في تقديم محمود شقير

بسام الصالحي
الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني

اتشرف في هذه الامسية بتقديم الكاتب والاديب الكبير والرفيق العزيز محمود شقير.
ولا شك ان هذا التقديم سيكون ناقصا عن تغطية العديد من جوانب شخصية هذا الرفيق العزيز ،وهذا الكاتب المثابر والمميز والمبدع في مجال حرفته الادبية والتطوير الذي ادخله عليها.
محمود شقير نموذج لما يعرف بالمثقف العضوي ،وهو الذي يتميز عن المثقف التقليدي بسعيه من اجل احداث تغيير جوهري في نمط الثقافة والهيمنة السائد انطلاقا من رؤية اجتماعية وفكرية تقدمية يؤمن بها ،ويعبر من خلالها عن مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية الشعبية .
وكما قال انجلس فانه حيث ( لا يمكن فصل المثقف العضوي عن البيئة الفكرية التي يعيش فانه ، كلما زاد تأثر المثقف ببيئته يزداد وعيه الملموس لها وكذلك ينقله الى التأثير بهذه البيئة عن طريق ما أدركه وما شكله من وجهة نظر يراكمها ويطورها، بإشتراط قدرته على إعادة إنتاج البيئة الفكرية التي اختارها بطريقة خلاقة ).وهذا ما يمكن ان يلاحظه المتتبع لانتاج محمود شقير الادبي والنقدي .


محمود الذي اختار طريقه السياسي والوطني انطلاقا من عاطفته الوطنية الجياشة ،وجد غايته في التمازج بين هذه العاطفة الوطنية وبين بعدها الانساني العام في الانحياز للشعوب والامم المقهورة وفي التعاطف مع نضالاتها التي كانت مستعرة ضد الاستعمار والتوسع والهيمنة في افريقيا وجنوب شرق اسيا ،وفي الاستغلال الفاحش في امريكا اللاتينية ،فوجد المشترك بين نضال شعبنا الفلسطيني ونضال هذه الشعوب من اجل تحررها الوطني والاجتماعي ،ومحمود الذي عاش في قريته الصغيرة لاسرة كادحة وجد بالارتباط بمصالح الطبقات الشعبية وحقوقها معنى اسمى لممارسته الوطنية الكفاحية فعبر عن وجع هذه الطبقات ورسم افق انحيازه لها بالسعي للتغيير دفاعا عن حقوقها الوطنية والاجتماعية ،ومحمود الذي ادرك مكامن الابداع في ميوله النقدية والادبية اختار رؤية تقوم على التمرد والتغيير والتجديد في حقل الفكر والمضمون الادبي وفي حقل النص والشكل الادبي كذلك ..
لكل هذا حافظ محمود شقير على رؤيته الصادقة لدوره وذاته ،ووازن بنجاح بين انتمائه الوطني ومساهمته في النضال الى جانب ابناء شعبه ،حيث تعرض للملاحقة والاعتقال والابعاد ،وعلى انتمائه السياسي والحزبي فكان قياديا فاعلا في صفوف الشيوعيين الفلسطينيين ،اسهم في بناء منظمات الحزب ثم في تمثيل الحزب في علاقاته الدولية والخارجية ،وفي تحرير صحافته وادبياته ،كما حافظ على ابداعه الادبي وتألقه فطور ادواته الادبية واستغل حتى الثمالة كل ما اتيح له من اجل ذلك ،وسار على الخيط الرفيع بين ذلك وبين الانهماك في العمل اليومي على حساب ابداعه الادبي .
ولا بد لي من القول هنا ان حزب الشعب الفلسطيني كان رائدا في عملية التجديد في قياداته ،وهي عملية لا زالت متواصلة ،وهي الى جانب بعدها الايجابي حملت معها من الصعوبات ما حملت ،وقد جاءت ريادة هذه العملية من قبل اولئك الرفاق الذين اختاروا دفع اجيال جديدة لقيادة الحزب ،وقد كان محمود من تلك المجموعة حيث انه إلى جانب تلك الروح دافع عن رغبته في تكريس جهد اكبر ومكثف لتطوير ادواته وانتاجه الفني والادبي الثقافي ،وكان لسان حاله وحالنا يقول (ان بامكان اكثر من رفيق ان يعوض مكان محمود في اللجنة المركزية لحزب الشعب ،ولكن ليس بالامكان ان يعوض مكان محمود في حقل انتاجه الادبي والروائي والقصصي )ولذلك فقد كسب محمود بسهولة هذه المجادلة بين رغبته وبين رغبة رفاقه فقد كان الكل يدرك هذه الحقيقة .


وقد استعمل محمود نفس المنطق في المحاولات العديدة اللاحقة لاجتذابه بشكل او باخر لالتزامات اعمال اخرى ،بما في ذلك اعتذاره عن تولي حقيبة وزارة الثقافة في حكومة الوحدة الوطنية ،والتي قمت بالتداول معه بشأنها وهو اكثر من يستحقها .


الاخوات والاخوة الاعزاء

لا بد من تاكيد حقيقة راسخة وهي ان مساهمات الشيوعيين والتقدميين الفلسطينيين في حقل الفكر والثقافة والادب هي المساهمة الابرز ،فعلى مدار التاريخ الكفاحي للشعب الفلسطيني كانوا روادا في هذا المجال ،وقد برعوا فيه في مجال الشعر والرواية والنقد ،والقصة ،كما برعوا فيه في مجالات الفكر والتأريخ والادب السياسي ،وكانت منابرهم الفكرية والادبية وعلى راسها جريدة الاتحاد ومجلات الجديد والغد ،وفيما بعد الطليعة والكاتب وصوت الوطن ،بالاضافة إلى مجلات الثقافة والادب الاردنية والمصرية وقضايا السلم والاشتراكية وغيرها ،كانت محفزا ومحركا لابداعات اجيال واجيال من كتاب وشعراء ومبدعي الادب الفلسطيني بكل الوانه .
وقد اسهمت الفنون الادبية لهؤلاء الرواد ليس فقط في احداث نقلة نوعية في مكانة الادب والثقافة الفلسطينية على صعيد العالم العربي والانساني حيث احتل مكانة بارزة فيها كتاب وشعراء مثل محمود درويش ومعين بسيسو وسميح القاسم وتوفيق زياد واميل حبيبي وغسان كنفاني وغيرهم ،ولكن ايضا في تعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود فوق ارضه والدفاع عن هويته الوطنية والثقافية ،وحمايتها من ويلات القمع والملاحقة او من مخاطر الذوبان والتشويه ،فواصلوا بذلك اتجاه الصعود والتميز الذي اختطه ابراهيم طوقان وابي سلمى وعبد الرحيم محمود ،فطوروه إلى ذرى جديدة .
ان تقديم الكاتب محمود شقير اليوم هي مناسبة لتكثيف هذه المساهمة النوعية لهذا الاتجاه التقدمي في الثقافة الفلسطينية وهو اتجاه رسم ملامح صورتها المعاصرة ،ولا بد له من مواصلة ذلك في ظل تحديات جديدة على الصعيد الوطني والاجتماعي والثقافي،وفي ظل تحديات على صعيد ادوات التواصل الثقافي والاجتماعي ،وعلى صعيد اتساع حالة التفاعلات والهيمنة الثقافية لمنتجات الثقافة ووسائل الاعلام المعاصرة .
لكل ذلك يجب ان يسجل لمحمود شقير ما اعطاه من مساحة لادب الاطفال ،ولرغبته الجارفة في تطوير هذا اللون الابداعي في الادب الفلسطيني واجتذاب الكتاب والادباء اليه فضلا عن تلوعه في اجتذاب الاطفال اليه ،فهم عنده ليسوا هدفا للكتابة فقط وانما ايضا مشاريع كتاب وادباء ومبدعين .
كما يسجل لمحمود بكل تقدير ما صور به القدس من صور لامست وجدان كل من له ذكرى او شوق إلى القدس ،بحاراتها العتيقة ،بناسها ،بشوارعها ،بقداستها ،وبتنوعها الثقافي ،بعبق التاريخ ،بالحاضر وبالمستقبل ،فمحور تلوع وحركة محمود الظاهر والمخفي ،هو القدس ،وهي موطن الاشواق لكل من عرفها وتلوع من هجرتها او من لم يعرفها وتشوق لرؤيتها ،او لرسم ملامح ظاهرة وحية لها خلف روايات التاريخ والقداسة والفرادة ،فكانت كتاباته عن القدس تنطق شوارعها واسوارها ومقدساتها وتبعث الحيوية والاسطورية في ناسها البسطاء والعاديين .
وفي انتقالاته لما هو ابعد من الوطن ،في اوطان الانسان الاخرى في عالم محمود شقير ،يرصد اجمل وارق الذكريات ،والرغبة الجارفة في البحث عن كل ما هو اصيل وجميل وممتع في ثقافات الشعوب الاخرى واوطانها ،وفي تغليب تلك الصورة الجميلة لما هو انساني على اية صور اخرى للوحشية التي تلون صراعات العالم ،السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية .
ليس بوسعي ان العب دور ناقد ادبي لاعمال محمود شقير ،ولا حكم سياسي على مكانته ،ولكنني استطيع الادعاء ان الصورة التي بات عليها محمود شقير بابداعه الادبي وتطويره الفريد في حقل


القصة والقصة القصيرة جدا ،وفي المكانة المميزة له بين اقرانه من الكتاب والمثقفين ،وفي ما يكنه له الجميع من احترام وتقدير اكسبه اياه شعوره الانساني الطاغي واحترامه للاخرين ،جعلت من معرفة محمود شقير والصداقة معه ،ومن روح الرفاقية التي تجمعنا في حزب واحد مصدر اعتزاز واكبار ،ومصدر تطلع دائم كي يحقق محمود شقير مشروعه الادبي المنشود ،وان تترسخ بصمته الواضحة في الثقافة الفلسطينية والانسانية ، وان تحقق رسالته الطامحة إلى الحفاظ على


التراث الثقافي الابداعي الفلسطيني وتطويره غايتها، في مجتمع فلسطيني راسخ تحكمه روح الحداثة والعلم ،وروح التحرر والاستقلال ،وروح التقدم الاجتماعي والاقتصادي والديموقراطي ،وروح الثقافة الانسانية بمزيجها الملتهب والمتجانس بين روحها الخاصة وبين انسانيتها العامة .

بهذه الكلمات المتواضعة والتي لا تعطي محمود حقه اتشرف بتقديمه لالقاء كلمته.

*ألقيت في ندوة: "مبدع في حضرة درويش"/ متحف محمود درويش/ رام الله 31 / 3 / 2013



Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME