تعرّفت إلى ليانة بدر حينما كانت تلميذة على مقاعد الدراسة الإعدادية. كان والدها الدكتور عبد الرحيم بدر دائم التردّد على مقرّ مجلّة الأفق الجديد المقدسية، بصفة كونه واحدًا من كتّابها. يأتي من أريحا إلى القدس، ونلتقي في مكتب الشاعر أمين شنار، رئيس تحرير الأفق، وتكون لنا أحاديث شتى حول الشعر والقصة والرواية، وكذلك حول علم الفلك الذي كان للدكتور بدر إسهام بارز فيه من خلال كتابيه: الكون الأحدب، ودروب السماء.

وذات مرّة جاء إلى القدس وبرفقته ابنته ليانة، التي بدت منذ نشأتها الأولى مهتمّة بالأدب وبالموسيقى وبالسينما. كانت وهي فتاة يافعة تتحدّث في شؤون الثقافة مثل الكبار، وأذكر أن والدها دعاني في ذلك المساء للذهاب معهما إلى رام الله لحضور فيلم اسمه "ماري بوبينز" وهو من أشهر أفلام والت ديزني، وتلعب دور البطولة فيه الممثلة جولي آندروز التي مثّلت دور مربّية أطفال مدهشة.
بعد ذلك اللقاء، نشرتُ أوّل قصة قصيرة لليانة بدر في الصفحة الثقافية التي كنت أشرف عليها في صحيفة الجهاد المقدسيّة، ثم توالت كتاباتها في القصة القصيرة وفي الرواية وفي المقالة الأدبية والسياسية وقصص الأطفال والنصوص الشعرية. ومنذ عقدين من الزمن أبدت اهتمامًا خاصًّا بالسينما وأخرجت عددًا من الأفلام الوثائقيّة، كان آخرها "القدس مدينتي".
تنقّلت ليانة بدر في مدن عدّة، بدءًا من القدس وأريحا، مرورًا بعمان وبيروت ودمشق وتونس، وانتهاء برام الله التي عادت إليها في العام 1994 وما زالت تعيش فيها حتى الآن.
إن نظرة على قصص ليانة بدر ورواياتها تكشف لنا مقدارًا غير قليل من تفاصيل هذا الشريط الطويل من الحياة غير المستقرّة التي عاشتها الكاتبة، بحيث ظلّ الهمّ العام شغلها الشاغل، دون أن تغادر همّها الخاص، بل إنها استطاعت أن تمزج الهمّين معًا بطريقة مقنعة في كثير من الحالات، وكانت اللغة الشاعريّة التي تعتني بها ليانة بدر أيما اعتناء، تلك اللغة التي لاحظناها منذ روايتها الأولى "بوصلة من أجل عبّاد الشمس" هي التي تأخذ قصصها ورواياتها إلى مناخات جديدة يغيب منها الشعار المباشر ويحضر الحس الإنساني المرهف والرؤية الفكريّة الصائبة.
ولعلّ وقفة عند "نجوم أريحا" تلقي إضاءة على ما نقول، حيث تتحدّث الرواية عن الوطن من موقع المنفى، ولا تتحدّث عن المنفى إلا بقدر ما يسهم في إثارة الشوق الداهم الى الوطن، وحيث تتخذ من مدينة أريحا بكلّ ما تعنيه من جغرافيا وبشر وأنماط سلوك وحياة، ومن طبيعة وطقس ونبات، البؤرة التي تتمحور من حولها رؤى الكاتبة وأشواقُها وتطلّعاتها وحاجتها الى الوطن، عبر رصدها المتشعّب للتفاصيل الحميمة، وتصويرها للأمكنة وللناس على نحو فيه تميّز وحسن أداء.
وإلى جانب تقديمها صورة أريحا بأشجارها وناسها، وكذلك القدس، بأزقتها وأسواقها وأماكنها المقدّسة وشوارعها وبيوتها، فقد حفلت الرواية بقدر من المشاهد الجميلة، واللمحات الذكيّة التي زادتها رونقًا، ثقافة الكاتبة التي جاءت مبثوثة في الرواية على نحو ملائم ودون تزيّد أو حذلقة، ما جعل الرواية، الى جانب مستواها الفني المتقدم، مشتملة على بعد معرفي، يتطلّب ممن يقرأها بذل جهد ملموس للوقوف على تفاصيلها، ولتحقيق متعة القراءة على نحو أكيد.
ولعلّ الاحتفاء بالمكان يشكّل ركنًا بارزًا في قصص ليانة بدر ورواياتها. وحينما تكتب للأطفال فهي لا تنسى المكان، ويكون حضوره ملموسًا في غير قصة من قصصها، وأبرز مثال على ذلك كتابها "رحلة الطير الجميل"، وهو مكرّس للاحتفاء بمدينة أريحا بما تشتمل عليه من آثار معمارية، ومن منجزات حضارية حديثة، ومن طبيعة غنيّة بالأشجار، ومن طيور متعدّدة الأشكال والألوان، وهو إلى ذلك مكتوب بلغة جميلة سهلة محمّلة بالمشاعر والإيحاءات.
ومن أجل الوصول إلى غايتها المتمثّلة في الاحتفاء بمدينة أريحا، فقد اختارت لذلك مدخلاً مناسبًا من خلال الطفلين حسن وليلى. حسن مقيم في القدس وهو يذهب إلى أريحا "مع أمه وأبيه وأخويه الكبيرين، كي يلعب مع ابنة عمّه ليلى ألعابًا جميلة منوّعة".
وأوّل شيء تشير إليه الكاتبة مما له علاقة بالمكان هو البستان الكبير، ثم يتلوه الطقس الجميل، وأشعّة شمس أريحا التي يحبّها حسن بلونها الذهبي الذي يشبه لون البرتقال، وكذلك أشعّة القمر التي تحبّها ليلى لأن لها لون الفضّة.
ولكي تموضع الكاتبة مكانها الفلسطيني في إطار أكثر شمولاً، فإنها تدع لبطلة قصتها أن تنظر إلى القمر لتسبغ عليه أوصافًا حسّيّة، وتلجأ إلى استخدام الفعل المضارع لإعطاء المشهد صفة راهنة، فكأنّ القمر موجود أمام عيوننا الآن. ثم تنتقل عبر الفعل المضارع أيضًا للتعبير عن لهفة حسن لزيارة أريحا، هذه الزيارة التي تعني له الذهاب إلى قصر هشام للتفرّج على "الأرضيّة الملوّنة من الفسيفساء، حيث تبدو شجرة برتقال محمّلة بالثمار، وحولها الغزلان التي تطاردها الحيوانات المفترسة"، وحيث "النجمة المنتصبة في باحة القصر". وهنا تعيدنا الكاتبة إلى الإطار الأكثر شمولاً حينما تفاجئنا بالقول إن ليلى "تحبّ النجوم الساطعة في سماء ليل أريحا أكثر" من حبّها لنجمة القصر.
في قصص أخرى كتبتها ليانة بدر للأطفال، نلحظ اهتمامًا بالحيوان وبالقيم التربوية الحديثة في آن واحد، ففي قصة "قطة لا تقول نياو" تقدّم الكاتبة درساً تربوياً تحرّض فيه الأطفال على الرفق بالحيوان وعلى أن يقولوا "لا" إذا لم يحبّوا ما يفرض عليهم، مستفيدة في ذلك من المصير الذي تعرّضت له القطّة في قصتها، لأنها لا تستطيع ممارسة الاحتجاج. فالقطّة التي اقتناها عمّار وهند اختفت رغم حرصهما عليها، وقد توقّعا أنها تعرّضت لأذى لأنّها لا صوت لها، ولا تستطيع التعبير عن نفسها، بينما عمّار وهند لديهما القدرة على أن يقولا: لا، وأن يواجها الخوف، ويتمكّنا من التعبير عن النفس وامتلاك القدرة على رفض الخطأ.
ومثلما يتسم الرفق بالحيوان بأهمّيّة أكيدة في تنشئة الأطفال، فإنّ علاقة إيجابية مع الطبيعة لها أثرها الفعّال كذلك. ويسهم التمتع بجمال الطبيعة والحفاظ على البيئة وتوفير كل الظروف التي تعطينا مكاناً نظيفاً، في خلق جيل من الأطفال القادرين على حبّ الحياة وعلى التسامح، البعيدين من نزعات العنف والحقد والكراهية داخل المجتمع الواحد. وضمن هذا السياق نتأمّل قصة "زهرة الثلج الحمراء" لليانة بدر، حيث نجد أنفسنا أمام رحلة محفوفة بالمخاطر تتكلّل في نهاية المطاف بالنجاح، والرحلة هنا تذكّرنا بالرحلات التي درج على القيام بها أبطال حكاياتنا الشعبية. والقصة تخبرنا عن قرية على أطراف الصحراء، حيث تهبّ ريح صحراوية تدمّر الحقول والأشجار، وثمة من هاجروا من القرية ومن بقوا فيها مع ملاحظة أن الصحراء مكان غامض فسيح مثير للفضول، وهي لم تظهر إلا على نحو شحيح في قصصنا المكتوبة للأطفال.
ينصح المزارع غسّان أهل القرية بإحضار زهرة الثلج الحمراء الموجودة في واحة في قلب الصحراء، لإنقاذ الأرض من زحف الرمال. يختارون أربعة شباب: القوي، الشجاع، الذكي، والعامل. يذهب كلّ واحد منهم في طريق. يخفق الثلاثة في اجتياز الصحراء ويتراجعون عن إكمال الرحلة. وينجح يوسف، العامل الفقير في مهمته ويحضر زهرة الثلج الحمراء التي تعيد الخضرة والحياة إلى القرية.
أما لماذا استطاع يوسف إنجاز المهمّة الصعبة فيما أخفق زملاؤه الآخرون في إنجازها، فهو عائد إلى حقيقة أن يوسف على علاقة دائمة بالأرض وبالعمل وبالزراعة، وقيامه بالرحلة لم يكن يهدف إلى تحقيق مجد شخصي كما كان الحال مع زملائه، وإنما لخدمة الناس ولإنقاذهم، وقد كان هذا الهدف الأخير أكبر محفّز له على تجشّم الصعاب.
ولليانة بدر قصة أخرى هي "القطة الصغيرة" فيها احتفاء بالطبيعة وببعض مظاهرها، حيث تتعلّق القطّة نورا بالشمس وتحاول أن تقبض على جزء من نورها، وحينما تجد مدفأة في البيت فيها فحم مشتعل، تعتقد أنّ قطع الفحم ما هي إلا شموس صغيرة، تقبض على قطعة فحم مشتعلة، وتحرق يدها، فتعرف من التجربة الحسية "أن النار كالشمس لا يمكن لأحد أن يقبض عليها".
في فيلمها "القدس مدينتي" تذهب ليانة بدر إلى لحظة شخصية غائرة في الذاكرة، ولها ارتباط بعيد ميلادها وهي طفلة في المدرسة المقدسيّة. آنذاك أنشدت معلّمتها مع الطالبات نشيدًا ما زال عالقًا في الذاكرة. والفيلم هو رحلة في ماضي المدينة وأهلها وفي الحاضر، حيث نرى القدس بكامل بهائها وبكامل حزنها ومعاناتها.
وفي فيلمها "مفتوح مغلق" تتابع ليانة بدر معاناة الفلسطينيين من جدار الفصل العنصري عند البوّابات التي تفصل المزارع عن أرضه والتلميذ عن مدرسته. وفي فيلمها عن فدوى طوقان تقدّم ليانة جوانب من حياة الشاعرة الكبيرة بأسلوب شاعري جذّاب. وفي فيلمها "الحصار، مذكرات كاتبة" وثّقت ليانة بدر بالصورة وبالكلمة آثار الخراب والدمار الذي أحدثته آلة الحرب الصهيونية في رام الله أثناء الاجتياح الدموي في العام 2002 . ولقد تنوّعت المشاهد في الفيلم، فلم يستمرّ على وتيرة واحدة. كنّا نرى الخراب والحزن والعزلة والعذاب في مشاهد، تتلوها مشاهد أخرى يظهر فيها إصرار الفلسطينيين على الفرح رغم كلّ الصعاب. ولقد كان صوت الكاتبة الذي تقصّدته رتيبًا أثناء التعليق على مشاهد الفيلم منسجمًا مع الرسالة التي يقصد الفيلم إيصالها إلى المشاهدين، ممثّلة في الأسى الذي يطبع حياة أناس لا يكفّون عن ممارسة الحياة من دون يأس أو قنوط. وقد ساعدت على ذلك مجموعة أخرى من العناصر، من بينها جمال الموسيقى وتنوّع المشاهد والمقابلات وبراعة التصوير.
*نص المداخلة التي ألقيتها في ندوة أقيمت في مؤسسة محمود درويش في كفر ياسيف بتاريخ 4 / 9 / 2012، ونشرت في صحيفة الاتحاد/ حيفا بتاريخ 8 / 9 / 2012


Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME