأبشع الأوصاف والصور مما شكل حافزا لدي لتقديم الصورة النضالية الصحيحة للعربي، وفي نفس الوقت تصوير العدو الصهيوني على حقيقته باعتباره غاصبا للأرض العربية، معتديا على الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية، وكذلك لتربية النشء العربي على أفضل القيم التي من شأنها خلق واقع عربي جديد قادر على المجابهة وإحراز النصر. ولن يتم ذلك إلا بتربية الأجيال على أفضل ما في تراثنا من قيم مجيدة، وأحسن ما في عالمنا المعاصر من منجزات ومكتسبات في مختلف المجالات والأصعدة . هذا لا يعني بالطبع أن نحصر الكتابة للأطفال في ميدان التعبئة الوطنية، إذ لا بد من الكتابة في مختلف المجالات التي تتيح للطفل اكتساب المعارف والخبرات، وتمكنه من توسيع مداركه وإخصاب خياله على أوسع مدى، وإدخال البهجة والفرح إلى قلبه ليكون قادرا على حب الحياة والتعلق بها وأداء دوره لاحقا فيها.
واستطرد : فيما يتعلق بمستوى أدب الأطفال الذي ينشر في الكتب والمجلات، فأنا ألاحظ تطورا ملموسا ونهضة حقيقية، وبالمناسبة، فإن كتب الأطفال ومجلاتهم تلقى رواجا واسعا ولافتا للنظر في أقطار الوطن العربي، وهذه ميزة تبشر بالخير ، غير أن لا بد من الانتباه إلى خطر الطارئين على ميدان الكتابة للطفل، الذي يعجزون عن الكتابة للكبار، فيعتقدون أن الكتابة للأطفال هي مركب سهل فيمتطونه، وليتهم لا يفعلون لأن في ذلك ضررا بالغا على الأمة وإساءة لأنفسهم وللآخرين. إن الكتابة للطفل مسألة صعبة معقدة، تحتاج إلى ثقافة واسعة وإلى معرفة بشؤون التربية وعلم نفس الطفل، فضلا عن إتقان اللغة العربية والتمرس فيها ومعرفة ما يناسب مدارك الطفل في مفرداتها وتعابيرها.
* قرأنا لك مؤخرا فصولا من رواية " فرس العائلة " في مجلة " أفكار " الأردنية ، هل تحدثنا شيئا عن هذه الرواية ؟!
- هذه الرواية ما زالت مخطوطة، وقد أنشرها في وقت قريب .. أتناول فيها سيرة عائلة فلسطينية عبر سنوات العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن، وأحاول أن ارصد تحولات شخوص الرواية فيما هم يواجهون الغزوة الإمبريالية الصهيونية على فلسطين...
تستعين الرواية بالميثولوجيا الشعبية لرصد واقع الجماهير الفلسطينية آنذاك، وتحاول عبر السرد الذي يستفيد من منجزات الرواية المعاصرة أن تقدم رؤية لواقع مفرط في محليته. لكنه يتواشج مع الواقع الإنساني العام بأكثر من خيط وبأكثر من سبب.
أخيرا أحب أن أشير إلى أن هذه الرواية ستكون جزءا من ثلاثية تحاول أن تغطي الواقع الفلسطيني المعاصر برمته، أنا لا أدعي أن هذه مسألة سهلة، ولكنني أرجو أن انجح فيها.

تاريخ الإدراج: 3 / 1 / 2015

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME