تعتبر "جنة الجحيم" الجزء الثاني من رواية لجميل السلحوت سيتلوها جزء ثالث أو أكثر كما يبدو. وقد ابتدأها الكاتب برواية "ظلام النهار" التي صوّر فيها التخلف في مجتمع شبه بدائي، وها هو في هذا الجزء من الرواية يواصل التعاطي مع الموضوعة نفسها، موضوعة التخلف التي تحكم تصرفات الأفراد وتوجّه سلوكهم.

وفي تقديري، فإن هذا المنحى الذي اختاره الكاتب لروايته هو ما يمنحها تميزها، حيث لا بهرجة ولا ادعاءات حول سلوك الفلسطينيين في هذه الرواية. فالحقيقة تظهر عارية هنا مجردة من أي تنميق. والانتهازي يظهر على حقيقته، والمرشح للبرلمان يظهر أيضًا على حقيقته، فهو غير معني إلا بمجده الشخصي ورشوة الناس للظفر بأصواتهم التي من شأنها أن توصله إلى كرسي البرلمان، في حين أن ثمة مرشحين آخرين للبرلمان، ذكرهم الكاتب، لم يكونوا على هذه الشاكلة، بل إنهم تميزوا بالإخلاص للشعب ولقضاياه. غير أن الكاتب لم يجعلهم في مركز سرده الروائي، الذي استأثر به مرشح مفتقر إلى الوعي الصحيح، متناغم مع حالة التخلف التي يرصدها الكاتب، كما لو أنه يريد تطبيق المثل الشعبي القائل: "هيك مزبطة بدها هيك ختم".
وقد أضفت اللهجة العامية المطعّمة بالأمثال الشعبية حيوية على أجواء الرواية، وجعلت صدقها في التعبير عن نفسيات الشخوص متلائماً مع الهدف الذي تقصده الرواية: وهو تصوير التخلف وما ينتجه من سلوكيات ومواقف.
تختار الرواية أسلوب المشاهد المتجاورة غير المسترسلة ليتشكل منها في النهاية ما يشبه اللوحة البانورامية التي تقدّم لنا بعض جوانب الحياة في قرية فلسطينية هي السواحرة التي تحيا على تخوم مدينة القدس أواسط الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين.
ولا يبتدع الكاتب في روايته هذه إلا قليلاً من الأحداث والوقائع. فأكثر مادة الرواية هو رصد فعلي لوقائع وقعت في تلك المرحلة من حياة القدس ومحيطها القروي، مع بعض التصرف الذي يتناسب مع تحويل الوقائع الفعلية إلى أحداث روائية. ولقد أحسن الكاتب صنعاً حينما حرّف أسماء مرشحي البرلمان في تلك الفترة، وأبقى بعض لوازم تلك الأسماء لكي يعرفها من له إلمام بوقائع انتخابات العام 1956 للبرلمان الأردني، وفي ظني أن تحريف الأسماء كان لضرورة فنية، وذلك لكي يتمكّن الكاتب من تحويلهم، أي المرشحين، إلى شخصيات روائية، ومن التحدّث على ألسنتهم دون أن يتهمه أحد بأنه ينسب إليهم كلاماً لم يتفوهوا به، علمًا بأنه وقع في بعض الخلط تجاه الوقائع الحقيقية نفسها. ومن أمثلة ذلك أن الذي نجح في الانتخابات آنذاك هو الدكتور عقاب الزايد (يعقوب زيادين) وبأعلى الأصوات في منطقة القدس، وليس المرشح عبد الرحمن النعّاس (عبد الله نعواس) كما ورد في الرواية.
ربما كان عنوان الرواية ثقيلاً بعض الشيء بما له من دلالات دينية، بحيث جمع الجنة والجحيم معًا على غلاف كتاب واحد، ولم يقلّل من ذلك الثقل قيام الكاتب بإلقاء الضوء على دلالة العنوان في متن الرواية، معتبرًا العلم هو الجنة في جحيم هذا المجتمع المتخلف المحروم. وربما كان السرد الروائي متقشفاً مباشراً في صفحات غير قليلة والحوارات ممطوطة في بعض المشاهد. وربما كان من المناسب لو أن الكاتب رصد التطورات الإيجابية التي كانت تزخر بها القدس في تلك الفترة، سواء لجهة المدّ السياسي العاصف ومضامينه التقدمية، أم لجهة التطورات الاقتصادية والثقافية التي كانت ظاهرة للعيان آنذاك. صحيح أنه ورد في الرواية تطرق لذلك على نحو ما، لكنه ظل محدوداً.
غير أن نقد الرواية للتخلف ولاضطهاد المرأة وللانتهازية في المواقف يعتبر أمراً جيداً، وإن الانتصار للعلم وللتنوير يعتبر أمراً إيجابياً كذلك. وقد تضمّنت الرواية وصفاً لبعض الأماكن في القدس، علاوة على تصويرها لنزوع بعض أبناء القرية إلى محاولة تحسين ظروفهم المعيشية عن طريق السفر إلى الأرجنتين (هنا تحريف آخر مقصود للوقائع، ذلك أن بعض أبناء القرية سافروا إلى البرازيل) ، وكذلك تصويرها للعلاقة مع الغرب، هذه العلاقة التي رمز إليها الكاتب من خلال استغلال براءة الفتى خليل بعلاقة جنسية غير متكافئة، وكذلك استثمار البحث عن الآثار لخدمة الأهداف الصهيونية في فلسطين. هذه كلها عناصر إيجابية تضمّنتها الرواية ما أسهم في توسيع الدائرة التي تتحرك ضمنها الشخوص التي منحها الكاتب الحق في التعبير عما في داخلها من مشاعر وتطلعات.
علاوة على كل ذلك، يمكن اعتبار هذه الرواية وثيقة صادقة، فيها رصدٌ لفترة من فترات حياة جزء من المجتمع الفلسطيني في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين.
تحية للكاتب جميل السلحوت.
*قدمت هذه المداخلة في ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني في القدس بتاريخ 23 / 7 / 2011

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME