طويلة هي قائمة المشاهير الذين استحضرتهم في قصصي وجعلتهم يزورون فلسطين، أو جعلتهم يمتّون بصلة إلى بعض الفلسطينيين، ومنهم عمّي الكبير.
ذلك أنّني حينما عدت من المنفى القسري وجدت أبناء شعبي مكبّلين بقيود احتلال طال واستطال، ثم أتبع قيوده بالحواجز العسكرية الثابتة التي تنتشر في شوارعنا على نحو ذميم.
فلم أجد وسيلة لدفع الأذى النفسي الناتج عن هذه الحواجز سوى السخرية من محتلّين لا يقيمون للمشاعر الإنسانية وزنًا. قلت: ما دام الفلسطيني يواجه عراقيل كثيرة أثناء السفر داخل بلاده وخارجها، فسوف أحضر له نجوم السينما والغناء والرياضة والسياسة وعرض الازياء لتعويضه عمّا هو فيه.


أحضرتُ لاعب كرة القدم البرازيلي رونالدو. جعلته صديقًا لسائق سيارة أجرة اسمه كاظم علي، مغرم بالرياضة وبرونالدو بالذات. وجعلته يحجز المقعد الأمامي في سيارته لرونالدو الذي سيأتي هو وزوجته (وهي لاعبة كرة قدم أيضًا) وطفلهما، للإقامة شهرين في بيته. بالطبع، راجت شائعات غير قليلة ضدّ كاظم علي، وتعرّض لعقوبة من أبناء عائلته، فلم يرتدع وظلّ يحجز المقعد الأمامي في سيارته لرونالدو الذي لا يجيء.
لكنّه جاء. جاء إلى فلسطين، وحلّ ضيفًا لا على كاظم علي، وإنما على الهيئة الفلسطينية المعنيّة بشؤون الرياضة والرياضيّين. يومها، هاتفني أحد الأصدقاء ممن قرأوا قصتي: مقعد رونالدو، وقال لي: إن نبوءتك تحققت، وها هو ذا رونالدو يأتي إلى فلسطين، ليعلن تعاطفه مع شعبها الذي يعاني من عسف المحتلّين.
فتحمّستُ وجعلت شاكيرا، المغنية الكولومبية من أصل لبناني واحدة من بنات عائلتي، وراح عمّي الكبير يتباهى أمام الناس بحقيقة أنها تمتلك قصرًا في إسبانيا، تقضي فيه شهرًا أو شهرين كلّ سنة، وهو ينوي السفر إلى هناك لزيارتها وللإقامة في القصر بضعة أسابيع.
والصحيح، أنّ هذه العلاقة بشاكيرا تعود في جذرها الأساس إلى هزيمة حزيران 1967، فحينما جاء موظفو الاحتلال إلى حيّنا، حيّ الشقيرات، لإحصاء السكّان بعد الهزيمة، سألونا عن اسم الحامولة فقلنا: شقيرات، وكانوا يقصدون العائلة، فأصبح اسمي وفقًا لذلك الإحصاء: محمود شقيرات، والإسرائيليون المحتلّون يلفظونه: محمود شاكيرات.
قلت لنفسي بعد أن أصبح اسم شاكيرا على كلّ لسان: جاءت اللحظة المواتية، فانتقيت لقصّتي بطلاً حرصت على ألا يشبه اسمه أيّ اسم في العشيرة، جعلت اسمه: طلحة شاكيرات (اكتشفت بعد نشر القصّة وجود شابّ في العشيرة له هذا الاسم)، وجعلته يعمل موظّفًا في مؤسسة غير حكومية، وهو لذلك بارع في نسج العلاقات العامة. جعلته يذهب إلى مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية في القدس، الذي كان المقدسيّون ينتظرون على بابه أشهرًا طويلة قبل الظفر بفرصة لتجديد الهوية أو وثيقة السفر. هناك، كان حارس المكتب الإسرائيلي الذي يفتح باب المكتب للمراجعين، واحدًا من محبي الغناء ومن عشّاق شاكيرا.
فلمّا نادى على ابن عمي طلحة لكي يدخل المكتب (بعد وساطة من أحد المسؤولين الإسرائيليين)، وكرّر النداء: طلحة شاكيرات، انتبه إلى ما في اسم ابن عمّي من احتمالات، سأله: هل تعرف شاكيرا؟ قال له ابن عمي اللبق في مثل هذه الحالات: إنها إحدى بنات العائلة.
ووعده بأنْ يحضر له بعض أغانيها مسجّلة على ديسكات.
ولم "تزبط" أمور الفهلوة مع ابن عمّي، صدّه الحارس ذات مرّة على نحو مهين.
ولم تعد شاكيرا ابنة عمّي بعد قدومها إلى القدس ضيفة على المحتلّين. جاءت إليهم وأبدت إعجابها بهم، ولم تلتفت مجرّد التفاتة إلى شعب آخر يعاني من فداحة العدوان.
كانت تلك سقطة منها غير متوقّعة. ورغم ذلك، فإنّ تعديلها لمصلحة الحق والحقيقة أفضل من التحيّز للطغيان.
الحياة الجديدة/ 23 / 1 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME