سالم النحاس... سلام عليك
محمود شقير/ القدس
كانت آخر مرّة التقيت فيها سالم النحاس في التاسع من تشرين الثاني العام 2008 . هاتفه الصديق جمال ناجي وأخبره بأننا قادمان لزيارته. ذهبنا عصر ذلك اليوم إلى بيته. وجدناه في انتظارنا، وحينما رآني مقبلاً عليه غالب ضعف ساقيه ووقف على قدميه، وتعانقنا بودّ كما لو أننا نسترجع في لحظة خاطفة تفاصيل سنوات عديدة مرّت وانقضت منذ عرفت سالم النحاس أوّل مرّة.


كان ذلك في العام 1976 حينما وصلت إلى عمان قادمًا من بيروت، لأقيم فيها أربع عشرة سنة بعد أن أبعدتني سلطات الاحتلال الإسرائيلي من فلسطين. كان اللقاء في مقرّ رابطة الكتاب الأردنيين بجبل اللويبدة. وقد لاحظت منذ ذلك اللقاء أن الرابطة تشكّل هاجسًا يوميًّا لسالم، يعطيها كثيرًا من وقته وجهده. ففي ذلك الحين، كانت الرابطة قد تأسست حديثًا بجهود مثابرة منه ومن عدد آخر من الكتاب والشخصيات الثقافية الأردنية. وظلّ سالم حريصًا عليها مثل آخرين غيره، باعتبارها موقعًا لقوى اليسار في زمن لم تكن الحريات الديمقراطية مباحة فيه، ولم تكن أحزاب اليسار قد خرجت من السر إلى العلن آنذاك.
ومع ذلك، لم تكن علاقات القوى اليسارية وممثليها من الكتاب في الرابطة تتخذ منحى واحدًا في السنوات جميعها. فالانتخابات التي ينبغي خوضها كل عام، بحسب النظام الداخلي للرابطة قبل تعديله في سنوات لاحقة، كانت تجمع قوى اليسار، وبالذات الحزب الشيوعي الأردني وحزب الشعب الديمقراطي والقوميين والوطنيين المستقلين، في قائمة واحدة حينًا، وفي قوائم متنافسة متصارعة حينًا آخر. وحينما أستعرض في ذهني سنوات التحالف الانتخابي التي كان يسودها الانسجام، وسنوات الصراع وما كان يرافقها من انفعالات وحساسيات، فإن علاقتي الشخصية بسالم النحاس لم تهتز ولم تتأثر بالصراعات الانتخابية، ولقد كان لسالم دور أكيد في المحافظة على هذه العلاقة، وتلك واحدة من مزاياه.
كان سالم النحاس واحدًا من أبرز النشطاء في الرابطة، ويبدو لي أن نشاطه هذا كان يأتي في أغلب الأحيان على حساب كتابته الإبداعية، حيث كان المتوقّع منه أن ينجز روايات وقصصًا أكثر مما أنجز. ثم هنالك انتماؤه الحزبي الذي أوصله إلى المركز القيادي الأول في حزب الشعب الديمقراطي، ما يعني بذل مزيد من الجهود والتضحيات التي أخذته إلى السجن غير مرّة بسبب نشاطه السياسي المثابر بين الناس.
كنت زرته ذات مرّة في سجن السلط، وإذا به يسلمني قصة طويلة كتبها للفتيات والفتيان، واقترح علي أن أقرأها وأن أعطيه رأيي فيها. قرأتها وقدّمت له بعض ملاحظات عليها. وحينما أهداني أعماله الأدبية التي يضمّها مجلد واحد في 669 صفحة من القطع الكبير، لم أجد هذه القصة بين مؤلفاته، ولا أعلم شيئًا عنها الآن.
من يقرأ روايات سالم النحاس وقصصه ونصوصه الشعرية، يلمس كم كان سالم منحازًا إلى السياسة التي تعني إيصال الحقيقة للناس، وتعني في الوقت نفسه الدفاع عن مصالح هؤلاء الناس، ما جعل اقتحام السياسة، بتعبيراتها المباشرة، لبعض أعماله الأدبية يبدو واضحًا فيها، وبالذات في مسرحية الانتخابات وفي رواية الساحات. لكن لغته الجميلة الموحية وجملته السردية المكتنزة كان لها حضورها الأكيد في مجمل هذه الأعمال الأدبية. ولعلّ نصوصه الشعرية أن تكشف عن شاعرية ورهافة حسّ، وعشق للحياة ولتجلياتها المختلفة، ورغبة في نثر الفرح والحب في كلّ مكان.
كان بيت سالم النحاس مفتوحًا بكرم وأريحية للضيوف من كتاب الرابطة ومن الكتاب العرب والأجانب. لقاءات عديدة مع كتاب أردنيين وفلسطينيين وعرب وأجانب احتضنها بيت سالم النحاس. ولقاءات غير قليلة مع شخصيات سياسية أردنية وعربية انعقدت في هذا البيت. وأعتقد أنّ نورا، زوجة سالم، بما لديها من دماثة وكرم وإيثار، كانت خير عون لزوجها على احتمال كل هذا الصخب الذي رافق حياة سالم النحاس. لم تكن حياته سهلة على الإطلاق، ولعل هذه الحياة المثقلة بالأعباء وبالالتزامات الوطنية والسياسية والحزبية والثقافية والنقابية، هي التي أخذته غير مرّة إلى المستشفى، جرّاء تعب القلب الذي حمّله سالم فوق ما يحتمل، وتعب الدماغ الذي لم يفتر نشاطه المتوقّد لحظة واحدة.
وأنا أكتب هذه الكلمات عن صديق لا يمكن نسيانه، أتذكّر صمت سالم النحاس الرصين. كان قليل الكلام إلا حينما تكون هنالك ضرورة للكلام. وكانت له في لحظات الفرح ضحكة مجلجلة، ما زال صداها يتردّد في ذهني حتى الآن.
سلام عليك يا أبا يعرب، ولك الخلود، ولزوجتك وابنك وبناتك ولرفاقك وأصدقائك، ولشعبك الأردني الشقيق، أحرّ التعزيات.
الملحق الثقافي/ جريدة الرأي الأردنية
الجمعة 10 / 2 / 2012

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME