بعد ستين عامًا تتوقّف مجلّة الآداب اللبنانية عن الصدور.
لأبناء جيلي ولمن سبقونا ولمن جاءوا بعدنا من مبدعين فلسطينيين وعرب ذكريات لا تُنسى مع "الآداب"، المجلة التي صدرت في العام 1953 ، أي بعد الثورة المصرية بعام واحد، وها هي ذي تغيب بعد ستين سنة من انطلاقتها، وبعد سنتين من انطلاقة ثورات الربيع العربي.


تَوقّفُ المجلة عن الصدور، وإنْ كان بشكل مؤقّت كما ذكر محرّرها الكاتب سماح إدريس، لم يكن لأسباب مالية، وإنما لتراجع عدد قرّائها، وهي حالة لا يُستثنى منها قرّاء معظم المجلات الصادرة في العواصم العربية. وقد أشار إدريس إلى هذا الأمر في افتتاحيّة العدد الأخير من المجلّة، وتساءل: "ما معنى إصدار مجلّة حين يتراجع عدد القرّاء؟"
والمؤسف، أنّ هذا السؤال يُطرح بعد سنتين من اندلاع ثورات الربيع العربي، في حين كان المفروض في هذه الثورات أنْ تُذكي في نفوس الناس حبّ القراءة والإقبال عليها، انسجامًا مع التصميم على إسقاط الأنظمة المستبدّة، ومع النزوع المشروع إلى التغيير وبناء مجتمعات جديدة متحرّرة من القمع والاستغلال والتخلّف، ومن الجهل والإذلال وامتهان كرامة المواطنين؟
ولا أريد الآن أن أغوص في تفاصيل ما واكب ثورات الربيع العربي من انتكاسات ومن تدخّلات مشبوهة ومن محاولات مستمرّة لاختطافها ولحرفها عن مسارها الصحيح. ما أريد التأكيد عليه أنّ هذه الثورات، بسبب طبيعتها الأقرب إلى موجات الغضب والانفعال، لم تتمكّن حتى هذه اللحظة من كنس الإرث الثقيل لأنظمة الحكم البائدة، ولهذا أسبابه الموضوعية من بينها فداحة هذا الإرث وتغلغله عميقًا في المجتمعات العربية، ما يعني أن شعوبنا وقواها السياسية المؤهّلة للتعبير عن مصالح هذه الشعوب بحاجة إلى مزيد من البذل والتضحية، لكي تتحقّق أخلامها المشروعة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحكم القانون.
وأعود إلى مجلّة الآداب التي لعبت دورًا بارزًا في الحياة الثقافية العربية. فقد كانت المجلة منبرًا للتجديد في الفكر والأدب والفن، ومن خلالها أطلّ المثقفون العرب على بعض نتاجات الفكر العالمي وبخاصّة الفلسفة الوجودية والنتاجات الأدبية المعبّرة عنها. وعلى صفحاتها ترعرع عدد كبير من الكتّاب والمبدعين. وكانت المجلّة خير تعبير عن الفكر القومي الناصري في أوج تألّقه، واستمرّت تنافح عنه حتى في أزمنة الأفول، مع تجاوزٍ أكيد لأخطاء التجربة الناصرية المتمثّلة في عدم احترام التعدّدية السياسية، وفي التجاهل الذي امتدّ فترة غير قصيرة لتجربة اليسار العربي في ميادين الفكر والثقافة والسياسة.
حينما ابتدأتُ الكتابة أوائل ستينات القرن العشرين، كنت أترقّب وصول مجلّة الآداب إلى القدس باهتمام، وكنت أقرأ كلّ ما فيها من الغلاف إلى الغلاف، وكم أعجبتني الزاوية النقدية الثابتة: قرأتُ العدد الماضي من الآداب! وقد دأبَ رئيس التحرير الدكتور سهيل إدريس على تكليف نقّاد معروفين بنقد موادّ العدد الماضي من قصائد وقصص ودراسات، ينقدونها من دون مجاملات وبشيء من القسوة في بعض الأحيان، والأمر نفسه كان يتكرّر في زاويةٍ للمناقشات، مع فارق وحيد: فالنشر فيها متاحٌ من دون تكليفات.
وأذكر أنّني كتبت "نقدًا"، أو ما هو قريب منه، للقصص المنشورة في أحد الأعداد، وأنا ما زلتُ في مقتبل العمر وفي بداية رحلتي مع الكتابة، نشره رئيس التحرير في زاوية "مناقشات"، وكنتُ تعرّضتُ فيه لبعض هذه القصص بكثير من القسوة. وقد ردّ عليّ بقسوة مماثلة كاتبُ إحدى القصص في العدد التالي من المجلّة، وراح يتخيّلني وأنا أقرأ ردّه وأتظاهرُ بعدم الاكتراث، فأضحكُ ويهتزّ كرشي من شدّة الضحك.
وهو لا يعلم أنّني كنت بالغ النحافة آنذاك.
الحياة الجديدة/ البيرة
الأربعاء 28 / 2 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME