بعد ظهر يوم الجمعة الفائت، كان عليّ أن أذهب إلى أربع مناسبات: اثنتين منها في رام الله واثنتين في القدس. وكانت المناسبات الأربع ستنعقد في ما بين الثالثة والخامسة بعد الظهر. قلت: أذهب إلى رام الله، وأعتذر عن عدم الحضور في القدس.

كتبت رسالة عبر الفيسبوك إلى الكاتبة الشابة نسب أديب حسين وأخبرتها بأنني لن أتمكّن من حضور الندوة التي ستنوي مجموعة "دواة على السور" عقدها في مركز إسعاف النشاشيبي بالقدس، لأنني سأكون في الوقت نفسه في رام الله. وكتبت رسالة أخرى للفنان اسماعيل الدباغ أخبرته فيها بأنني لن أتمكن من القدوم إلى مؤسسة الرؤيا الفلسطينية، لمشاهدة الحلقة التجريبية لمسلسل "كعك وفلافل" التي سيعرضها إسماعيل على عدد من المهتمّين قبل عرضها على شاشة التلفاز في شهر رمضان القادم، وذلك للتعليق عليها ولإبداء الرأي فيها.
وكان من دواعي سروري أنّ نسب أديب حسين قبلت اعتذاري عن عدم حضور الندوة التي ستتمّ فيها قراءات شعرية وقصصية لعدد من كاتبات وكتّاب الدواة الشباب، كما أنّ الفنان اسماعيل الدباغ قبل اعتذاري كذلك.
كنت في صباح يوم الجمعة ذاك، قد كتبت في صفحتي على الفيسبوك جملة أصف فيها رغبتي في البقاء في البيت أيّام الجمع. وقد غبطني بعض الأصدقاء والصديقات على هذه النعمة، نعمة البقاء في البيت، ولم يدر بخلدهم أنني وأنا أكتب جملتي تلك إنما كنت أعبّر عن رغبة لا أستطيع تحقيقها في أحيان كثيرة.
ذلك أنّ المناسبات الثقافية والاجتماعية والسياسية والوطنية في بلادنا تتزاحم وتتكاثر على نحو عجيب، وبشكل يومي في أغلب الأحيان. فحينما تتلقّى دعوة لحضور ندوة أو مهرجان فإنّ اللياقة وأصول المجاملات تدفعك إلى تلبية الدعوة حتى لو جاءت على حساب وقت أنت بحاجة ماسّة إليه لإنجاز نص أدبي أو لمواصلة العمل على مشروع إبداعي لا يحتمل التأجيل أو التلكؤ في الإنجاز.
وتصبح الأمور أكثر إحراجًا إذا ما أخذنا المناسبات الاجتماعية في الحسبان، وهي كثيرة كثرة غير عادية في بلادنا، إذ تبدأ بالاعراس وبأداء العمرة والحج ولا تنتهي بالعودة من السفر وبالتردّد على بيوت العزاء. هنا تكون مضطرًا إلى المفاضلة بين أن تذهب إلى مهرجان أو أن تذهب إلى عرس، فتختار الذهاب إلى العرس، لأنّ التغيّب عن المهرجان قد لا تترتّب عليه قطيعة من أيّ نوع كان، لكنّ التغيّب عن العرس قد يتسبّب في سوء فهم والتباس، وبخاصة إنْ كان الأمر واقعًا في محيط اجتماعي ما زال للأسر الممتدّة نفوذ فيه وتأثير عليه، بحيث يصبح التقصير علامة على نقص في المودّة. وفي هذه الحالة، فإنّ الحرص على دوام العلاقات الاجتماعية في مجتمع ما زالت تحكمه أخلاق الريف، يصبح ضرورة واجبة، حتى لو جاء ذلك على حساب أنشطة أخرى أكثر أهمية.
وبالطبع، فأنا لست ضدّ التواصل الاجتماعي حينما يجري التعاطي معه بمرونة وتفهّم وتقبّل للأعذار، ولست ضدّ تكاثر الأنشطة الثقافية والندوات حينما يجري ضبطها على نحو صحيح، وحينما يتمّ التركيز على استضافة أناس جدد لحضور هذه الأنشطة، وبخاصة من جيل الشابات والشباب الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الثقافة التي تبني وعيهم وتصقل وجدانهم وترشدهم إلى سواء السبيل.
أما التعويل الدائم على نخبة من المدعوّين للندوات، ممن هم في مثل عمري، وتكرار حضورهم لها من دون أيّ تواصل مع الأجيال الجديدة، فهو أمر يدعو إلى المراجعة وإعادة النظر لعلّ الثقافة تجد طريقها إلى أماكن لم تدخلها حتى الآن.
الحياة الجديدة/ رام الهل
الأربعاء 14 / 2 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME