كلّما هممت بالكتابة الأسبوعية المنتظمة لصحيفة يوميّة اعتراني همّ وقلق.
وكنت أعتقد أنّني لن أشغل نفسي بعد هذا العمر، بالكتابة المنتظمة للصحف. لكنّ هاتف الصديق يحيى يخلف جعلني أعيد النظر في حساباتي، وهأنذا أعاود الدخول في التجربة.


تلك هي التجربة الرابعة خلال السنوات الخمسين الماضية. أولاها كانت في "الجهاد" المقدسية. كان ذلك في العام 1965 ، وكان عمري آنذاك أربعة وعشرين عامًا. وكنت أكتب مقالة أسبوعية في زاوية على الصفحة الأخيرة من الصحيفة (الصفحة الأخيرة كانت هي الرابعة أو السادسة في بعض الأحيان) عنوانها "أسبوعيات الجهاد"، يتناوب على الكتابة فيها عدد من الصحافيين والكتّاب، بينهم رئيس تحرير الصحيفة آنذاك المرحوم "سليم الشريف. وقد استمرّ نشاطي الكتابيّ هذا مدّة عامين أو أقلّ قليلاً. وكان فيه شحذٌ لقلمي في سنيّ الشباب. كان فيه أيضًا انزياح مؤقّت غير مقصود عن كتابة القصة القصيرة التي كانت ميداني المفضّل في تلك السنوات وإلى سنوات طويلة لاحقة.
وكانت التجربة الثانية على صفحات "الأخبار" الأردنية. كنت أكتب زاوية يومية، أوليتها في البداية اهتمامًا أكيدًا، وكان أغلب ما أكتبه فيها مكرّسًا للسياسة التي استأثرت بجزء كبير من وقتي وأنا أعيش سنواتي الأولى في المنفى، ثم لم أعد أولي هذه الزاوية اهتمامًا كافيًا. صرت أكتب المقالة السياسية بسرعة ومن دون احتفاء بها أو تدقيق لها. وما كان ينبغي عليّ أن أقوم بذلك. كان الأجدر بي أن أتوقّف عن إشغال تلك الزاوية اليومية ما دمت لم أعد مكترثًا بها إلى الحدّ المطلوب.
التجربة الثالثة كانت على صفحات "الرأي" الأردنية. صباح كلّ أحد كانت لي مقالة على الصفحة الأخيرة فيها (ربما كانت الصفحة 24 أو أكثر من ذلك في بعض الأحيان)، وقد داومت على إشغالها من العام 1991 حتى العام 1993 . وكانت آخر مقالة كتبتها للصحيفة ليلة عودتي إلى القدس، بعد ثمانية عشر عامًا من النفي القسري. أثناء كتابتي فيها، وطوال ما يزيد عن عامين، كتبت في السياسة وفي الأدب وفي بعض الموضوعات الاجتماعية.
وأما التجربة الرابعة فكانت على صفحات "القدس"، وهي الوريثة الشرعية لصحيفة "الجهاد" التي ابتدأتُ منها مشواري مع الصحافة. وكان ذلك في العام 2006 . كتبت مقالة أسبوعية طوال ستة أشهر. وقد ابتدأت مقالتي الأولى فيها بأن أشرتُ إلى علاقتي السابقة ب"الجهاد"، ثم وضعت أمام القرّاء ما يشبه خطوطًا عامّة لبرنامج سألتزم بتنفيذه. اعتبرت ذلك تمهيدًا لا بدّ منه لكي أقدّم نفسي لهم، فلست أستوعب الدخول المفاجئ على خطّ الكتابة من دون تنويهٍ ما، ولو سريع، للعلاقة الفكرية أو الأدبية أو السياسية التي ستنشأ بيني وبين القراء. وعدتهم بأنّني سأكتب في السياسة لأنّها خبزنا اليومي، وسأكتب في الأدب لأنّه غذاء الروح، ولأنّه من أهمّ العناصر المكوّنة لهويّتنا الوطنية، وسأحاول التعريج على الكتابة الساخرة، وهي من أصعب أجناس الكتابة، وبخاصّة في زمن الاحتلال وتهويد القدس والاستيطان.
وللأسف، فإنّني لم أواصل الكتابة في جريدة "القدس"، لأنّني أضيق ذرعًا بالكتابة التي لها ميقات معلوم. كنت وعدت الصديق يحيى يخلف بأنّني سأرسل مقالتي إليه مساء الإثنين. بقيت ألوب حول الحاسوب طوال ساعات المساء حتى وفّيت بوعدي. ومن الآن وإلى إشعار آخر، سأجد نفسي مساء كلّ إثنين أمام التزام لا بدّ من تأديته على النحو الصحيح.
وسأبذل كلّ جهد متاح للانتظام في الكتابة الأسبوعية أطول فترة ممكنة، ولتنفيذ البرنامج المنوّه عنه أعلاه ما أمكنني ذلك، وكلّ التقدير لقارئات "الحياة الجديدة" ولقرّائها الأوفياء.
الحياة الجديدة/ 9 / 1 / 2013

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME