أسرى الحرية والتضامن المنقوص
محمود شقير
حينما شاهدت سوسن شاهين وهي تتحدث في برنامج "فلسطين صباح الخير" توقفت ملياً عند جملتها التي نطقت بها من على شاشة التلفاز، ملخصة معاناة أهالي الأسرى الذين لا يكفون لحظة واحدة عن التفكير بمصائر بناتهم وأبنائهم في السجون الإسرائيلية. قالت يومها ما مفاده: حتى الآن لا يهتم بالأسرى سوى أهاليهم.


وجدتُ الشكوى نفسها تتكرر على لسان الحاج صالح والد الأسير الكاتب باسم الخندقجي الذي يقضي حكماً في السجون الإسرائيلية مدته ثلاثة مؤبدات. زرت أسرة باسم في البيت والتقيت والديه وعمه خالد وأخويه وأختيه، ودار بيننا حديث عن واجب الحزب تجاه باسم الذي انتخب في المؤتمر الأخير عضواً في اللجنة المركزية للحزب. تحدثنا عن لفتة إنسانية لا بد منها هنا، وعن مبادرة إعلامية لا بد منها هناك. وكنت وعدت الأسرة بأن أنقل عتبها إلى قيادة الحزب، وفعلت، وتلقيت إجابات تدلل على الاهتمام.
مع ذلك، تظل الشكوى مشروعة لأن الأمر يتعلق بمصير إنسان قد يقضي عمره كله في السجن. تحدثنا أثناء اللقاء عن كتابات باسم الشعرية التي تنم عن موهبة أكيدة، وعن مخطوطته الروائية التي قرأتها من قبل وكتبت لها مقدمة تليق بها.
ولاحظت أن الأسرة مسكونة بسيرة باسم الذي أنهى حتى الآن ثمانية أعوام في السجن. وأدركت أن في ذلك سداً للفراغ الذي تركه باسم في حياة الأسرة وفي البيت، وفيه استحضار للغائب الذي طال غيابه، وما كان ينبغي له أن يغيب لولا هذا العدو الذي لم يقبل باسم بشروطه المذلة، مثلما لم يقبل بها آلاف الأسرى الذين يقبعون الآن في سجون الاحتلال.
حينما زرت سوسن شاهين وأختها نسيم في خيمة الاعتصام المنصوبة أمام مقر الأمم المتحدة في رام الله وجدتهما وقد ضمر جسداهما تحت وطأة الإضراب عن الطعام، احتجاجًا على استمرار اعتقال الأسرى، وبخاصة أولئك القدامى الذين مضت سنوات طويلة على احتجازهم في السجون. كانت سوسن مصرة على مواصلة الإضراب، وثمة على جدران الخيمة صور لأسرى عديدين من بينهم حسام زهدي شاهين، الشقيق الأكبر لسوسن ولنسيم، الذي يقضي حكمًا بالسجن مدته سبع وعشرون سنة أمضى منها عشر سنوات.
ذكّرتها بما قالته عن الاهتمام بالأسرى حيث هو مقتصر على أهاليهم حتى الآن. ووافقتها الرأي من دون أن أنفي أنا أو تنفي هي وجود تحركات شعبية تضامنًا مع الأسرى واحتجاجًا على استمرار أسرهم، وعلى الظروف القاسية التي يعيشونها في الأسر. لكن الحقيقة الجارحة تؤكد أن هذا التضامن ما زال في أضعف حالاته، وأن تلك التحركات ما زالت محدودة، والمشاركون فيها في أغلب الأحيان هم أهالي الأسرى، ومعهم قلة من الناس ومن مسؤولي ومنتسبي التنظيمات السياسية.
والسؤال الأساس هو: أين المسيرات والاعتصامات التي يحتشد فيها عشرات الآلاف من الناس تضامنًا مع الأسيرات والأسرى؟ أين الجهد الإعلامي المنظم ليس على الصعيد المحلي وحسب، وإنما على الصعيد الدولي الذي من شأنه أن يفضح وحشية الاحتلال، ويسهم في الضغط على حكام إسرائيل لفك قبضتهم عن مصائر أبنائنا وبناتنا في السجون؟ أين النشرات التي يمكن توزيعها عبر سفاراتنا في العالم عن الأسرى؟ وأين الكتب التي تتحدث عنهم وعن سيرهم الشخصية وعن أطفالهم الذي ينتظرونهم، وعن حقيقة أنهم أسرى حرية، وليس أي شيء آخر مما يدعيه المحتلون في دعايتهم البغيضة الحاقدة؟ أين الجهود المثابرة التي تجعل من قضية الأسرى خبزنا اليومي وخبز العالم، وليست مجرد رفع عتب نمارسه بفتور بين الحين والآخر؟ أين وأين وأين؟
الحياة الجديدة/ البيرة
الأربعاء 20/ 3 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME