معن سمارة يحاور محمود شقير:
• مسيرة حافلة بالعطاء توجت بجائزة محمود درويش... ماذا تقول؟
• أقول إنني سعيد بمنحي هذه الجائزة. أن أنال جائزة تحمل اسم محمود درويش فهذا شرف عظيم لي. لكنني أشعر بأن علي أن أبدأ مرحلة جديدة من الكتابة الإبداعية تتساوق مع حجم الجائزة التي نلتها ومع متطلباتها واستحقاقاتها. هذه الجائزة سوف تحفزني على مواصلة الإبداع على نحو غير مسبوق.


• ما معنى أن يكون هناك جائزة فلسطينية عالمية بإسم محمود درويش؟
• عالمية الجائزة يفرضها إبداع محمود درويش وانتشاره في العالم وإسهامه البارز في الثقافة الإنسانية. وهذه العالمية ليست أمراً منفصلاً عن واقع الشعب الفلسطيني المتطلع إلى الحرية والاستقلال، وعن ضرورة توسيع رقعة التأييد والمساندة وبناء العلاقات الإنسانية التي تظهر إنسانيتنا ورفضنا للظلم والعدوان. من هنا فإن من المتوقع والمنطقي أن تذهب جائزة محمود درويش إلى كتاب عالميين مؤمنين بحرية الشعوب وبالديمقراطية وبالتلاقي الحر بين الإبداعات الأدبية والفنية المنحازة إلى الإنسان وإلى الدفاع عن كرامة الشعوب وحقها في حياة كريمة. لهذا السبب منحت الجائزة في سنتها ا لأولى لكاتب عالمي مناضل ضد العنصرية هو الجنوب إفريقي برايتن برايتنباخ، ومنحت في سنتها الثانية هذه إلى كاتب مناصر للشعوب المظلومة ومن بينها الشعب الفلسطيني هو الإسباني خوان غويتيسولو.

• البارحة قلت أن هذه الجائزة تقودك إلى إلتزام أكبر وعمل أكثر تجاه قضايا الثقافة الفلسطينية... كيف ولماذا؟ وهذا يقود لسؤال أدق: من هو المثقف؟ وكيف يؤدى دوره؟
• قلت هذا انطلاقاً من المضمون الذي تنهض عليه الجائزة ، وكذلك من مضمون النتاجات الإبداعية للمبدع الكبير الذي تحمل اسمه الجائزة. وفي هذا استكمال لما حاولت خلال السنوات الخمسين الماضية من التعبير عنه في كتاباتي المختلفة، ولكن هذه المرة من منظور أكثر تدقيقاً ومحاسبة للنفس، ولجهة تعزيز الدور الذي يمكن أن تنهض به الثقافة الفلسطينية بحيث تصبح مكوناً رئيساً من مكونات هويتنا الوطنية. وأما من هو ا لمثقف، فأعتقد أن هذا السؤال يحتاج إلى استقصاء موسع للتوصل إلى إجابة شافية. لكن، يمكن الإشارة إلى ضرورة أن ينسجم قول المثقف مع فعله لكي يكتسب الصدقية المطلوبة التي تؤهله لأن يكون موضع ثقة الناس الذين يكتب عنهم ولهم.


• هل تعتقد أن المؤسسة الثقافية الرسمية الفلسطينية تقوم بدورها الحقيقي تجاه حماية وصون الثقافة والهوية الفلسطينية؟ هل تكفي الانشطة والفعاليات التي تقام لتحقيق تنمية ثقافية مختلفة وجادة؟
• إذا احتكمنا إلى الأرقام التي تفصح عنها ميزانية السلطة الوطنية الفلسطينية، وهي متواضعة إلى أبعد الحدود، فلن نحتاج إلى تنظير زائد لكي نقول إن المؤسسة الرسمية الفلسطينية لا تقوم بدور لافت للانتباه في هذا المجال. طبعاً، هنالك أنشطة وفعاليات ثقافية تجري بين الحين والآخر، وهناك مناسبات ثقافية كبرى كما هو الحال بالنسبة ليوم الثقافة الوطنية. غير أن هذا لا يكفي ولا يؤسس لحالة ثقافية دائمة وذات تأثير على وعي الناس. المطلوب تعزيز البنية التحتية الكفيلة بإحداث نهضة ثقافية. والمطلوب توجه ثقافي جذري مترابط مع أهدافنا الوطنية في الحرية ونزوعنا إلى بناء مجتمع ديمقراطي تعددي ودولة مدنية تسود فيها العدالة الاجتماعية. هذا يتطلب إعادة النظر في المناهج الدراسية وفي طبيعة البنية الثقافية السائدة في مجتمعنا.

• هل نحن بحاجة إلى الدفاع عن تراثنا الفكري والثقافي؟
• أعتقد أننا بحاجة إلى التعاطي مع تراثنا الفكري و الثقافي بنظرة نقدية، بحيث نتخلى عن كل ما لم يعد له جدوى من بعض منجزاتنا السابقة، وذلك لكي نتمكن من الانطلاق نحو آفاق جديدة، بالاعتماد على ما هو مؤهل للبقاء من التراث، مع قدر صريح من الانفتاح على العصر وعلومه وثقافاته، بالقدر الذي يخدم قدرتنا على الإسهام في الثقافة الإنسانية وبالقدر الذي يجعلنا أقدر على تمثل مشكلاتنا وهمومنا ووضع الحلول الناجعة لها، وبالقدر الذي يمكننا من جعل الإنسان وحقوقه وكرامته في مركز الاهتمام.
• الحراك الثقافي الشبابي الحالي... أنت على إطلاع عليه. أريد رأيك الصريح فيه,,, ما له وما عليه، وتوقعات لما سينتج مستقبلا من هذا الحراك؟
• هذا الحراك الثقافي الشبابي الحالي يبشر بحالة إبداعية مرتقبة. ثمة طيف واسع من الكاتبات والكتاب الشباب، الذين يكتبون القصة والقصيدة، وثمة من لديهم روايات أولى. إجمالاً، حينما أرى أن هذا الحراك يتوزع على أماكن شتى في الوطن وخارجه، فإنني أشعر بأن شعبنا قادر على إنجاب مبدعين ومبدعات رغم الظروف الاستثنائية التي نعيشها. ولربما استفاد هؤلاء المبدعون من التواصل فيما بينهم عبر الانترنت، بحيث سهل ذلك تبادل الخبرات الكتابية مع ما يعنيه ذلك من إنضاج بعض الظواهر الفنية التي تعني جيل الشباب بكامله. وأعتقد أن بسطة الكتابة وغيرها من التجمعات الأدبية التي ينضوي في إطارها أعداد من الشباب والشابات قد أسهمت في خلق حالة إبداعية تبشر بآفاق واعدة لعدد من المبدعين والمبدعات، شرط التخلص سريعاً من بعض مظاهر الضعف اللغوي والتسرع في الكتابة وعدم إيلاء التزود بالثقافة من شتى مصادرها الثراثية والحديثة الاهتمام الكافي. لكن ما يمكن استخلاصه من كل هذا الحراك أن ثمة جيلاً معنياً بالكتابة الإبداعية ولديه قدرة على التمرد على السائد مثلما لديه التصميم على اجتراح مقترحات فنية جديدة، قد لا تتبدى بكامل نضجها الآن، لكنها في طريقها إلى ذلك بالتأكيد.
• هل تعتقد أن هناك دورا حقيقيا للشباب الفلسطيني في التغيير، ورسم خريطة سياسية وفكرية مختلفة لفلسطين؟ كيف؟
• بالتأكيد، هنالك دور حقيقي للشباب الفلسطيني في التغيير. وأعتقد أن ما أنجزه الشباب في بعض الأقطار العربية الشقيقة من انحياز صريح إلى ضرورة التغيير، ولبناء مجتمعات ديمقراطية مدنية ستشكل حافزاً للشباب الفلسطيني لانتهاج السبيل نفسه. ولكن قد يبدو من المفيد ألا يجري نسخ التجارب بطريقة عشوائية. لقد أثبت أسلوب الانتفاضة الشعبية السلمية جدواه في كل من مصر وتونس. وقد سبق للفلسطينيين أن جربوا هذا الأسلوب في انتفاضتهم الشعبية الأولى ضد الاحتلال، وكدسوا دروساً خلاقة في النضال، ولا أستبعد أن هذه الدروس قد تمت الاستفادة منها على هذا النحو أو ذاك في هذا القطر العربي أو ذاك.
غير أنه من الضروري أن ننتبه إلى أن ظروفنا نحن الفلسطينيين ليست على شاكلة الظروف السائدة في البلدان العربية إلا في بعض الجوانب. فنحن ما زلنا نعيش ظروف التحرر الوطني، وما زلنا نعاني من سطوة الاحتلال الإسرائيلي وتأثيرات الغزوة الصهيونية لبلادنا. على الشباب كما أعتقد أن يتوحدوا في البداية على برنامج سياسي عبر الحوار الديمقراطي وعلى الأولويات التي يمكن أن يشتمل عليها هذا البرنامج، وكذلك على الأساليب التي يمكن اتباعها لإنهاء الانقسام ولمواجهة الاحتلال، وكذلك الأساليب التي بوسعها التوصل إلى أفضل الصيغ الديمقراطية وعلاقات الشراكة السياسية، والشفافية واحترام حقوق الإنسان، وفصل السلطات لتخليص النظام السياسي الفلسطيني عبر انتخابات حرة نزيهة من كل ما يشوبه من نواقص وخطايا وأخطاء.

• هناك القليل جدا من كتاب القصة القصيرة في فلسطين... هل هذا صحيح ولماذا؟
هناك عدد غير قليل ممن يكتبون القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً. وهذا مؤشر صحي من جهة حيث من الممكن أن يتمخض عن هذا الكم من الكتابة الكثيرة إبداعات نوعية متميزة. وهو مؤشر غير صحي من جهة ثانية حيث يختلط الحابل بالنابل وتضيع المعايير ومستويات الجودة في ضوء غياب النقد الذي من شأنه غربلة النصوص وتبيان ما فيها من تميز أو ما فيها من خلل. رغم كل هذا هنالك كتابات قصصية فلسطينية لا يمكن التقليل من شأنها. وثمة كاتبات وكتاب من أجيال مختلفة لهم حضورهم في ميدان القصة القصيرة.
• محمود شقير بدأ بالقصة القصيرة وأصبح الآن رائدا بالقصيرة جدا في العالم العربي.... في ذات الوقت الذي يبدو أنك ترفض فيه الرواية؟
لا أرفض الرواية. أنا قارئ للرواية. أقوم بقراءة الروايات العربية والأجنبية بشغف. ولدي ثلاث روايات للفتيات والفتيان.

• هل ستتوجه إلى الراوية مستقبلا؟
أتوقع ذلك. في ثلاثة من كتبي وهي: احتمالات طفيفة، القدس وحدها هناك، مدينة الخسارات والرغبة، ثمة استفادة من أجواء الرواية وبعض شروطها. تقرأ قصصاً قصيرة جداً في هذه الكتب، لكن هذه القصص مترابطة ويفضي بعضها إلى بعض، بحيث تتشكل سياقات روائية فيها على نحو ما. قد يأخذني مثل هذا التجريب الفني إلى كتابة رواية صريحة.
• لم تصدر بعد اعمالك الكاملة؟
لم أفعل ولم أفكر بذلك حتى الآن. قد أفكر في الأمر في وقت لاحق. الأمر الوحيد الذي أنجزته في هذا الإطار: جمع ثلاث مجموعات قصص قصيرة جداً، قمت بنشرها معاً في كتاب واحد هو: باحة صغيرة لأحزان المساء.
• وكذلك لم نقرأ بعد المذكرات الكاملة لمحمود شقير؟
ولم أفكر بهذا الأمر أيضا حتى الآن. قد أفكر بذلك بعد عشر سنوات إن عشت عشر سنوات أخرى.
• كلمة تود أن تقولها للمؤسسة الثقافية الرسمية؟
• ثمة مهمات كثيرة لا بد من إنجازها على جبهة الثقافة ما زالت غير منجزة حتى الآن.
• كلمة تود قولها للشباب؟
جماهير شعبنا تعلق آمالاً كبرى عليكم. أنتم الأكثر قدرة على استيعاب منطق العصر الذي لا يقبل الجمود. لكن خبرة الأجيال الأقدم ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار للاستفادة منها كلما كان ذلك ضرورياً. ولا بد من التزود الكافي بالثقافة وبالعلم وبالمعرفة لمجابهة التحديات.
الأيام/ رام الها/ الثلاثاء 15 / 3 / 2011

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME