قيل كلام كثير على الثورات العربية التي اندلعت قبل عامين، وأعتقد أنّ كلامًا كثيرًا سوف يقال. وبرزتْ منذ الأشهر الأولى التي أعقبت انطلاقة الثورة في كلّ من تونس ومصر تساؤلات طالت اسم الربيع العربي، وطالت التطلّعات السياسية والاجتماعية التي لم تتحقّق حتى الآن.

فهل كان هذا الربيع ربيعًا بالفعل؟ بل إن أوصافًا كثيرة تَمَّ إطلاقها عليه، فهو من وجهة نظر بعض الكتّاب والسياسيين ربيعٌ ملغوم، وهو مؤامرة أمريكية، وهو خريفٌ دامٍ بلا ثمار، أو هو ثورات فعليّة تَمّت سرقتها بتواطؤ أمريكي وبتدخّلات خليجية وبخاصّة من دولة قطر، وهو مباركة أمريكية لوصول الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم لتحقيق حلمهم بأسلمة مجتمعاتهم، شريطة عدم المساس بأمن إسرائيل، والحفاظ على المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
ولستُ أنكر أن بعض هذه التساؤلات والاجتهادات مشروع وصحيح، وما شجّع على طرحها، تلك التطوّرات السلبية التي أعقبت دخول الجماهير إلى الميادين والساحات احتجاجًا على سياسات القمع والاستبداد وسرقة المال العام والفساد. وحينما اعتقدت أنها أكملت مهمّتها وأنّ ثورتها تكلّلت بالنجاح غادرت الميادين، ثم اكتشفت قبل أن تجفّ دماء الشهداء أنّ الثورة لم تنجح تمامًا، فلا الفقر خفّ ولا الاستبداد غاب.
ولعلّي أذكّر بمقولة لطالما تردّدت على ألسنة المدافعين عن ثورات الربيع العربي، وهي أنّ الثورة، أيّة ثورة، لا تستطيع أن تنجز أهدافها في يوم وليلة، وهي ليست محصّنة من الوقوع في التناقضات، وقد تتعرّض لانتكاسات أثناء مسيرتها الطويلة. وما تعرّضت له ثورات الربيع العربي من تراجعات وأزمات يمكن تفسيره في إطار الإرث الثقيل الموروث من أنظمة الاستبداد التي سقطت ولم يسقط إرثها الذي ما زال يتجلّى بمختلف الأشكال.
صحيح أن تلك الثورات جاءت تعبيرًا غاضبًا شبه عفوي عن معاناة الجماهير التي مارست الاحتجاج بأسلوب حضاري سلمي، للتخلّص من الفقر والقمع والإذلال، ما جعلها تكسر حاجز الخوف وتواجه بصدورها العارية قمع الأنظمة التي لم تعرف سوى العنف وسيلة لترويض الجماهير، لكنّ هذا لم يكن كلّ شيء، ورغم ذلك علينا أن نقرّ بصواب هذا الحراك الثوري وبصدقيّته، كيلا نبدو كمن يستهين بتضحيات الشهداء، وكمن يضع الأمر كلّه في خانة التدخّلات المشبوهة التي لا أنفي وقوعها، لكنني لا أجعلها تستأثر بالمشهد كلّه.
ولأنّ هذه الجماهير سبقت القوى السياسية المنظّمة ومارست الفعل الثوري دون استعداد كافٍ، فقد وقع الذي وقع بعد سقوط رأس النظام، إذ صعد الإخوان المسلمون، وهم الأفضل تنظيمًا، إلى سدّة الحكم في كلّ من تونس ومصر، ولم تستطع القوى السياسية الأخرى أن تشكّل منافسًا فعليًّا لهم، بسبب الإرث المنوّه عنه أعلاه، المتمثّل في تخريب الحياة السياسية وتشويهها، والتسبّب في انعدام حالة التوازن فيها التي ما زالت ماثلة للعيان.
فالمعارضة التي تتصدّى لحكم الإخوان ومن معهم من قوى الإسلام السياسي، ليست في أفضل أحوالها حتى الآن، ولدَيْها أخطاء، والإخوان لم يكتسبوا نفوذهم بين الناس من خلال ممارسات سياسية عصرية، وإنما من استثمار المشاعر الدينية للناس البسطاء، وهم لا يتورّعون عن مواجهة خصومهم السياسيين باستخدام أساليب القمع البائدة. وما يمارسونه اليوم من حكم شمولي متمسّح بشكليّات الديمقراطية، ومن إجراءاتٍ حثيثة لأخْوَنة مؤسّسات الدولة ولإدامة بقائهم في الحكم إلى الأبد، لا يفضي إلا إلى مزيد من الفوضى. فليتهم والحالة هذه يتداركون الموقف، ويسعون جادّين إلى صيغة مقنعة للشراكة الوطنية التي توقف سفك الدماء.
وبغير ذلك، فلا مناص من استمرار النضال الديمقراطي السلمي لتصحيح المسار، من أجل تحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والأمن والاستقرار.
الحياة الجديدة/ رام الهي
الأربعاء 7 / 2 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME