لم تقف علاقتي بالأسماء عند شاكيرا التي جعلتها واحدة من بنات عائلتي، وإنما تعدّتها لتطال القدس وفلسطين.
فقد عاينت أثناء السفر محاولات شتى للتعاطي مع القدس باعتبارها مدينة يهودية، وكنت شاهدًا على مفارقات قد لا يكون بعضها مقصودًا، بينما يهدف بعضها الآخر إلى قلب الحقائق وتزويرها لتغييب الهوية الفلسطينية، ولخلق وقائع جديدة مشيّدة على أكاذيب وأوهام.


سافرت في العام 1998 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للالتحاق ببرنامج الكتابة الدولي الذي تنظمه جامعة أيوا. أقمت هناك ثلاثة أشهر هي مدّة البرنامج الذي ضمّ تسعة عشر كاتبًا وكاتبة من بلدان شتى. أقمنا في الطابق الثامن من بناية مخصّصة لسكن طالبات الجامعة وطلابها. وحينما اتجهت إلى الغرفة التي سأقيم فيها، وجدت اسمي مثبتًا على الباب ومعه المكان الذي جئت منه وهو: الضفة الغربية.
بعد اكتمال عددنا، دعتنا الجهة المنظّمة للبرنامج إلى لقاء تعارف. ألقى رئيس البرنامج كلمة ترحيبية ثم جاء دور الكتاب لإلقاء كلمات، وكنت أوّل المتحدّثين. قلت إنني قادم من فلسطين، ومن القدس على وجه التحديد. وأبديت اعتراضي على إخفاء اسم البلاد التي أنتمي إليها، واختزالها في جزء منها. تَمّ التجاوب مع هذا الاعتراض، وخلال ساعات كان اسم فلسطين مثبتًا مع اسمي على باب غرفتي.
أثناء مكوثي هناك، قمت بعدد من الأنشطة الثقافية. ذهبت إلى مدرسة ثانوية للتحدّث مع طالباتها وطلابها عن قضيتنا الوطنية، ولاحظت أنّ أغلبهم لا يعرفون أنّ ثمة بلادًا في الشرق الأوسط اسمها: فلسطين، ولا يعرفون عن القدس إلا أنّها مدينة يهودية.
وقد تكرّر الأمر نفسه حول القدس غير مرّة. غادرت أيوا إلى مدينة لاس فيجاس لقضاء بضعة أيام فيها. ركبت سيارة من المطار إلى الفندق. وحينما عرف السائق الأمريكي أنني من القدس، ظلّ طوال الطريق يتحدّث معي على اعتبار أنني يهودي قادم من القدس اليهودية. شعرت بالأسى جرّاء ما اعتبرته ضعفًا في الدعاية الفلسطينية والعربية في الخارج.
ومن المفارقات في هذا الصدد، وبما له علاقة بالقدس، أنّ إدارة الفيسبوك ما زالت ترفض وبما يشبه التحيّز السافر تسجيل المدينة في قائمة المعلومات الخاصّة بي على صفحتي، إلا إذا أتبعتها بكلمة: إسرائيل. وحتى هذه اللحظة ما زالت هذه الإدارة تطلب مني تحديد اسم مدينتي، كما لو أنني لم أحدّدها من قبل.
وثمة ما هو أكثر مدعاة للسخرية. في العام 2005 تلقّيت دعوة للمشاركة في ورشة أدبية تقيمها الجامعة المعمدانية في هونغ كونغ، مدّتها ثلاثون يومًا. أرسلتُ أوراقي الثبوتية إلى الجامعة التي تولّت بدورها إرسالها إلى الجهة الرسمية المختصّة بمنح تأشيرات السفر، ومعها نصّ الدعوة، فإذا بهذه الجهة تفاجأ بما اشتملت عليه أوراقي من مخالفة لما ورد في النص.
فقد كان المفروض في الجامعة أن تستضيف كاتبًا اسمه محمود شقير، في حين كان اسمي في وثيقة السفر الإسرائيلية التي أحملها بصفة كوني من مواطني القدس: محمود شقيرات. وكان المفروض أنني فلسطيني الجنسية، في حين كنت بحسب الوثيقة أردني الجنسية. ولأنّني أكبر من إسرائيل بسبع سنوات، كان المفروض أنني من مواليد القدس/ فلسطين في العام 1941 ، في حين نصّت الوثيقة على أنّني مولود في إسرائيل التي لم يكن لها آنذاك وجود.
باختصار، كادت تلك الجهة الرسمية في هونغ كونغ تعتذر عن عدم منحي تأشيرة سفر، بسبب هذا التناقض في المعلومات، لولا أنّني قمت بتقديم شروحات لها علاقة بما تعرّضتْ له فلسطين من غزو، ومن تحريف للحقائق، ومن تضليل ما زال مستمرًّا حتى الآن.
الحياة الجديدة/ البيرة
الأربعاء 6 / 3 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME