فرس العائلة
رواية
محمود شقير
الناشر - دار نوفل
بيروت- 2013



نحن أمام رواية طلائعية تروي قصة المرأة البدوية وحياةَ البداوة في بلادنا. أقول، ولا أبالغ، "طلائعية" لأن المرأة البدوية مغمورة الحقوق وما أخذت قسطها الذي تستحقه من أدبنا المحلي. والبداوة شريحة مهمة من مركبات مجتمعنا، واسعة جدا- أو على الأقل كانت كذلك في الماضي غير البعيد- بقيت مهملة في أدبنا المحلي، إلى أن جاء محمود شقير وعالج الموضوع بكل أمانة ومصداقيةَ في روايته الجديدة "فرس العائلة".
* * *


رواية "فرس العائلة" مكتوبة بلغة تطغى عليها المفردات البسيطة، والجمل غير المعقدة فلا تَقَعُّرَ في كلماتها ولا محسناتٌ لغوية منفّرة في جملها القصيرة. لغة مقتصدة، تختزل الشرط اللغوي إلى أقصى حد ممكن. تذهب، فيما ترمي إليه إلى اللغة الدالة دون محسنات لفظية أو استفاضات زائدة. ( شيء يذكرنا بالسهل الممتنع).
لغة تنساب بسلاسة مع واقع أهلها وبساطة عيشهم. واقع "لا يصطدم بهموم الحياة... وفتياته يقتلهن العشق، في حين الحاضرات يقمن منه بعافية".
على العموم: رواية "فرس العائلة" كتابة سلسة ذكية في بساطتها لكنها قابضة على شروط الرواية وتقنيتها. وتبقى مشاعرها منضبطة غاية الانضباط.
لا يجوز أن نصنّف الرواية كوثيقة تاريخية، علما بأن الرواية ليست التاريخ وليست الوثيقة ولا يجوز في الأدب الروائي مقاربة التاريخ بالرواية، فالإشكالية بينهما قديمة. حيث الأول حقل علمي يستند إلى وثائق ومستندات تدعم وتشرح حوادث واقعية بأدوات وتقنيات بحثية علمية. في حين أن الثاني فنٌ جميل أدواته الخيال يستلهم مادته بشكل انتقائي، كما تقتضيه التقنية الروائية، من واقع تحقّقَ أو يُرغَب في تحقيقه. ويبقى التاريخ مادة خاما للرواية تبني منه بيتها الروائي. وعليه فلا يجوز للرواية التعامل مع شخصية تاريخية كأنها وثيقة أو مستند. لا بد أن تكون الرواية مفارقة، ولو بعض الشيء، لتاريخها وشخوصها.بل إن الالتزام المفرط بالأمانة التاريخية قد لا يتيح للرواية تحقيق الروائية. تعتبر الرواية وثيقة اجتماعية تؤرخ لفضاء إنساني عايشه الشعب الفلسطيني (وخاصة شريحةً منه - البدو) وتشهد على تحولات الزمن الذي تصرف بنا وتصرفنا معه.
وهذا ما حققه محمود شقير بكل أمانة وصدق.
وهي مليئة بالقصص الفرعية المكمّلة، بعضها اغترفه الكاتب من تراثنا الشعبي والبعض ألآخر كان له دور المبدع الخلاق. كل حكاية تفضي إلى ما بعدها في سياق متصل يتنامى حتى النهاية. وللرواية حظ وافر من النوادر المشوقة والشخوص غير الرسمية. ويكاد يستحيل تحديد البطل الفردي، فكانت رواية جماعية. كل شخوصها متجانسة، بسيطة وغير مركبة بلا تعقيد، تروي حياة المجتمع البدوي وما به من بداهة وبساطة وحكمة طبيعية، شذّبها شظف العيش وامتحنتها السنون العجاف فراكمت خبرة اللاحقين فوق خبرة السلف. أو لنقل سطوة البَرَّية وحكمتها. فـ"للبرية أعرافها التي ابتدعها أناس بسطاء".
محمود شقير فنان قدير، بضربة قلمه يُلوّن اللوحة بالأحداث ويسكب فيها الصوت ويمنحها الحركة. عوفيت يا صديقي.
* * *

توالت أحداث، وتغيرت مصائر وتبدلت دول وحكام. والبدوي، كعادته مسالم مساير فهو "لا يمر من قدام حاكم ولا من ورا بغل". لكن ذاكرته طولية فلا يسامح. "قال الضابط التركي أنتم جنكلة فشعر البدوي بإهانة قاسية". فحفظها له أبناء العشيرة وأضمروا له البغض. وهو غير متعجل في أمره، يأخذ ثأره بعد أربعين سنة ويقول "تعجلت".
بدوية، لا تزال تمسك في يمينها عصا المغزل. وفي يسارها حزمة من شعر الماعز. تثبت بين قدميها قاعدة المغزل. تغزل من شعر الماعز الأسود خيوطا دقيقة، قوية. تنسج منها بيتها وفضاءها الإنساني. من هذه المادة نسج لنا محمود شقير فضاء روائي جميل وسرد حكائي بديع. تتشابك أحداث الرواية فيزداد التوتر ويشتد التوهج، ثم تعود وتنتظم خيوطها وتظل تشدنا إلى متعة المتابعة والتلذذ. فتظل حبالها تربطنا بأوتادنا والجذور.
* * *

شيخ العشيرة يجلس تحت خبائه في البرية. يتحلق حوله أفراد القبيلة. سمار وقد عادوا بقطعانهم من المراعي أو فرسان ترجلوا عن صهوات خيل لا تضام. أمامه، نقرة تبعث الدخان من أعواد الحطب المشتعلة. فـ "يمعمس" الحضور عيونهم، لأن الدخان يأتي إلى "الزين". يتوسط النقرة إبريق الشاي ودلة القهوة وقد سودهما السخام.
بدوي أمامه البيد جافية مترامية تظللها سماء مرصعة بلآلئ النجوم. يتنشق طراوة الأرض. و"الريح تقبض على الغيوم من أذيالها لتأخذها إلى شتى البقاع". والغيوم تهرب في الفضاء أمام الريح.
في عزلته الملتهبة يصغي البدوي لخبب الجمال يسوقها حادي على الرمل الأصفر الملتهب. و"كلاب تهر وثغاء جديان وبعبعة تيس هائج يحاول عنزة متمنعة"، وطقطقة أسنان النعاج". وفي الأفق المتخيل، خيال يسرح بعيدا والأفكار تجول وتمرح في الأفق الشاسع. "فضاء مفتوح لا يتوفر إلا في البرية". ولا يبقى للبدوي غير التأمل والتفكر بمكنونات الطبيعة وبما وراءها.
إنها البرية المبتهجة والواحات الساحرة والحكايات المروية تحت الخيام. ليلها الكفيف صب وطرب يغفو على حكايات شهرزاد ويصحو على رباعيات الخيام.
يصحو البدوي باكرا، يشيل الندى على أكتافه. يملأ شبابته بألحانه. تسير قطعانه خلفه. والسماء مشحونة بحمرة حادة تشحب كلما ازداد البياض، ونجمة الصبح تلمع في هذا الضياء الأرجواني، وأسفل هذه النجمة بالكاد يميز الهلال كما لو كان ضربة ريشة فنان خفية. كانت هذه اللوحة تتغير كلما زاد تمعنه بها، وما لبثت ضروب من الإشعاعات الوردية أن انطلقت من مركز واحد، وصعدت من الشرق إلى السماء. تلاشت هذه الألوان والتهبت وتلاشت من جديد، ثم مزجت الشمس التي لاحت في الأفق جميع ألوان السماء في بياض كوني مذهب على نحو رقيق.

إنها لحظة السطوة الرائعة للمشاعر وأثر الروح على الجسد.
يا الهي ما أجمل البرية وما أكبر هيبتها!!
إنها الحكمة الخفية.
قدمها لنا محمود شقير بجسارة ورونق.
بوركت يا صديقي.
* * *

مجتمع بدوي كل أفراده رعاة مواشي وإبل. راعية نعاج، في البرية تعشق راعي إبل. يفترشان العشب النامي. وحينا، في "تلم" الحراثة الحديثة يتنشقان طراوة الأرض البكر ويلعبان لعبة "الالتحام". وفي موسم آخر، يستلقيان وسط "كوم من الكرسنة". يفعل الفلفل الحراق مفعوله عند المتحابين لاسيما في أعضائهم التناسلية الحساسة. هنا يمنحنا الكاتب مشهدية جميلة أسميها "رقصة العراة". فيها كثير من التندر والفكاهة تعصف بخيال القارئ فترتسم عنده، بالذهنية المتخيلة صور... وصور... فلا يستطيع أن يخفي ضحكته المسموعة.
عموما فالرواية مليئة بمشاهد جماع وشبق محموم صاخب جميل تؤدي فنه البدوية بجدارة واقتدار، يقدمه لنا الكاتب باقتضاب وعلى حياء غير مبرر.
وما العيب في ذلك؟ "أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري". و"عشيرة كل رجالها يعبدون الفرج". مجتمع ذكوري رجاله "مثل تيس الغنم الهدود". يمارسون النكاح بفحولة صاخبة، ولا يتركون أرملتهم تشقى في وحدتها "يرمي الرجل عباءته على المترملة حديثا تعبيرا عن رغبته في الزواج منها". حماية المرأة تندغم بحماية الأرض. ونساء يأتيهن الحيض كلما دخل القمر في المحاق. وفي كل ليالي الشهر المتعاقبة، بعد "الحلب"، وأحيانا خلال ذلك، يمارسن الجماع بشهوة متأججة. نساء، بدويات، تنضح شهوة ولذة فردوسية متفلته. حديثهن، وما يشغل بالهن "الحبل والوحام".

طقوس الزواج في مجتمع البداوة بسيطة جدا وسريعة جدا. قال شيخ العشيرة "أنتِ على حجر وأنا على حجر. ردت الفتاة أنا الأنثى وأنت الذكر" في تلك الليلة تمت طقوس الزواج لأكثر من عشرة أزواج.
كذلك في مجتمع البداوة زيجات مبكرة كثيرة. وفيه تعدد للزوجات تشقيهن غَيَْرَةُ الضرائر. كل ذلك تطبيقا لحكمة البرية وقوانينها، كما يقولون: "اللي ما عنده حلال ما لو ضيف. واللي ما عنده كرْم ما لو صيف. واللي ما عنده رجال ما لو سيف". فمن يذود عن شرف العشيرة، ويحمى حماها. من يحمي الأرض والعرض! غير رجالها؟
تلك هي حقيقة البداوة، قدمها لنا محمود شقير في حُلّة قشيبة.
محمود شقير أعاد للبدوية ولمجتمع البداوة، بعضا من تلك الحقوق المسلوبة.
بوركت يا صديقي فأنت دائما من الرواد والطلائعيين.
* * *

وأكاد أقول أن رواية "فرس العائلة" فيها تجديد محمود، على الرواية المحلية، من حيث أنها أعادت لنا حقيقة أننا "شعب"، ككل الشعوب، أو على الأقل ككل شعوب العالم الثالث. لم تبخل الرواية في إظهار نواقص المجتمع، والكشف بكل جرأة عن عيوبهِ. عارهِ وعاداتهِ القبيحة وسلوكِ أفراده المشين، ومعتقداتِهم السخيفة.
نحن مجتمع حي يتفاعل فيه سفهاء مع عقلاء، كما في كل المجتمعات الطبيعية.
عندنا من أمجاد الماضي ما نجتره ونتشدق به دائما. لكن عندنا الكثير من واقع الحاضر الحزين البائس المنغّص. فينا الفضيلة والرذيلة. القوي والضعيف. المخلص والخائن. الثائر والمهادن. الفاسق والتقي. نحن من لحم ودم فينا الخير والشر. فينا السارق والمارق والمتسلق. فينا ما يكفينا ويزيد من عثرات الدهر ومصائب الزمان. وفينا...وفينا...
فلماذا أدبنا المحلي، وباستمرار، تغاضى عن النقيصة فينا؟ كأننا شعب الطهارة والنبالة والرجولة فقط. أصحيح أننا أبرياء من النذالة؟ من الفسق؟ من الذميمة؟ من أللعنة؟ من القبيحة؟.... أم أننا نرتاح حينما نطوي كل ذلك تحت البساط كأن لم يكن؟
ما هذه الكذبة الفاجرة والطامة الكبرى؟ ما هذا الحب النرجسي الغريب العجيب الذي يشوه أدبنا؟ و"من الحب ما قتل".
هل يعقل ذلك!! وهل، بمثل هذا يكون الأدب صادقا وواقعيا يعبر عن حقيقة المجتمع بشرف وأمانة وإخلاص!! عندما يُجّرد الأدب من أمانته، أو يبيع شرفه أو يهجر إخلاصه. عندها يصبح دعاية انتخابية رخيصة لتسويق فكرة تافهة...
محمود شقير، في روايته الجديدة "فرس العائلة" أعادنا إلى حظيرة الشعوب الطبيعية. هز مسلماتنا البالية وخض سلوكنا الأدبي المتجاهل لعيوبنا المقصي لنواقصنا، تماما كما نمارس في حياتنا السياسية إقصاء المغاير وتجاهل الرأي الآخر. هل كلنا أنقياء أتقياء وبررة!!
محمود شقير في روايته الجديدة "فرس العائلة" أنقذنا من حبنا النرجسي الموغل في أدبنا.
رد لنا بضاعتنا المنهوبة ومنتجنا المسلوب. وأوقفنا على أرض الواقع.
وعلى هذا يستحق الثناء والحمد كثيراً.
* * *
نشهد في رواية "فرس العائلة" رحيل المستعمر التركي عن ربوع بلادنا بعد أن كرس فينا الأمية وزرع الجهل والفرقة. لكن أحداث الرواية، الرئيسة، تأتي لنعيش مرارتها وشقاءها زمن الانتداب البريطاني، وارثِ البلاد وسيدِها الجديد. محنة الشعب، مع الوالي الجديد، مضاعفة. مَرَةً كمستعمر ينهب خيراتنا ويذل شعبنا ويعيق تطورنا، ومَرَةً كحاضنة لتفريخ أعدائنا – الصهيونية وذراعها الوكالة اليهودية- وراعيا لمشروع تهجيرنا واقتلاعنا عن هذا الوطن."وطّاف، زوج مروادة بطل وشجاع وعاشق كبير قتلته رصاصة صهيوني".

في هذا السياق نتعرف ونتذكر تاريخنا ومحنة شعبنا. تحدثنا الرواية عن تململ شديد في جميع المدن الفلسطينية. عن قرى عديدة ومضارب بدو نالها بطش الإنجليز وجشع الأعداء. وعن مظاهرات في يافا. عن هبّة البُراق. عن استشهاد شيخ معمم ورفاقه البررة. وما أعقب ذلك من عصيان الـ 36 وبطش الإنجليز. عن سجن عكا، عرين الثوار. (يوسف، ابن المختار أصبح شيوعيا مناضلا يسجن في سجن عكا. رآه أخوه التقي، محمد الصغير يركب فرس العائلة وهو من نور ونار). عن بيوع الأرض ونهم الوكالة اليهودية للوطن. عن زعامات ملتبسة في مسؤولياتها ونخب تتنازعها خيارات متضاربة....

نلتقي مع نخبة من رواد الحركة السياسية ورواد الحركة الأدبية في تلك الحقبة. نلتقي مع قصائد الشاعر إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، عبد الكريم الكرمي- أبو سَلْمى... ومن النخب السياسية الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، فؤاد نصار أحد أقطاب عصبة التحرر الوطني، عوني عبد الهادي مؤسس حزب الاستقلال الفلسطيني، جمال الحسيني مؤسس الحزب العربي.
ومن القادة العسكريين عبد القادر الحسيني والشيخ المعمم عز الدين القسام، عبد الغني حيمور قائد فصيل عرب العبيدية، محمود أبو دهيم قائد فصيل عرب السواحرة، الشيخ عيسى أبو قدوم قائد فصيل عرب التعامرة، وجاد الله الخطيب قائد فصيل صورباهر.
ونلتقي برجالات فكر لعبوا دورا هاما على الساحة الفلسطينية آن ذاك، مثل بندلي الجوزي واهتمامه الشديد بالحركات الاجتماعية في الإسلام، واصف جوهرية مغني وعازف عود ومؤسس جمعيات خيرية من المسلمين والمسيحيين، إسعاف النشاشيبي لغوي مشهور، خليل السكاكيني وولهه لزوجته سلطانة، عارف العارف. ونساء من مثيلات: متيل مغنم وطرب عبد الهادي.
كما لا تهمل الرواية عشائر البدو التي سكنت أكناف القدس: عشيرة المطالقة، عشيرة عبد اللات، عشيرة الرواجفة، عشيرة الفرارجة، عشيرة الرماضنة، عشيرة السراوخة، عشيرة العبيدية، عشيرة التعامرة، عشيرة الشقيرات التي اشترت أرضا حول مقر المندوب السامي.
تلك لفتة تاريخية لها دلالاتها التثقيفية الحميدة.

الرواية مماهية للتيمة الأساس وهي الوطن/فلسطين. كعادة الكاتب، فهو بعيد عن المباشرة والمباشر- وهذا جيد وضروري للرواية-. رغم ذلك فرائحة الوطن ومكابدة أهلة تبقى غزيرة فواحة. فها هي القدس تظهر ببهائها وجلالها ومحنتها، تتكرر- كمدينة يسكنها ويتاجر في أسواقها مسلمون ومسيحيون ويهود. فهي حاضرة بوفرة من السرد وقد عرف الكاتب كيف يظهر ذلك الحضور الراقي ابن دهور من الحضارة والعادات الجميلة. "قديش الها هيبة القدس". ما أجمل هذا التعبير!!

* * *

قالت صبحا، وهي راوية العشيرة "ما ظل عندي حكي". "هالحين أجا دورك – يا وضحاء-". "هاتوا لي فرس العيلة. بدي فر...س... العي..."
وماتت....
الإنسان يموت عندما تنتهي مهمته في الحياة.
السلف الصالح، قبل رحيله، يسلم للاحق راية المشوار.
ورثنا الذاكرة عن أهل خافوا علينا من النسيان. فغنينا المجد على أوتار الفقد والحرمان.
قدرنا أن نكمل حياة الآخرين. لا كما نريدها نحن فحسب. بل كما أرادها الذين حملونا عبء "القضية".
إن ميراث الألم يتعمق ويزداد مرارة عندما ينتقل من جيل إلى جيل...
نهاية رواية موفقة ومقنعة.
أحسنت يا صديقي.
* * *

هناك بعض الملاحظات، ليست بذي بال كبير وهي لا تؤثر على المتن ولا تشوه النص، إلا أن الذوق الأدبي يمجها. وهي، بلا شك هفوة من الكاتب وليست عارا عليه. مثل تلك الملاحظات نجدها، على سبيل المثال في ص 195 "إحدى هذه المفارقات وقعت وهما يحصدان الكرسنة التي تقدمها مرجانة طعاما للماعز والنعاج".
علما بأن الكرسنة من فصيلة القطانة. والقطانة لا تحصد، بل تحلش حلشا، حليشة، وفي العادة تتم عملية الحليشة في الصباح الباكر، قبل تطاير الندى، (على عكس حصاد القمح والشعير الذي يتم في عز الظهيرة لحظة اشتداد الحر) وذلك حرصا من الفلاح كي لا تقع الحبوب من أجراسها.
ثم أن حبة الكرسنة قاسية جدا وأسنان الماعز والنعاج غير قادرة على هرسها ومضغها. لأجل ذلك فهي تقدم للمواشي مجروشة. في حين أنها تقدم علفا للحمير والبغال والخيل والبقر بدون جرش، نظرا لضخامة أسنان تلك الحيوانات وقوتها على تكسير حبة الكرسنة شديدة الصلابة.
فكيف غابت تلك الحالة عن بال كاتبنا؟

رغم أن "فرس العائلة" تحكي قصة بدوية إلا أن صورة الغلاف جاءت لامرأة قمحية اللون تميل للشقار، مهذبة الحواجب ذات أهداب غير طويلة وغير غزيرة. لكن صاحبتها- على الغلاف- تعتني بها وترعاها. ثم أن المرأة تعتمر منديلا أحمر زاهيا له أهداب كروية، وليس خمارا أسود، كعادة البدويات.
تلك الصورة ذكرتني بما كان من نقاش قديم بين الناقد مارون عبود والشاعر نزار قباني حول الشعر الحديث. حيث عارض الأول نهج الثاني معيبا عليه حداثته وابتعاده عن القصيدة التقليدية.
يومها رد نزار قباني على مارون عبود. قال:
تخيل، يا صديقي أننا قلنا "يا دار جانين بالعلياء فالسند / أقوت وطال عليها سالف الأمد" ألا تشعر أننا جلبنا تلك الباريسية الناعمة الرقيقة إلى الصحراء العربية وتركناها تسير على رمالها تحت وهج الشمس وشدة حرارتها فتتقرح رجلاها وتتشقق نضارة الخدود؟
هذه متطلبات الشعر الحديث واحتياجاته.
أما مارون عبود فقد صمت مفحما.
بالطبع ليست هناك مقاربة أو شبه بين الحالتين. فالحالة الأولى مجرد فاتحة كتاب. أما الحالة الثانية فهي نهج أدبي يعايش الحداثة ومتطلبات الأدب الحديثة. لكنها تداعيات أفكار تعبر عن عدم انسجام المشهد واختلال الذوق وعدم انسجام الصورة مع المتن. فكأننا أمام مشهد على خشبة المسرح يؤدي فيه دور الشحاذ ممثل في خنصره فص من الماس.
كلا الأمرين ثقيل بغيض منفر.
على كل حال فصورة غلاف الكتاب ليست من اختصاص الكاتب ولا من مسؤولياته. إنها من مسؤوليات دار النشر. لكن الأمر ينفر الذائقة الأدبية ويشوه المشهدية الروائية. كان حري بالكتاب أن يحمل وجه البدوية الأسمر وقد شققته خشونة العيش فلفته صاحبته بخمار أسود.
تؤكد الرواية أن لا بيوت حجر في مضارب العشيرة، بل بيوت شعر. وهذا شيء طبيعي جدا. مع ذلك، "فمنان بنى بيتا لزوجته الجديدة قريبا من بيت زوجته القديمة؟؟؟ أم نصب بيت شعر. ص 148

ثم هل يوجد لبيت الشعر ردن؟ أم هو "شِقّ"؟ فالرِدْن ملبس أما الشق فهو غطاء باب الشعر أو الفاصل بين أقسامه.
أستذكر بهذه المناسبة حب البدوي لكل شيء طعمه حلو. قال بدوي لرفيقه "ويلي ما حلا الحلاوة". رد صاحبه، مستهجنا "ولي... كليتها؟". قال "لا. عبد من عبيد خوال خالي دقم ردنه بردن إلّي كلاها". إذاً فالرّدن ملبس.

يصف لنا الكاتب إفطارا لبدوي: قلاية بندورة، زيت زيتون. أين اللبن والقريشة؟ وأين الزبدة والسكر فيها؟ وأين البيض المقلي بالزبدة أو السمن؟ وأين العصيدة والسمن؟

أعود وأكرر أن هذه الملاحظات، ليست بذي بال كبير وهي لا تؤثر على المتن ولا تشوه النص.
* * *

في النهاية. أضم صوتي إلى من قال:
"إنها رواية قادرة على بناء العالم، بما يعنيه عالم الرواية المفتوح على التجديد بكل تشابكاته كبناء فني وعوالم واسعة عامرة بالحياة".
بورك محمود شقير.
هنيئا ومتعة للقارئ...

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME