حوار مع الكاتب الفلسطيني المقيم في القدس محمود شقير:
ماذا عن الأدب الفلسطيني في الذكرى الستين للنكبة؟
أجرت الحوار: علا الساكت

- كيف ترى حصاد 60 عاما على النكبة الفلسطينية فى الأدب الفلسطينى ؟

* بعد ستين عاماً من النكبة، وقعت تطورات كثيرة على الأدب الفلسطيني، نتيجة عوامل كثيرة. فالأدب الفلسطيني الذي كان في مجمله متأثراً بالرومانسية قبل النكبة وبعدها بسنوات، مر بمراحل عديدة من التطور بينها المرحلة الواقعية التي كانت حاسمة في مسار هذا الأدب. الآن تقل الكتابة الرومانسية في الأدب الفلسطيني، وتتأكد الكتابة الواقعية، إلى جانب ظهور كتابات حداثية ذات منحى تعبيري، وكتابات أخرى ذات سمات أسلوبية متنوعة.


يمكن القول إن الأدب الفلسطيني بعد 60 عاماً على النكبة، ما زال يستوحي في النتاجات الروائية والقصصية وحتى الشعرية، بعض تفاصيل النكبة التي وقعت. وهو مطالب باستلهام المزيد من تفاصيل هذه النكبة، وتقديمها للعالم باعتبار ذلك جزءاً من الجهد الفلسطيني الرامي إلى تقديم روايتنا عما وقع لنا على أيدي الصهاينة الغزاة، الذين حاولوا وما زالوا يحاولون طمس الرواية الفلسطينية، وتحويل الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية، وذلك عبر احتكار المشهد العالمي لتقديم روايتهم الزائفة عما وقع بقصد، تبرئة أنفسهم مما ارتكبوه ضد الفلسطينيين من مذابح جماعية وتطهير عرقي أسفر عن تهجير قسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين من وطنهم.

- هل ترى إختلافا بين كتابات جيل الأدباء العرب داخل إسرائيل والأدباء الفلسطينيين خارج إسرائيل؟
* لا توجد اختلافات جوهرية. ثمة فروقات نابعة من الوضع المشخص الذي يعيشه الأدباء العرب داخل إسرائيل، والأدباء الفلسطينيون خارج إسرائيل. في الجوهر ثمة هنا وهناك تعبير عن الهوية الفلسطينية بتجلياتها المختلفة النابعة من مختلف التأثيرات التي تتعرض لها هذه الهوية، وثمة تعبير في شكل أو آخر عن هموم الإنسان الفلسطيني وعن مأساته التي ابتدأت مع بدايات الغزوة الصهيونية لفلسطين وحتى الآن. لكننا حينما نتتبع تطور الظاهرة الأدبية وكيفية التعبير عن النفس وعن المجتمع وعن الجماعة القومية داخل إسرائيل، يمكننا ملاحظة كيف أن الأقلية الفلسطينية التي بقيت في وطنها بعد العام 1948 واجهت ظروفاً صعبة تحت أعتى حكم عسكري إسرائيلي امتد لسنوات طويلة. وقد مال بعض الكتاب والصحافيين الفلسطينيين آنذاك إلى الانضواء تحت لواء الصحف العربية التي أصدرتها بعض الأحزاب الصهيونية، وظهرت جراء ذلك كتابات معقمة باهتة لا تعبر عن الهوية ولا عن المأساة التي ما زالت آنذاك حية في الأذهان. ظهرت ألوان من الكتابة التي لا روح فيها ولا حياة، وصفها الشاعر الفلسطيني سميح القاسم بأنها كتابة بلاستيكية، على غرار الزهور البلاستيكية الاصطناعية. وما زال مؤرخو الأدب والنقاد يعترفون بالفضل لصحيفة "الاتحاد" الحيفاوية ولمجلة الجديد الشهرية الثقافية، اللتين أصدرهما الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي ضم في صفوفه أعضاء من اليهود والعرب، وأخذتا على عاتقهما حماية الثقافة الوطنية الفلسطينية من الاندثار، بل أسهمتا في مواصلة إنعاش هذه الثقافة الوطنية في الظروف الجديدة، وتمكينها من أداء دورها في تحريض الأقلية الفلسطينية على التماسك في وجه إجراءات الحكم العسكري، وفي مقاومة هذه الإجراءات بكل الوسائل السلمية الممكنة، وفي مقاومة مصادرة الأرض وتهجير الناس من قراهم. آنذاك بدأت تظهر إلى جانب الكتابات السياسية الملتزمة التي اضطلع بها إميل حبيبي وإميل توما وآخرون، بذور الأدب الفلسطيني المقاوم التي ترعرعت على أيدي توفيق زياد، راشد حسين، حنا أبو حنا، محمود درويش، سميح القاسم وسالم جبران وآخرين. ظل هؤلاء يكتبون شعراً مقاوماً دون أن يدري بهم أحد في الوطن العربي، حتى تمكن الأديب الفلسطيني غسان كنفاني المقيم آنذاك في بيروت، من تسليط الضوء على هذه الظاهرة المتألقة في تاريخ الأدب الفلسطيني الحديث، ثم امتدت الظاهرة وتوسعت بعد هزيمة حزيران 1967 ، وظلت تتوسع وتتعمق مع ظهور مزيد من الشعراء والقاصين والروائيين، ووصلت ذروتها في روايات إميل حبيبي، وفي قصص محمد نفاع، توفيق فياض، محمد على طه، رياض بيدس وآخرين.
في الخارج، كان الأدباء الفلسطينيون يتأثرون بكل ما شهدته بعض الأقطار العربية من تطورات على صعيد الكتابة الإبداعية، وبكل ما كان يهب على هذه الأقطار من مؤثرات ناتجة عن التفاعل مع الأدب الأوروبي تحديداً والآداب العالمية في شكل عام. وكما هو معروف، ظهر أدباء فلسطينيون كبار واصلوا تعبيرهم عن القضية الفلسطينية مرة باللجوء إلى الذاكرة واستنطاقها، وأخرى بالانطلاق من الواقع المشخص الذي أصبح يعيش في ظله الفلسطينيون الذين أصبح قسم غير قليل منهم يسكنون في المخيمات. أذكر في هذا الصدد: غسان كنفاني، جبرا ابراهيم جبرا، فدوى طوقان، سميرة عزام، وعدداً من كتاب مجلة "الأفق الجديد" المقدسية التي ظهرت في ستينيات القرن العشرين، وأعداداً غير قليلة من أدباء متميزين ظهروا في سنوات لاحقة.

- هل إختلفت رؤية الجيل الشاب للنكبة عن جيل 48 وطرق التعبير عن القضية؟
* اختلفت بالتأكيد، وذلك بالنظر إلى اختلاف الحساسية الأدبية من جيل إلى جيل، وبالنظر إلى اختلاف الذائقة الأدبية وارتقائها بين مرحلة وأخرى، وبالنظر إلى اطلاع الأجيال الجديدة على تجارب أدبية عالمية معاصرة ونظريات نقد حداثية تركت أثراً ملموساً على نتاجاتهم الأدبية. ثم إن جيل 48 واجه النكبة قبيل وقوعها وبعد وقوعها بنمط من الكتابة الرومانسية التي أكثرت من التفجع على الوطن السليب، ومن البكاء على الفردوس المفقود. الآن لم تعد هناك كتابات رومانسية إلا فيما ندر من الحالات. أصبحت كتابات الأجيال الجديدة أكثر واقعية وأكثر غوصاً في داخل النفس البشرية، وأكثر تشخيصاً للقضايا المطروحة. مرت فترة كان يُنظر إلى الفلسطيني على أنه رمز مقدس لا يطاله النقد ولا يعتريه النقصان، وكان يُنظر إلى القضية الوطنية وإلى الأرض من منظور إيديولوجي حافل بالمواقف المسبقة الجاهزة. الآن تمت عملية إنزال الفلسطيني من سماء التجريد إلى أرض الواقع، بحيث يجري التعامل معه في شكل مشخص قادر على رؤيته باعتباره بشراً لا ملائكة، وباعتباره كائناً إنسانياً عادياً وليس سوبرماناً، وهو مشتمل على سلبيات مثلما هو مشتمل على مزايا وإيجابيات.

- معظم اتجاهات الأدب العالمى الحديث تمضى نحو الانعزال عن المجتمع وتجنب ما هو سياسى وميلودرامى، فكيف ترى أثر ذلك على الأدب الفلسطينى بشكل عام، وهل تراجعت القضية فى الاهتمام بها وأصبحت فى خلفية الموضوعات؟
* قد لا أتفق معك على أن معظم اتجاهات الأدب العالمي الحديث تمضي نحو الانعزال عن المجتمع. ربما كانت هناك بعض اتجاهات من هذا القبيل لكنها ليست مؤثرة، ولعلنا نتذكر أن مدرسة الرواية الجديدة التي تزعمها ألان روب غرييه في فرنسا، حاولت السير على هذا الطريق، ثم انتهت إلى الإفلاس التام. أعتقد أن الأدب الجيد لا يمكنه أن يدير ظهره إلى قضايا العصر الملحة وقضايا المجتمع والإنسان.
فيما يتعلق بالأدب الفلسطيني الحديث، لا أنكر أن ثمة ميلاً إلى التعبير عن الهموم الفردية بأشكال متفاوتة، وهذا أمر صحي وصحيح في حدود معينة. لأن الأدب نشاط فردي في الأساس، والصدق الفني مثلما أن الصدق مع الذات، يتطلب كتابة أدب ذي سمات مشخصة. صحيح أن ثمة كتابات فلسطينية معاصرة مغرقة في التعبير عن الذات وهمومها الخاصة، وصحيح أن ثمة ميلاً إلى الابتعاد عن النزعة الإيديولوجية التي تعنى بالجماعة على حساب الفرد، وهذا لا يمكن الحكم عليه سلباً أو إيجاباً إلا بقدر ما يستطيع الأدب تجاوز شرنقة الذات المشغولة بهمومها الضيقة إلى آفاق أرحب، بحيث لا تصبح هذه الهموم وقفاً على الذات وحدها، وإنما على ذوات أكثر وأشمل في النطاق الاجتماعي أو الإنساني العام.
مع ذلك، ثمة كتابات إبداعية فلسطينية تمزج على نحو خلاق، الشخصي بالعام وتمزج العام بالشخصي في عملية تركيبية مدهشة، ولعل أوضح تعبير عن ذلك هو الذي نجده في دواوين محمود درويش الأخيرة، ما يهب الإبداع الفلسطيني قيمة كونية، ويجعله أقدر على التعبير ليس فقط عن هموم الإنسان الفلسطيني، وإنما عن هموم الإنسان أينما كان.

- حدثنا عن عزلة أدباء 48 داخل المجتمعين الفلسطينى والاسرائيلى، وكيف يؤثر ذلك على إبداعكم وطرق إستقبال هذا الابداع.
* أصبح معروفاً أن هزيمة حزيران 1967 وحدت الفلسطينيين المقيمين على أرض فلسطين التاريخية. قبل الهزيمة كانت الأقلية الفلسطينية التي بقيت في وطنها، معزولة تماماً عما بقي من أرض فلسطينية لم تشملها الغزوة الصهيونية، أقصد القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة. كانت هناك فرصة محدودة لبعض الفلسطينيين للقدوم إلى القدس في الأعياد المسيحية، عبر بوابة مندلبوم التي وصفها إميل حبيبي في إحدى قصصه. بعد الهزيمة أصبح بإمكان الفلسطينيين في إسرائيل، القدوم إلى المناطق الفلسطينية التي شملها الاحتلال، وكذلك زيارة بعض الأقطار العربية، وأصبح ثمة تفاعل واضح بين الأدباء الفلسطينيين في شتى أماكن إقامتهم.
غير أن بالإمكان ملاحظة العزلة التي تفرض نفسها على العلاقة بين المجتمع العربي الفلسطيني والمجتمع اليهودي داخل إسرائيل، بسبب النزعة العنصرية الاستعلائية التي تمارسها أوساط يهودية واسعة تجاه العرب. من هذا المنظور وبسبب هذا الوضع الإشكالي، حاول بعض الكتاب الفلسطينيين في إسرائيل التعبير عن الهوية الفلسطينية المرفوضة عبر الكتابة باللغة العبرية، مثلما فعل الكاتب سيد قشوع في روايتين كتبهما بلغة الجماعة المسيطرة التي لا تريد أن تفسح في المكان لأهل البلاد الأصليين، ولا تريد أن تعترف بهم باعتبارهم بشراً أسوياء يستحقون أن يعيشوا في بلادهم على قدم المساواة مع من جاءهم غازياً وألحق بهم الكثير من الخسارات. قبل سيد قشوع يمكن تذكر الكاتب أنطون شماس الذي كتب هو الآخر رواية "أرابيسك" باللغة العبرية، مبيناً فيها تجليات عديدة للهوية الفلسطينية في علاقتها مع الآخر الإسرائيلي وغير الإسرائيلي.
الآن يجري استقبال الأدب الفلسطيني الذي يكتبه أدباء فلسطينيون يعيشون في مدنهم وقراهم الواقعة تحت الحكم الإسرائيلي، باعتباره امتداداً أصيلاً للأدب الفلسطيني في مواقع مختلفة، بل باعتباره جزءاً أصيلاً من الأدب العربي، يتأثر به ويؤثر فيه سواء بسواء.



Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME