قبل أيّام، كنتُ في مركز خليل السكاكيني للمشاركة في الندوة التي أقامها اتحاد الكتاب بالتعاون مع المركز، على شرف الذكرى التاسعة والعشرين لرحيل الشاعر معين بسيسو، وكنت معنيًّا وأنا هناك أن ألقي نظرة على مكتب محمود درويش، الذي ما زال مثلما تركه محمود، بما اشتمل عليه من كتب ولوحات فنية وقطع أثرية وغير ذلك. نظرتُ عبر الباب الزجاجي نحو الداخل، وشعرتُ كما لو أنني أرى محمود درويش، وأرى في الوقت نفسه جزءًا من ذاكرتي في المكان الذي تردّدتُ عليه، وتردّد عليه عدد غير قليل من الكتّاب والمثقفين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين. وكان لي في هذا المشهد عزاء.

ومن باب الوفاء، خطر ببالي، حينما عدت إلى القدس من المنفى القسري، أن أزور بعض الأماكن المقدسيّة التي عملتُ فيها أو تردّدتُ عليها. زرتُ مقرّ صحيفة "الجهاد" التي أصبح اسمها "القدس"، ودخلتُ الغرفة التي كنت أجلس فيها مع زميلين آخرين من العاملين في الصحيفة، وقلت لموظّف جالس هناك، لا أعرفه ولا يعرفني: "كنتُ هنا قبل ثلاثين سنة". قلتُ ما قلت وأنا أختزل ذكريات حافلة ببضع كلمات، لكنّ كلماتي لم تجد أذنًا صاغية لدى الموظف الشاب، اكتفى بأن قال لي من دون أن يرفع رأسه عن الورق الذي أمامه: "يا سيدي حيّاك الله". بدا وكأنّه يحذّرني من الاسترسال في الكلام، فلذْتُ بالصمت.
وزرتُ مقرّ صحيفة "المنار"، حيث كانت تصدر "الأفق الجديد"، المجلة الثقافية التي كان يرأس تحريرها الشاعر الراحل أمين شنار، ثم توقّفتْ عن الصدور قبل هزيمة حزيران 1967 بعام واحد، وتحوّل المقرّ في ظلّ الاحتلال إلى مركز للدفاع عن الحقوق الإجتماعية للمواطنين المقدسيّين. تجوّلتُ في غرفه المتعدّدة وتذكّرت الراحلين: جمعة حماد، محمود الشريف، محمد البطراوي، ماجد أبو شرار، الدكتور عبد الرحيم بدر وآخرين ممن تردّدوا على هذا المقرّ للكتابة في الصحيفة أو في المجلة. ثم انتهى بي المطاف في غرفة رئيس تحرير "الأفق..."، هذه الغرفة التي كان يستقبلنا فيها أمين شنار، فنشعر بالفخار ونحن نخطو خطواتنا الأولى على درب الكتابة. كان أمين شنار مثقفًا مستنيرًا لا يضيق ذرعًا بالرأي الآخر، وكان، وهو الإسلاميّ النزعة، ينشر مقالات نقدية وقصصًا وقصائد لكتّاب يساريين وقوميين، ما جعل مجلّة "الأفق الجديد" حاضنة خلاقة لجيل من الأدباء الذين ترعرعوا على صفحاتها، ثم انطلقوا فيما بعد نحو الآفاق الرحبة، وهم يحملون في قلوبهم اعترافًا بفضل "الأفق الجديد" عليهم.
حين دخلتُ غرفة رئيس التحرير وجدتُ أنها تحوّلت إلى مطبخ للمركز، تُعدّ فيه فناجين القهوة وكؤوس الشاي, وبالطبع، فإنّ أحدًا من العاملين الشباب في المركز لم يكن يعرف شيئًا عن المكانة التي كانت لهذه الغرفة، وعن الذكريات التي اشتملت عليها، ثم أصبحتْ بكلّ بساطة عُرضة للضياع وللنسيان.
والآن جاء دور البيت، بيت المثقف الراحل محمد البطراوي الذي تَمّ إخلاؤه، رغم الوعود التي سمعناها من مسؤولين في الحكومة الفلسطينية حول شراء البيت من صاحبه، وتحويله إلى مركز ثقافي، بحيث نصون القيمة الفكرية التي مثّلها ويمثّلها هذا البيت، وبحيث نحمي ذاكرتنا الثقافية من التبديد والضياع.
كان هذا البيت على امتداد سنوات مكانًا لاكتشاف المواهب الأدبية والفنية الجديدة، ولتعزيز الثقافة الوطنية الفلسطينية. وقد زاره بشكل متكرّر عدد كبير من الأدباء الفلسطينيين الشباب وغير الشباب، نهلوا مما فيه من علم ومعرفة. وكان ساكنُ البيت أبو خالد البطراوي يشكّل وما زال يشكّل رمزًا ثقافيَّا بارزًا له تأثيره الكبير، وكان من حقّه علينا أنْ نُبقي على بيته المستأجَر علامة من علامات الذاكرة الثقافية الفلسطينية.
الحياة الجديدة/ البيرة
الأربعاء 21 / 2 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME