يطل علينا الكاتب محمود شقير في هذا الفصل الشتوي البارد ليدفئنا بحركة ونشاط ناسه في “ رواية طويلة “ أطلق عليها عنوانا جميلا كما الغلاف الجذاب ، “فرس العائلة “ . وبهذا الاصدار الجديد يفاجئنا ليثبت من جديد بأنه متعدد المواهب الأدبية . فهو كما عرفناه كاتب ملتزم وله حضور مستمر في الحقل الأدبي وبخاصة “القصة القصيرة “والتي أبدع بها منذ منتصف السبعينيات حيث أصدر”خبز الآخرين “ . وظل يرسل رسائله ولوحاته الفنية التي لها خصوصية في قصصه “ القصيرة جدا” والتي عرف بأنه من أبرز كتابها على المستوى العربي . بالاضافة لنشاطات كتابية متنوعة .



في رواية محمود شقير الجديدة ( فرس العائلة ) يعود الكاتب بنا الى الفترة التاريخية لفلسطين تحت الانتداب ، ويتخذ من “البرية “ شبه الصحراوية التي تسكنها عشيرة بدوية قريبة من القدس وناسها “ الأمكنة “ لتحركات الناس . وفي بناء سردي وروائي متكامل ينسج لنا “ القصة “ أو القصص المتوالدة من الحياة الاجتماعية والثقافية والعادات والتقاليد والميثولوجيا التي كانت متمكنة في أجيال العشيرة من بنات وأولاد ونساء وشباب وشيوخ وعجائز . وتأتي القصص على لسان” الجدة “ التي كان لها حضورها بين الجميع لتظل رمزا لأجيال العشيرة وذاكرة المكان المميزبخصوصيته ورموزه الاصيلة بالاضافة الى فضاءات مسكونة بالسحر والجن والخوارق ..

يصور شقير حياة هذه الشريحة من الناس الذين كانوا مهمشين في تلك الفترة الزمية ومهملين ومحرومين من حياة معيشية عادلة وإن كانت تشي بحبهم للتغيير والأخذ بالجديد كرغبتهم بالعلم والانفتاح وقد وجدوها أخيرا في القدس القريبة من مضاربهم ومن مشاركتهم “ بالثورة “ سرا للتخلص من الأجنبي والصهيونية التي شعروا أنهم يهددونها .

تشدك تفاصيل الرواية التي تزّود القارئ بمعلومات جديدة عن ناس “ البريّة “ الذين يعيشون في مجتمع أبويّ “مغلق” ولكنه “ منفتح “ في نفس الوقت على المشاعر الطبيعية الانسانية، من حب وكره ومن نقاوة وغدر ومن غيرة وصراع وقيل وقال وكأنها كلها أتت نتيجة العوامل البيئية والطبيعية في هذا المجتمع الذي لا يعرف ابن المدينة عنه الكثير .

ظهرت المرأة بدورها النشط في هذا المجتمع يشكل قويّ في الحياة الاجتماعية التقليدية كزوجة وأم وربة بيت بالاضافة لدورها في الحقل أو العمل المحصور بالرعاية وجلب الماء وصناعة اللبن . وظهرت بتميزها بالتصرفات العفوية الطبيعية في مجتمع “ يشهد القمر” فيه على الحب والعشق العميق . ولعل البيئة الحرة ، هي ما جعلت القضاءات السحرية تحرّض المرأة لحرية في علاقاتها مع الحبيب أو الزوج أو في الجرأة في القول . . وقد أورد الكاتب أكثر من قصة ولوحة على لسان الجدة أو مباشرة من الفاعل على سحر العلاقة ..

رواية فرس العائلة ليست “ تاريخية “ كما تبدو لي وإن كان ناسها يتحركون في فترة زمنية مضت تحت الانتداب . لم يكثر الكاتب من استجلاب التاريخ ولم يزجه زجا , بقدر ما استجلب حياة الناس المعيشية وعلاقاتهم وتطلعاتهم وحبهم وكرههم . فهي رواية “واقعية “كما تبدو من صور مشابهة وحقائق عن مجتمعات بدوية لا زالت تحلم بحياة أفضل مثل “العراقيب “ وبدو الصحراء في فلسطين الذين يعانون من الاحتلال الذي يحرمهم من حياة أكثر عدلا وإنسانية .

ولعل القول بأن “الكتاب أحسن جليس “ ينطبق عليّ في الزمن القصير الذي قضيته في قراءة 315 صفحة “ “في مدة قصيرة استمتعت بعالم جعلني أشعر بالرغبة لإعادة قراءة رواية محمود شقير” فرس العائلة “....!
التاريخ : 07-01-2013
جريدة الدستور/ عمّان

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME