محمود شقير يروي واقع بدو فلسطين وأساطيرهم
عمر شبانة
الأربعاء ٣٠ يناير ٢٠١٣
في روايته التي تحمل عنوان «فرس العائلة»، يربط الروائي والقاص محمود شقير، بين قوة «فرس العيلة» كما ترد في السياق الروائي، وبين قوة عشيرة «العبد اللات» التي تشكل حياتها قوام هذه الرواية. فمع غياب الفرس، ذات الحضور الواقعي والأسطوري، في آن، يبدأ اضمحلال العشيرة وتفككها، وتبدأ بنيتها بالتحول من الحياة البدوية إلى الحياة المدنية، خصوصاً بعد انتقالها من «البرية» إلى ريف القدس وضواحيها، حيث أن «للبرية أعرافها التي ابتدعها أبناء بسطاء»، وللمدينة عاداتها وتقاليدها المختلفة تماماً. كما ترتبط نهاية الرواية بانتهاء حياة واحدة من أبرز شخصياتها، هي العجوز صبحاء التي تأتي في مرحلة متوسطة بين قوة العشيرة وبدايات تفككها


رواية «فرس العائلة»، الصادرة في دار نوفل - بيروت مطلع هذا العام (315 صفحة قطع كبير)، هي الأولى للكاتب، بعد عدد غير قليل من مجموعات القصص القصيرة والقصيرة جداً، وربما كانت الرواية الفلسطينية الأولى التي تتخصص في حياة بدو فلسطين، وتحولات هذه الحياة وتقلباتها، بعد أن كانت بعض الروايات قد تناولتها في سياقات ثانوية، ومن دون هذا القدر من التخصيص. وعلى صعيد التقنية السردية، يلمس قارئ الرواية أنه حيال مجموعة هائلة من الحكايات التي ترويها العجوز صبحاء لابنها المختار «منّان»، الحكايات التي تشكل في تواصلها وتفاعلها بنية هذه الرواية.
في الرواية عشرات الشخصيات، النسوية والذكورية، ذات البعد الواقعي، لكن المحتشد بالأبعاد الأسطورية والميثولوجية، حيث يعمد المؤلف إلى «أسطرة» شخصياته وسلوكاتها، وربطها بأبعاد غير واقعية، رغم واقعيتها في عالم شبه بدائي يتسم بالقوة والغرابة. عالم الخرافات والكائنات المتصلة مع الجن والحيوانات بعلاقات تترك بصمتها على الواقع، وتلعب دوراً في التحولات التي تمر بها العشيرة وأبناؤها، تحولات تطاول تفاصيل الحياة اليومية، وتؤثر في مصائر البشر.
يرسم الكاتب شخصيات روايته بخطوط دقيقة، وبتفاصيل تبرز ملامح الشخصية وسماتها الأساسية، التي تُظهر بدورها نمط هذه الشخصية والعالم الذي تتحرك فيه. شخصيات يبقى الكثير منها في الذاكرة، وشخصيات عابرة لا تلبث أن تؤدي دوراً وتمضي. منان المختار ووالده محمد والجد عبد الله الذين يتوارثون «المخترة»، شخصيات تقارب عالم الأسطورة في قوتها وضعفها وتقلباتها، في العشق والزواج وإنجاب عدد كبير من الأبناء، وقيادة قافلة العشيرة في الظروف الطبيعية كما في المنعطفات الحادة. بينما يبدو منان بلا وريث حقيقي يستطيع القيادة بعده.
وثمة شخصيات نسائية تلعب أدواراً مختلفة، لكنها تتحرك في ظل سلطة الرجل حتى لو كان ابناً، كما هي حال صبحاء مع المختار منان، فضلاً عن شقيقاته وزوجاته. لكن قدراً من الانفتاح والتغيير يجري حين تبدأ بعض نساء العشيرة بالعيش بعيداً عن هذه السلطة الآخذة في التفكك والتحلل، فنشهد تحولاً عميقاً على مستوى العادات والتقاليد، ملبساً ومأكلا وسكناً، كما في علاقة الرجل بالمرأة، التي يجري التمثيل لها بالحديث عن مشاهد تُظهر المرأة في أحد مظاهر «تطورها»، مع نهايات الرواية، وهي تقود عملية «الجماع» وتتحكم بها، بعد أن كان الرجل هو صاحب «القيادة».
وإذا كان السؤال الأساس في الرواية هو سؤال التحول من حياة البداوة إلى الريف والمدينة، وتأثير ذلك في الفرد و المجتمع القبلي، فإن هذا التحول فرضته ظروف الطبيعة وساعدت عليه عوامل كثيرة، منها الحضور القوي والمتسلط للجيش العثماني في أواخر أيامه في فلسطين، ثم الحضور البريطاني الأكثر قسوة وإيلاماً، خصوصاً لجهة ما يقوم به من تمهيد لإنشاء الدولة الصهيونية. لذا تتداخل الأزمنة في رواية شقير على نحو لولبي يتكون من دوائر محكومة بطبيعة السرد وموضوعه، رغم الخيط الناظم لهذا السرد المتصاعد من حال القوة إلى حال الضعف والهزال، بدءاً من أواخر عصر الدولة العثمانية، وحلول الانتداب البريطاني، وبدء اجتياح المهاجرين اليهود لفلسطين، وصولاً إلى انسحاب البريطانيين والنكبة وقيام الدولة الغاصبة، وانتهاء بالمشهد الرمزي الذي يتصدر الفصل الثاني عشر والأخير من الرواية، حيث «الطيور المهاجرة»، والمختار الذي «لا يصدق أن أمه تعيش أيامها الأخيرة». فالرواية التي تبدأ من رغبة المختار «منّان» في الرحيل عن «البرية»، ومعارضة والدته صبحا، وتنتهي بالنكبة، تتضمن حيوات شخصيات غادرت الدنيا منذ زمن، ويتم استدعاؤها من خلال حكايات العجوز التي رحلت «تاركة خلفها حكايات».

شخصيات ومكان
وكما أن للشخصيات حضورها، فإن للمكان حضوره، وللحوادث التي مرت بفلسطين حضورها أيضاً. وبما أن الرواية تتناول مكاناً محدداً هو مدينة القدس ومحيطها، بما في ذلك البادية القريبة منها، فقد ارتبط جزء كبير من حوادثها بهذه المدينة، وبما كانت تمثله، منذ مطلع القرن العشرين على الأقل في ما يتعلق ببؤرة الرواية، من أبعاد حضارية متعددة، دينياً (المسجد والكنيسة، وإشارات إلى الوجود اليهودي)، وثقافياً (الأدب والمسرح وفن الطرب، من خلال شعراء بارزين مثل إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود والأديب المربي خليل السكاكيني وسواهم)، واجتماعياً (الحمامات العامة والأسواق القديمة)، وسياسياً من خلال رموز العمل السياسي وقادة الثورات والاعتصامات، واقتصادياً عبر رجال المال. ولكن من دون إغفال لمدينة مثل يافا وشخصيتها ودورها في حياة فلسطين، حيث الحانات والدعارة القادمة مع اليهوديات.
يحفر الكاتب في هذه البنية الغنية، ويقدمها عبر حكايات وحوادث صغيرة ومصيرية، فيعرض الظروف والأحوال التي عاشتها فلسطين في هذه الحقبة الزمنية. يرسم صورة متقدمة للمرأة المناضلة، المسيحية والمسلمة في آن: مسيرة نسائية خرجت في القدس احتجاجاً على سياسة حكومة الانتداب. اتجهت المسيرة إلى مسجد عمر، وهناك ألقت امرأة مسيحية فلسطينية، هي متيل مغنم، كلمة من على منبر المسجد، ثم خرجت المسيرة واتجهت إلى القبر المقدس، وهناك ألقت امرأة مسلمة فلسطينية، هي طرب عبد الهادي، كلمة أمام القبر».
تعبق في الرواية روائح الأمكنة التي يستحضرها الروائي، حيث للمكان البدوي رائحته، الأرض وخيمة المختار والقهوة والخيام وحظيرة الحيوان والخيول والمراعي وبئر الماء والزراعة والحصيدة ولقاءات العشاق على «العين»، وللمدينة (القدس هنا تحديداً) روائح أسواقها القديمة وحوانيتها ومطاعمها ومقاهيها ومساجدها وكنائسها وحاراتها وملابس رجالها ونسائها ووو. هذه عوالم يبدع شقير في استحضارها هنا، كما سبق وأن استحضرها في كتابات نثرية متعددة، لكنها هنا أمكنة تتنفس من خلال البشر والحياة النابضة، بوجوهها المتعددة.
رواية تظل مفتوحة للكثير من القول، فهي تنطوي على الكثير من العلاقات المتشابكة، بحيث تقدم صورة تكاد تكون تفصيلية عن حياة البدو في فلسطين، وخصوصاً في هذا المكان الذي ينتمي إليه الكاتب فعلياً، ولكن من دون الدخول في عوالم السيرة، بل من خلال إعادة بناء لهذا العالم بما يجسد تصور المؤلف ورؤيته، بعيداً عن التنظيرات الجافة. فالحياة هي التي تتحدث هنا، الحياة عبر لغة الناس البسيطة والواقعية والمألوفة، ولكن المصوغة بقدر عال من التكثيف وجماليات الوصف والتصوير والتخييل في آن.
جريدة الحياة/ لندن

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME