فرس العائلة
تاريخ بدو فلسطين في أول رواية طويلة لمحمود شقير
فلسطين_ سما حسن
يتألق الكاتب الفلسطيني الكبير محمود شقير ولأول مرة روائيا وذلك عبر ما يقارب الثلاثمائة والخمسون صفحة مستعرضا حياة بدو فلسطين الذين عاشوا على أطراف مدينة القدس مسقط رأس الكاتب في الفترة ما بين اواخر العهد العثماني وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية.
الرواية والتي تعتبر الأولى فلسطينيا والتي تتناول حياة البدو في فلسطين بالتفصيل حتى ليتخيل القاريء أن الصفحات ما هي إلا بيوت من شعر وخيام ومضارب، لشد ما استطاع الكاتب أن يعبر ويوثق لحياة البدو بكل ما تحمله حياتهم من سحر الشرق الغامض والذي لا زال يجذب المستشرقين إليه.


أدخلنا محمود شقير في رواية زاخرة وعامرة بالشخصيات الفرعية والرئيسية، وحمل لنا أسماء لأماكن كثيرة بعضها متوهم وبعضها خيالي، كما ذكر أسماء لشخصيات عامة حقيقية وبعضها أيضا من خيال الكاتب الذي استطاع أن يحبك رواية منسوجة كبساط بدوي سرعان ما طغت عليه الحداثة واستبدل بالحصير بعد أن أورث نساء البادية حسرة وتطيرا من خروجهم عن أعراف البرية.
بداية نحن أمام شخصية محورية استخدمت اسلوب الفلاش باك لاجترار الكثير من الذكريات والوقائع التاريخية، وكانت هذه الشخصية مصحوبة بشخصية أنثوية ظلت حاضرة منذ بداية الرواية وحتى نهايتها المفتوحة، فالشخصية المحورية هي شخصية " منان" المختار الذي توارث المنصب عن والده الشيخ محمد وجده الشيخ عبد الله، وحمل عبء عشيرته " عشيرة العبد اللات " بكل همومها من صغيرها لكبيرها، ونلتفت لنرى أن " منان" هو رجل بسيط شغلته الأحداث السياسية التي تعصف بفلسطين، كما شغلته أمور البرية التي يعيش فيها ، ووجد حلولا بدائية لمحاربة الاستعمار الانجليزي والتوغل الصهيوني من جهة، ومحاربة غزو العشائر الاخرى لعشيرته من جهة أخرى، وهذا الحل كان متثمثلا باكثاره من الزواج والانجاب وحث أبناء عشيرته على الزواج والانجاب أيضا.
منان رجل خبر الحياة وحمل همها ولكنه في نفس الوقت هو رمز لعجز الشعوب العربية وتخاذلها، فهو لم يجد حلا لكل ما يدور من حوله من مشاكل في البرية حيث تحيا عشيرته في شظف من العيش سوى الارتحال من أماكنهم والاقتراب من المدينة وشيئا فشيئا فان عشيرته ذابت وانصهرت في مظاهر المدينة وبدأت تفقد معالمها البدوية الأصيلة والتي كان يتمسك بها ويعتد بها أيضا ومن مظاهر هذا الانصهار مثلاهروب احدى بناته مع بائع جائل من المدينة، وغزو نساء العشيرة لحمام المدينة واستخدامهن لملابس نسوتها وعطورهن وأدوات زينتهن، ودخول مظاهر المدنية على بيوت العشيرة مثل لمبة الكيروسين والشموع والحصير، واشتغال ابنه البكر في ماخور في مدينة يافا القريبة.
من بين الذكريات التي يجترها شيخ العشيرة " منان" ذكرى فرس العائلة والتي حملت الرواية اسمها وهي فرس شيخ القبيلة، الذي قتل على نبع الماء من مجهول، وان كانت الشكوك تدور حول أبناء قبيلة أخرى، فعادت فرسه الى مضارب قبيلته، وتركت دون عناية مما اضطرها الى الهرب، لكن نساء القبيلة ورجالها ظلوا يفتقدون هذه الفرس، وبقوا يتخيلونها ويحلمون بها، وبنوا حولها حكايات وخرافات كثيرة،فالنساء يتطيرن منها، ويتخيلنها، والصبية يستغلون ما نسج حولها من خرافات في اثارة خوف البنات، وفي التلويح لشجاعتهم المقبلة فمنهم من ادعى انه حولها لكرة من صوف مثلا ، وهكذا ظل اختفاء الفرس الغامض يحير أهل العشيرة زمنا بعد زمن حتى حل بالشؤم عليها والشؤم هذا هو اختلاطهم بأهل المدينة وتخليهم عن بدويتهم، وبدء الغزوات الصهيونية لفلسطين.
الشخصية المحورية الثانية في الرواية وهي شخصية أنثوية تلفت لعناية الكاتب بالعنصر النسوي في كتاباته، وهي شخصية صبحاء الزوجة الأولى لشيخ القبيلة الأب وأم الشيخ منان وهي الذاكرة المتنقلة والحية للبرية، والتي كانت أداة تحريك الأحداث للوراء بطريقة لا تخلو من روعة تجذب القاريء، فهي تروي لابنها منان حكايات تحمل حقائق وتحمل أساطير وخرافات، وهو يتقبلها برحابة صدر ويأخذ رأيها ويستشيرها ويعمل بنصيحتها وفي ذلك اشارة لاكرام العربي الأصيل للمرأة، فشخصية " صبحاء" لديها زخم كبير من المشاعر الأنثوية التي تنطبق على امرأة فلسطينية في كل زمان ومكان، فهي تتمسك بجذورها ولا تتقبل مظاهر التقدم بسهولة وتعيب على النساء تخليهن عن الزي التقليدي للمرأة البدوية، وتعيب عليهن خروجهن للحمامات العامة، وغيرها من العادات الوافدة، والى جانب ذلك فهي امرأة بليت بزوج مزواج هي زوجته الأولى فتشعر بالغيرة حينا، وتغلب عليها مشاعر المودة والصفح حينا حين ترأف بزوجها المسن حين أصابه الخرف، وحين تعين زوجات زوجها في الولادة وتبارك لهن ، وهذا الدأب دأبت عليه احدى زوجات " منان" الذي سار على نهج أبيه وأكثر من الزوجات وبدت واضحة جلية مكائد الضرائر، وحيلهن للاستئثار بالزوج .
صبحاء هي الشخصية التي تنتهي عندها الرواية المفتوحة النهاية، فالرواية بدأت برغبة للهجرة من البرية، فقد انتهت ببدء الغزو الصهيوني لفلسطين الذي قلب الساحة السياسية في المنطقة العربية بدءا باجتياح المهاجرين اليهود لفلسطين، وصولاً إلى انسحاب البريطانيين والنكبة وقيام الدولة الغاصبة، وبين هذا كله فقد تولدت شخصية صبحاء عن شخصيات نسائية حاولن حمل فكرها وتبني أحلامها وحتى هواجسها وخرافاتها، وليس معنى ذلك أن الكاتب يقلل من شأن المرأة بل العكس فهي مع بدء تفكك العشيرة أصبح لها سلطتها ومكانتها، حين ترغم زوجها على خلع الزي البدوي والعمل في إحدى مؤسسات المدينة، وحين تلحق ابنتها بكتاب لتتعلم القراءة والكتابة أسوة بالذكور.
إلى ذلك فقد ظهرت مهارة وتوفيق الكاتب في المزج بين الشخصيات الخيالية والحقيقية، فقد وثق لاحداث كثيرة مرت بعرب السواحرة وهم بدو فلسطين التي تنحدر جذور الكاتب منها وأبرز الكثير من الشخصيات الحقيقية التي لعبت دورا بارزا في تاريخ مدينة القدس فعلى الصعيد السياسي ظهرت شخصيات قادت النضال الفكري والسياسي مثل عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني، وعبد الرحيم محمود وابراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي وغيرهم، ومزج بين الاماكن أيضا حين أبرز أماكن تخيلية مثل عشيرة العبداللات، ولكن ظهرت رائحة القدس تعبق في الرواية بكل ما فيها من مساجد وكنائس، واسواق وحواري وحمامات عامة، ولنجد أنفسنا أيضا في اشارات بعيدة قريبة عبر شخصية على أوغلو وهو من بقايا الأتراك الذين حكموا فلسطين وانتهى نفوذهم، واكرام البدو لهذا التركي الفار من الجيش التركي وهو اشارة لبقاء العقلية التركية حيث لازالت في فلسطين عائلات تحمل جذورا تركية حتى الآن عاشت واندمجت مع الشعب الفلسطيني.
تبقى الكلمة الأخيرة عن الرواية التي تستحق أن تقرأ من الغلاف الذي يحمل عيون أنثوية بدوية والصادرة عن دار نوفل في بيروت بأنها ملحمة تاريخية تفصيلية يستحق الكاتب شقير عليها التقدير بعد أن تصدر قائمة كتاب القصة القصيرة في فلسطين.

مجلة دبي الثقافية
نيسان 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME