وقفة مع "قطّوطة في المدرسة وقصص أخرى"
فراس حج محمد/ فلسطين
صدر عن جمعية الزيزفونة الفلسطينية هذا العام 2012، مجموعة قصصية للأطفال للكاتب الفلسطيني محمود شقير* بعنوان "قطوطة في المدرسة وقصص أخرى"، وتتألف المجموعة من ثماني قصص قصيرة، مصوغة بلغة سهلة وسلسة ومناسبة للأطفال، وقد ترافق مع كل قصة صورة تعبر عن مضمون القصة وتنم عن موضوعها، وقد راعت عنصر الجاذبية والتشويق بدءا من الشكل الخارجي للكتاب الذي ضم المجموعة القصصية وانتهاء بالصور التعبيرية الداخلية، مرورا بالنصوص الثمانية القصيرة، التي لم يحتل كل نص منها سوى صفحة واحدة.


لقد عرضت القصص موضوعها عاكسة خبرة كاتب متميز في الكتابة للأطفال والكبار، وله العديد من المجموعات القصصية، فقد أفرغ الكاتب محمود شقير تلك الخبرة في هذا العمل الإبداعي متخذا من القط ذلك الحيوان الأليف بطلا لهذه المجموعة، هذا الحيوان الأليف الذي يحبه الأطفال، ولهم معه حكايات ظريفة وممتعة.
تشكل قصص هذه المجموعة قصة واحدة بمشاهد ثمانية، فليست قصصا من هنا وهناك تجمعها دفتا كتاب واحد، بل إن القارئ ليشعر بالتسلسل في الأحداث مع كل قصة، فأبطال القصص الثماني هم هم لم يتغيروا، لترسم كل قصة موقفا لذينك الأخوين (أدهم، وفدوى) مع قطتهما الظريفة، بدءاً من القصة الأولى "صداقة دائمة" وحتى آخر القصص "رقص في ساحة الدار"، فتشارك قطوطة الأخوين في أنشطة حياتهما اليومية، وحتى أنها تذهب إلى المدرسة، وإلى المسبح وتلعب الكرة، إنها فعلا صديقة ومحبة للحياة، ويصدر عنها ذلك المرح الطفولي الجميل الذي يتحلى به الأطفال.
لم تقتصر تلك القصص على أن تقدم للطفل مشاهد طفولية بريئة من فرح ودعابة لطيفة، بل حملت كثيرا من الرسائل القيمية التعليمية ما يجعلها أمثلة حية لنماذج تعليمية مميزة، ففي كل المشاهد القصصية نرى الروح الجماعية، والبعد عن الأنانية، وقد وجد هذا في كل المشاهد الثمانية، منذ اتفاقهما على أن تكون قطوطة صديقة مشتركة في القصة الأولى، وحتى الرقص في ساحة الدار حيث الجد والجدة والطفلان والقطة يشاركون برقصة جماعية في القصة الأخيرة.
وعدا ذلك تحفل هذه المجموعة القصصية بقيم مجتمعية مهمة، تعرف الطالب بها بعيدا عن الوعظ المباشر والتلقين الفجّ، من مثل احترام مشاعر الآخرين، وعدم إيذاء الجيران، والصبر والأناة وتحمل المسؤولية، والاهتمام بالشأن العام والقضايا المجتمعية الكبرى، وغيرها الكثير.
ولم تهمل هذه المشاهد الهم الفلسطيني العام، فقد تناولت موضوعا من أهم الموضوعات السياسية في فلسطين، إنها قضية الأسرى التي خصص لها الكاتب قصة "إضراب عن الطعام"، فيعبر الطفلان مع قطتهما وأسرتهما وأهل البلدة عن تضامنهما، فيعلنون جميعا امتناعهم عن الطعام تعاطفا مع هذه القضية الإنسانية الكبرى، والتي بلا شك كان لها وما زال تداعيات نفسية كبيرة على أطفال فلسطين، فكثير من أطفالنا قد حرموا رؤية آبائهم أو أمهاتهم حتى، لأنهم يقبعون وراء القضبان ثمنا لحرية مرتقبة وانتصارا لقضية عادلة.
ومن المواقف الإنسانية التي أحب أن أشير إليها، وقد وقفت عندها هذه القصص قصة "هدايا العيد"، وهي تتحدث عن تفكير أدهم وأخته فدوى بإحضار هدية لأمهما في عيد المرأة الذي يصادف في الثامن من آذار، فيقرر كل منهما تقديم هدية لا تحتاج إلى نقود، يذهبان لأمهما ويطبع كل واحد منهما قُبلة على خدها، قائليْن: كل عام وأنت بخير.
إنها أعظم هدية، لأنها عظيمة في دلالتها وتعبيريّتها، وتحمل رسالة للصغير وللكبير على حد سواء، إن هناك هدايا فعلا لا تحتاج إلى نقود، فعندنا المشاعر والكلام الصادق النابع من القلب أفضل من كل الهدايا التي قد يشكل عدم الحصول عليها حاجزا للتعبير في اللحظة المناسبة عما يجب أن نعبر عنه، إن ثمة أشياء من حولنا لا تكلف كثيرا، ماذا لو انتبهنا لها لتحمل بعض رسائلنا لمن نحب!!
لقد استمتعت بقراءة هذه المجموعة القصصية المتميزة فعلا لكاتب مرموق، آملا أن تجد هذه القصص قبولا عند طلابنا الأعزاء وعند الأهل والمعلمين والمهتمين والتربويين عموما، ويجب أن لا ننسى دور القصص والحكايات في صوغ نفسية الطالب، بل إن هذا الأسلوب أسلوب ضروري تعليمي وحياتي، ويكفي للدلالة على أهميته أن القرآن الكريم قد استخدمه ووظفه في أمور جليلة ومصيرية، فما بالنا ننشغل عنه ولا نعطيه أهمية؟ فلنتدبر ذلك جميعا ونتأمله، جعلت فداءكم!!
عن مجلة الزيزفونة/ رام الله/ فلسطين 2012

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME