إطلالة اجتماعية سياسية على فرس العائلة لمحمود شقير
بقلم الأسير المقدسي: حسام زهدي شاهين
14/2/ 2013سجن جلبوع المركزي
يُطل علينا كاتبنا وأديبنا العربي الفلسطيني الكبير محمود شقير بالجزء الأول من روايته الإبداعية الثلاثية »فرس العائلة»، والتي تدون سيرة حياة عشيرة بدوية، عاشت في بدايات القرن الماضي في برية السواحرة الواقعة الى الجنوب الشرقي من مدينة القدس، والممتدة من رأس جبل المكبر جنوباً حتى البحر الميت شرقاً وليس غريباً أن يختار اسم »فرس العائلة» عنوانا لروايته، فالفرس تعني الكثير من الأشياء المتعلقة بسمات القبائل العربية، وهي الكرم والبطولة والشجاعة والفروسية، وخاصة للعشائر البدوية. وبعيداً عن النص الروائي، أجد أن كاتبنا اتبع منهجية »التقليم» في معالجة جملة من المشاكل الإجتماعية التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية، فالدوافع الإنسانية التي تحرك أبطال هذه الرواية هي وليدة الظروف الذاتية والموضوعية لتلك الحقبة الزمنية التي تجري فيها الأحداث، فمع بدايات القرن العشرين، كانت البساطة والفقر والتجويع والتجهيل هي المكونات الأساسية التي تتحكم بتصورات إنسان ذلك العصر، وبالتالي نجد أن الخرافات الشعبية، واختراع الأسطورة واعتماد التأريخ الشفوي لأهم الأحداث، والزواج الذي يتم معظمه بدافع الشهوة وتمتين علاقات المصاهرة بين القبائل لا بدافع الحب، وتعدد الزوجات، والإستكثار من النسل، والإيمان بالأولياء الصالحين، وبالجن، والمقايضة، والثأر والصلحة، والتصارع حول المراعي ومصادر المياه، كلها أمور ساهمت بشكل مباشر في صياغة ثقافة ذلك المجتمع العشائري، وأثرت فيه.


كما أعتقد أن »أبا خالد» تمكن بطريقة ذكية من المزج بين الأسلوب الروائي والأسلوب الحكائي، وتمكن من المقاربة بشكل فني دقيق بين سرد الحكاية الشعبية والقصة الروائية باللغتين المحكية والفصحى، ولاشك أنه تجنب الإصطناع والإنفعال في عرضه للأحداث. فالإطار القصصي لهذه الرواية يستوجب معرفة عميقة، وفهماً دقيقاً لثقافة وأنماط حياة عشيرة »العبد اللات» التي تعكس صورة العديد من المجتمعات العشائرية الفلسطينية، كيف لا، وهو أحد أبناء عشيرة »الشقيرات» إحدى كبرى عشائر عرب السواحرة التي ترابط في الجزء الجنوبي الشرقي من المدينة المقدسة.
في هذه الرواية تستطيع أن ترى أحلام الناس وكوابيسهم، وليس فقط واقعهم المتقلب نتيجة بيئتهم القاسية وتكالب الإحتلالات عليهم، وتكتشف أن هواجسهم الشخصية كانت أكبر من قضية وطنهم، فالإتكال على جيش السلطنة في الدفاع عن البلاد من ناحية، وانعدام الثقة به نظراً لتجنيده الشباب لخوض غمار حروب لا تعنيهم من ناحية ثانية، وفيما بعد الإنقسام بين العائلات المقدسية وبين الأحزاب السياسية، هذه المسائل مجتمعة ساهمت بانخفاض منسوب الوعي الوطني لدى الناس، يصاحبها في ذلك سياسة التجهيل المتبعة أنذاك، وقلة التعليم، وهذا ما تؤكده النتائج اللاحقة من سقوط الوطن في قبضة الأعداء. غير أن قيمة الإنتماء للأرض لذاتها، بعيداً عن كل المؤثرات الحضارية، هي التي تفسر تلك الحميمية الواضحة بين عشيرة »العبد اللات» والبرية، فهي مهد الذكريات الأولى، وبداية تفتح الشهوة على الحياة والحب، فطبيعة تفاعل الإنسان الفلسطيني مع بيئته ومحيطه هي استجابة فطرية لنسق التسوية بينه وبين الطبيعة التي نشأ وترعرع فيها. وهي أيضاً تعبير عن ملامح الوعي الوطني الأولى التي بدأت تحثه على الدفاع عن وطنه من المخاطر الخارجية المحدقة به، وقد لمسنا هذا التطور بالتحاق كل من عباس ويوسف وآخرين بالثورة، ومساندة المختار منان للثوار، لقد تمكن محمود شقير من تشخيص كل ملامح تلك المرحلة، واستطاع الربط بين كل هذه المفاهيم المعقدة والمركبة، وأنتج منها واقعا روائياً مذهل.
إن التنوع العرقي والتعدد الديني، والتعايش السلمي بين أبناء القدس وطوائفها، هو أحد أهم أعمدتها الحضارية وسر هيبتها، فالمسجد والكنيسة والكنيس، كلها أماكن عبادة دينية متجاورة ولها رعاياها، منها هي مهيرة آخر زوجات الشيخ محمد، تتجول في أسواق البلدة القديمة باندهاش، وتشتري الحلوى من بائع مسلم، والقماش الملون من بائع مسيحي، والصحون والملاعق والسكاكين والكؤوس من بائع يهودي، دون أن تعير أي انتباه أو اهتمام لخلفيتهم الدينية، وانمت تكتشف أن هذا هو شعبها الذي تنتمي اليه، فبساطة هذا المشهد تضعنا أمام مقارنة بين واقعين، أحدهما أصيل وطبيعي والآخر طارئ وشاذ، فالمدينة تحت حكم أبنائها – بالرغم من التواجد التركي– تعج بالحياة والسكينة، وتحت سيطرة الإحتلال يغمرها التوتر والصراع، فالسيطرة على الأرض بالإنتماء والمحبة هي النقيض الطبيعي للسيطرة عليها بالإحتلال والقوة.
إن »السوالف» (أي القصص) التي ترويها الحاجة صبحاء، تمنحنا مؤشراً على صفاء الذهن الذي يتمتع به سكان البرية، وعلى مقدرتهم الفائقة على التخيل ونسج عوالمهم الخاصة، كما أنها تعتبر أفضل وسيلة تواصل اجتماعي في ذلك الزمان، حيث تتخصص النساء برواية الحكايا لأفراد العائلة، ويجوز للعجائز منهن التطرق لأكثر الأمور حساسية، بما في ذلك القضايا الجنسية، وهذا الموقف مقبول اجتماعياً، لأن المرأة تتحرر من قبضة المجتمع الذكوري بعاداته وتقاليده الصارمة بحكم تقدمها في السن، لا بكونها شريك اجتماعي وانساني للرجل في السراء والضراء. أما الرجل فيتخصص بسرد القصص في المضافة، المكان الذي يلتقي فيه رجال العشيرة، وهناك يتسامرون ويتداولون الخبرات والتجارب الخاصة والحِكَم، فبكل أريحية أجلسني محمود شقير أمام الحاجة صبحاء، أو أمام أمي آمنة، وبدأت أستذكر حكاية حديدون والغولة، مع الأخذ بعين الإعتبار الفارق الثقافي الذي تطور لدي بين هذين الزمنين. ولكن المعالجة اللافتة للنظر في هذا العمل المبدع، تكمن بمنح دور البطولة للعديد من النساء في مجتمع تحكمه وتتحكم فيه السلطة الذكورية، وهذا مدخل تربوي اجتماعي موفق، يؤكد على أهمية حضور المرأة في الحياة الإجتماعية، ويدفع باتجاه أهمية مشاركتها الفعلية للرجل في اتخاذ القرارات المصيرية والعائلية، وهنا نقف بين صورتين، مشاركة المرأة على مستوى العشيرة، والتي يشوبها الكثير من النكران والضبابية وقلة الإعتراف، باستثناء شخصية نجمة التي كانت تبت في شؤون بيتها وتنفذ كل ما تؤمن به دونما تردد. ومشاركة المرأة على مستوى المدينة، والتي تجلت فعاليتها من خلال مسيرة النساء المقدسيات احتجاجا على سياسة حكومة الإنتداب. وبالعودة لعشيرة »العبد اللات» التي أنشأت قرية رأس النبع، نجد أن بعض العائلات التي قررت تدريس بناتها أصبحت متهمة بقلة الشرف، لأنها سمحت لهن بالدراسة مع الأولاد، هذه التحولات على قلتها أدت الى كسر المحظور وفتح كوّة في جدار الممنوعات والعيب، فانتقال العشيرة للسكن بالقرب من مدينة القدس أدى الى تبدل نمط الحياة لدى الكثير من أبنائها، فسكنوا بيوت الحجر بعد بيوت الشعر، وتحول العديد منهم لسوق العمل، واستبدلوا زيهم البدوي بالقمصان والبناطيل والطرابيش، إلا أن هذا التغيير الذي حدث على مدار عدة سنوات، سيبقى في مجمله تغييراً شكلياً، ورسالة الكاتب في هذا السياق واضحة وجلية، إذا كان التغيير في المظهر يحتاج الى كل هذه السنوات، فما، وكم الذي يحتاجه التغيير الجوهري !؟
في مناطق الريف والبداوة الماضي حاضر بكل قوة، والتفكير بالعقلية »النوستلجية» هو الذي يحول دون التطور والتقدم، والأدهى من كل ذلك أنه يقرر شكل وصيغة الحاضر في كثير من الأحيان، وللخروج من هذه القوقعة تطفو قلة من حالات التمرد الفردية، إما تعبر عن نفسها بطريقة صائبة: (عثمان الذي حاول ربط البرية بالمدينة، معزوزة التي رفضت الزواج منه وفاء لذكرى حبيبها المتوفي، نجمة التي غادرت قرية رأس النبع للإقامة في القدس وأرسلت ابنتها نوال للمدرسة الأهلية، عبد الجبار الذي تراجع عن قتل فلحة في اللحظة الأخيرة وأوهم الجميع بأنه قتلها وغسل العار). وإما بطريقة خاطئة : ( محمد الكبير الذي غادر العشيرة بحثا عن الملذات واللهو في المواخير، وفيما بعد كاد يتطاول على والده وأساء إليه. فلحة ابنة المختار التي هربت مع حبيبها نعمان لأن والدها رفض تزويجها منه).
إن التمعن في قراءة »فرس العائلة»، يؤدي بممتطي صهوة صفحاتها الى الإدراك بأنها تعني فيما تعنيه انعكاس للحالة النفسية التي تختلج في دواخل أبطالها، فالبنسبة لمهيوبة هي الوفاء، ولفاطمة هي الهاجس، ولمنان هي الكابوس والخوف، ولمحمد الكبير هي الخيال، ولمثيلة هي تأنيب الضمير، ولصبحاء هي دنو الأجل، ولمحمد الصغير هي الأمنية، وهكذا دواليك. وهذه إضافة نوعية تسجل لصالح الكاتب الذي تمكن من خلق شخصياته وتجسيدها على الورق وكأنها من لحم ودم، فأنت تعيش تفاعلاتهم وانفعالاتهم لدرجة أنك تستطيع أن تشعر بأنفاسهم قريبة منك. إنها عمل ابداعي بكل المقاييس، وهنيئاً لمحمود شقير على إنجازه، وأنا أنتظر بكل حرقة وترقب صدور بقية الرواية.
قد تبدو المصطلحات التي استخدمتها في هذه الإطلالة، والطريقة التي أستعرض فيها فهمي الخاص للنص غريبة نوعا ما عن منهج النقد الأدبي، فالفضاء الذي نقلتني اليه الرواية هو ذات الفضاء الذي عايشته أو كنت قريباً منه، لذلك لم أجد نفسي غريباً عن شخصياتها وأحداثها، إلا بنفس القدر الذي أحارب وأعارض فيه كافة التقاليد والعادات السيئة التي لا زالت ملتصقة بثقافة مجتمعاتنا العربية المعاصرة، فحين يستعرض الروائي ذلك الكم الهائل من المعتقدات والأخلاقيات، والأفكار والنظم، والميثولوجيا التي تُسَيِر حياة العشيرة، ويتجنب المثاليات والرمزية وحسم النتائج، يكون قد نقلنا بذلك الى واقعية الحياة الإنسانية التي تستقي معرفتها من التجربة، فالإطلاع على أسرار العشيرة من داخلها، يُجنب القارئ الحكم على الأشياء من ظاهرها، ويوصله الى نتائج معرفية أكثر عمقاً وتخصصاً بطبيعة المجتمع القبلي الذي تتصارع فيه النزعتين الفردية والجماعية، ويؤول فيه القرار النهائي للفرد حامل لواء الجماعة، غير أنه يمكن التأثير عليه وعلى قراراته بشكل مباشر أو بواسطة جماعة الضغط وسعة المعرفة، فالتغيير نحو الأفضل ممكن إذا ما أجدنا استخدام الأساليب والمفاتيح الصحيحة لهذا التغيير. »ففرس العائلة» من هذه الزاوية تمثل تفسير تاريخي دقيق لحياة انسانية لا تسير باتجاه محدد وثابت، ويمكن قراءتها كدراسة اجتماعية شاسعة – لمفهوم العشيرة – بقالب روائي ، وهذا بحد ذاته إبداع.
جريدة القدس

24 / 3 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME