منذ سنتين تقريبًا ابتدأت علاقتي بالفيسبوك.
لم أكن أتوقّع أنّني سأمكث كلّ هذا الوقت بصحبة الفيسبوك. كنت اشتركتُ سابقًا في عدد من المواقع الإلكترونية، أنشر فيها قصصًا ومقالات. وكنت لا ألبث أن يصيبني الملل فأغادرها، والحقّ ليس على هذه المواقع التي احتفت بي وبما أكتب، لكنّه مزاجي الذي لا يحتمل هذا الروتين المتكرّر كلّ صباح وكلّ مساء.


وفي لحظة ما، بعد مشاركتي في الفيسبوك بأشهر، فكّرت بمغادرته إلى غير رجعة، لأنّه التهم جزءًا غير قليل من وقتي، وجاء هذا على حساب اهتمامي بالكتاب الورقي وبالمجلّة وبالصحيفة، ولأنّ التفاعل الحقيقي على صفحات الفيسبوك بين الآراء والاجتهادات المختلفة غير متوافر إلى حدّ كبير. قلت: أتوقّف عن النشر فيه وأكتفي بتخصيص نصف ساعة يوميًّا لمتابعة بعض ما ينُشر فيه. وقد شرعت في ذلك، ومرّت أشهر وأنا لا أنشر شيئًا من كتاباتي ولا أعلّق على ما أقرأ، حتى لاحظ ذلك بعض الاصدقاء والصديقات، وتَمّ توجيه سؤال إلي: لماذا لا تنشر نصوصًا في صفحتك؟ قلت: لم أعد راغبًا في النشر، ربّما لأنّه يتعذّر الوصول إلى حالة من الحوار الموضوعي الناضج، وبما يخدم تطوير حراك ثقافي وآخر سياسي نحن بأشدّ الحاجة إليهما.
وحينما اندلعت ثورات الربيع العربي، التي قادها شباب وشابات ليست لديهم برامج سياسية محدّدة، وجدت أنّ للفيسبوك جدوى لا يمكن إنكارها، فقد أسهم في تجميع صفوف الشباب والشابات، وسهّل عليهم تبادل الآراء في ما بينهم، ودفعهم للنزول إلى الشوارع وإشعال الشرارة الأولى التي التقطتها الجماهير المتعطّشة للعدالة الاجتماعية وللحرية والكرامة والديمقراطية، ومن ثم للثورة على الحكّام المستبدّين الفاسدين، لإسقاطهم تمهيدًا للتخلّص من إرث أنظمتهم البالي الثقيل.
فلما وجدت أنّ للفيسبوك دورًا لا يمكن إنكاره في هذا الشأن، أيقنت أنّ مغادرته لا تقع في باب تشجيع الظواهر الإيجابية، فآثرت البقاء وعدت إلى ممارسة نشاطي الكتابي في الأدب بشكل أوضح وفي السياسة على نحو أقل، متوخّيًا الإيجاز ما أمكن، لإحساسي بأنّ قرّاء الفيسبوك لا يُقبلون على قراءة النصوص الطويلة، لأسباب قد تكون كامنة في طبيعة هذه الأداة التواصلية نفسها.
ومع الوقت، ازداد انهماكي في الكتابة وفي قراءة ما يكتبه الأصدقاء والصديقات هناك، ورحت أحقّق متعة لا يستهان بها من بعض ما أقرأ. كما أنّني استعدت تواصلي مع صديقات وأصدقاء باعدت بيني وبينهم المسافات، ومنعتني هيمنة الاحتلال الإسرائيلي على القدس، حيث أعيش، من التواصل معهم، فقام الفيسبوك بجسر هذه الهوّة التي أوجدها الاحتلال وفرضها علينا بشتى الوسائل والأشكال.
ومع ذلك، ثمة سؤال: هل ينفع الاستغراق في الفيسبوك بحيث يستهلك ثلاث ساعات أو أربع ساعات من وقت الإنسان كلّ يوم؟ قد أفهم تسهيله الفرصة أمام الكتّاب الشباب والكاتبات الشابّات للتعبير عمّا في نفوسهم ونفوسهن، وللتمرّس على الكتابة، وللاحتكاك بكتّاب متمرّسين وكاتبات، وللتعلّم من تجاربهم وللاستفادة من خبراتهم ومن نصائحهم. وقد أفهم أن يقوم قرّاء عاديّون ومثقّفون غير ممارسين للكتابة بالتعبير عن آرائهم في شتّى القضايا، وهذا أمر نافع في كلّ الأحوال.
لكنّني لا أفهم ولا أستسيغ أن يلتهم الفيسبوك الوقت المخصّص للكتاب الورقي وللمجلّة وللصحيفة. كنت قبل الانهماك في عالم الفيسبوك أقرأ ما معدّله عشرة كتب في الشهر. الآن، انخفضت الحصيلة إلى خمسة كتب، وهذا أمر لا يريحني أبدًا.
ما يعني أنّ ثمة ضرورة لإحداث توازن ما بين الفيسبوك وبين قراءة الكتب، فالكتب الجيّدة هي الأساس، وفيها نعثر على ما يمكث في الأرض وينفع الناس.
الحياة الجديدة/ 16 / 1 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME