حوار مع محمود شقير عميد كتّاب القدس

مدينتي القدس مهدّدة بأن تفقد طابعها العربي الإسلامي

حاوره: عبد السلام لصيلع

الحديث مع عميد كتاب القدس القاص الفلسطيني محمود شقير ثري ومفيد ومؤثر... انتاجه الابداعي غزير يتمثل في 28 كتابا منها 16 كتابا للاطفال والفتيات والفتيان، من بينها قصص قصيرة وروايات ومسرحيات. وقد انجز 9 مجموعات قصصية للكبار منها 5 مجموعات قصص قصيرة جدا... وأنجز كتابا عن القدس وهو «الظل الآخر للمدينة» وكتابا في ادب الرحلات... وكتب 6 مسلسلات للتلفزيون ونصوصا مسرحية جرى تمثيلها وعرضها على مسارح المدن الفلسطينية بالاضافة الى انه كاتب مقالات ادبية وسياسية كثيرة... اول مجموعة قصصية له عنوانها «خبز الآخرين» وآخر مجموعة قصص قصيرة جدا اصدرها هي «احتمالات طفيفة»... وله اعمال ادبية اخرى تنتظر الصدور.
في زيارته الاخيرة الى تونس كان لي معه لقاء تخلله الحوار التالي:



قبل كل شيء ما الذي بقي في ذاكرتك عن القدس مدينتك التي ولدت فيها؟

ـ الكثير الكثير مازال موجودا في ذاكرتي عن القدس، لأنني ولدت في المدينة وترعرعت فيها وعشت كل سنوات عمري تقريبا في المدينة ما عدا فترة الابعاد التي تعرضت لها حينها قامت سلطات الاحتلال الاسرائيلي بابعادي من المدينة مدة 18 سنة من 1975 الى 1993 لكن كل ما تبقى من ايام سنوات عمري قضيتها في القدس... والقدس حاضرة في ذهني وفي وجداني بكل تفاصيلها وكل ملامحها وكل ما فيها من بشر وعمران... وكل ما فيها من حياة يومية... من تجارة وسياحة وحياة ثقافية، ومن مؤسسات، كل هذا حاضر في ذهني وموجود...
وايضا القدس في صورتها الحالية التي تتعرض للتهويد ايضا موجودة في ذهني وحاضرة امام عيني كل يوم حينما ارى جدار الفصل الذي يحيط بها والذي اقامه الاسرائيليون ويفصلها عن الضفة الغربية وبقية الاراضي الفلسطينية عام 1967، وايضا البؤر الاستيطانية في داخلها والمستوطنات الموجودة حولها والتي تطوقها... كل هذا موجود واراه يوميا واعاني منه يوميا، فالمدينة ليست موضوع ذاكرة وانما هي موضوع معايشة يومية.

l وما الذي تتذكره عن طفولتك؟

ـ انا اتذكر انني، اول مدينة تعرفت عليها وذهبت اليها هي مدينة القدس، لأنني ولدت في قرية متاخمة للمدينة اسمها «جبل المكبر» ثم اصبحت هذه القرية مع الايام جزءا من مدينة القدس، واذكر حينما كان ابي يأخذني معه الى هذه المدينة كم كنت اندهش وانا ارى الكثافة البشرية في داخل اسواقها... وانا ارى السيارات والمحلات التجارية وكل ما تتميز به المدينة عن القرية.
هذا جانب من جوانب طفولتي في علاقتي مع المدينة، اذكرايضا ان طفولتي ترافقت مع بدايات النكبة الفلسطينية عندما كان عمري سبع سنوات، تعرضت لأول مكابدة ولأول تجربة مع العدوان الاسرائيلي حينما نشبت معركة بالقرب من قريتي على الجبل الذي تسمى قريتي باسمه الذي هو «جبل المكبر» وقريتي تحمل اسمين، اسم «جبل المكبر»، واسم «السواحرة» فالجبل هو الجانب الابرز في القرية، في سنة 1948 تعرضت لهجوم من العصابات الصهيونية التي كانت تنوي احتلاله وتصدى له مقاومون من القرية وايضا بعض القطاعات العسكرية للجيش المصري واستطاعوا ان يردوا هذا الهجوم، لكن في تلك الليلة حينما سمعت القذائق وطلقات الرصاص انا خفت وكنت طفلا صغيرا واضطرت أمي ان تأخذنا الى منطقة آمنة مع بقية سكان القرية، ابتعدنا عن المكان المهدد بالخطر الى مكان آمن بعيدا من موقع المعركة. لم نعد الى بيتنا في الحال الى ان هدأت الاحوال، وبعد ذلك عدنا.
كانت هذه اول مكابدة مع العدوان الاسرائيلي وكانت بداية لمعاناة اطول حيث انني عشت كل طفولتي وكل شبابي وكل حياتي حتى الآن وانا على مسافة ما من هذا العدوان الاسرائيلي وهذا الاحتلال الاسرائيلي الذي فيما بعد مارس ضدي شخصيا اضطهادا غير قليل حينما اعتقلت اول مرة في عام 1969 بقيت في السجن حوالي عشرة أشهر، واعتقلت مرة ثانية في عام 1974 وبقيت في السجن ايضا حوالي عشرة أشهر، ثم ابعدت من الوطن وبقيت في المنفى 18 سنة ... وحتى حينما عدت الى الوطن لم اعد الى وطن محرر، بل عدت الى وطن مازال تحت الاحتلال، هذا ايضا ادى الى ان تستمر المكابدة والمعاناة. يعني باختصار، حياتي اصطبغت بشكل اساسي بهذه المعاناة التي هي المعاناة من العدوان الاسرائيلي ومن الاحتلال الاسرائيلي ويمكن ان تكون واحدة من الأمور التي حفزتني على الكتابة وجعلتني اتجه نحو كتابة الادب.

l وسنوات شبابك كيف كانت؟

ـ انا في شبابي تخرجت من المدرسة الرشيدية الثانوية في القدس في سنة 1959 وعينت بعد ذلك مباشرة مدرسا في احدى قرى الريف الفلسطيني. وفي هذا الاثناء وفيما انا اعمل مدرسا اتجهت الى دمشق لكي انتسب في جامعتها وبالفعل في السنة الاولى التي ذهبت الى دمشق كنت احمل شهادة الميترك التي هي اعلى شهادة في المدارس الثانوية الاردنية كانت الضفة الغربية قد اصبحت جزءا من المملكة الاردنية الهاشمية بعد نكبة 1948.
وقتها كان صدر قرار في الجامعة ان لايقبل الا التوجيه المصري لأن سوريا اصبحت جزءا من الجمهورية العربية المتحدة (وحدة مصر وسوريا). فعدت الى القدس وسجلت لكي ادرس التوجيهية المصرية في احدى المدارس في المدينة، وبالفعل تقدمت للتوجيهية ونجحت فيها وعدت الى دمشق في السنة التالية وانتسبت الى جامعتها ودرست «فلسفة» و «اجتماع» مدة اربع سنوات وحصلت على ليسانس فلسفة واجتماع. في سنة 1965 كنت اشتغل مدرسا، وبدأت منذ تخرجي من المدرسة في الاهتمام بالكتابة، بحيث انني صرت ميالا الى كتابة القصة القصرية، وايضا كنت اكتب بعض المقالات، لكن في الاساس انصب اهتمامي على كتابة القصة القصيرة. وبالفعل بعد محاولات فاشلة في كتابة القصة القصرية نجحت في ان انشر اول قصة في سنة 1962 في مجلة «الافق الجديد» التي كانت تصدر في القدس آنذاك، وهذه المجلة بالفعل هي التي فتحت لي افق الكتابة يمكن لولاها لما واصلت المشوار، لكن المجلة فتحت لي ولغير من جيل الشباب افقا جيدا لكي نكتب قصصا وقصائد ومقالات نقدية وما الى ذلك، هذا ساعدني كثيرا وبعد ذلك انطلقت في كتابة القصة والمقالة النقدية وفي كتابات اخرى عديدة. في تلك السنوات ايضا تزوجت من فتاة من قريتي في عام 1961 وانجبنا خمسة ابناء على مدار السنوات اللاحقة، ثلاثة اولاد وبنتين، وتخرجت من الجامعة كما قلت لك، واستمر عملي في التدريس الى ان اعتقلت في عام 1969 ثم بعد ذلك تفرغت في العمل السياسي لسنوات.
وحينما كنت في المنفى ايضا عملت في المجلة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي هي «فلسطين الثورة» كنت محررا فيها وانصب اهتمامي على الثقافة والكتابة الادبية بشكل اكبر، والى جانب هذا ايضا كتبت عندما عدت الى الاردن مسلسلات للتلفزيون الاردني بثتها محطات تلفزيةعربية اخرى.
وعملت في جريدة «الرأي» عملا اضافيا، كنت اكتب مقالات ادبية وانشر قصصا الى جانب اشرافي على قسم الارض المحتلة، احرر مواد لها علاقة بالارض المحتلة في جريدة «الرأي» الاردنية. واستمر هذا حتى عدت الى الوطن خلال سنة 1993 حيث عملت رئيس تحرير لجريدة «الطليعة» الاسبوعية المقدسية، ثم عملت مشرفا عاما على مجلة «دفاتر ثقافية» تابعة لوزارة الثقافة الفلسطينية، وبعد ذلك، اي مند خمس سنوات انا متفرغ كليا للقراءة والكتابة لا افعل غير انني اقرأ واكتب.

l بعدما عرفنا ابرز محطات حياتك، ما هي العناصر التي شكلت شخصيتك؟

ـ انا انتمي الى اسرة محافظة، جدي وابي وجميع افراد اسرتي هم محافظون ومتدينون انا في فترة يفاعتي الاولى وشبابي كنت ايضا شابا محافظا ومتدينا لكن فيما بعد وفي اثناء اشتغالي بالسياسة وانعطافي نحو اليسار اصبحت من الناشطين في اليسار الفلسطيني يمكنني القول ان انتمائي الى هذا الفكر فتح آفاقي اكثر واصبحت مطلعا على تجارب اكثر وتخلصت من النظرة الضيقة للمجتمع والحياة واصبح عندي استعداد لأن احاور وان اتعامل مع الآراء التي تقع على الضد من آرائي دون انفعال وتزمت وتعصب اعتبر هذا واحدا من الجوانب التي اثرت في شخصيتي. ايض ثقافتي لعبت دورا في تشكيل شخصيتي، ثم دخولي السجن واحتكاكي مع الكثيرين من رموز ونشطاء بالحركة الوطنية الفلسطينية ترك اثره على شخصيتي اضافة الى اسفاري الكثيرة حينما كنت في المنفى، تنقلت في بلدان عديدة وتعرفت على عادات وتقاليد وثقافات شعوب متنوعة وهذا ايضا لعب دورا في تشكيل شخصيتي. انا بشكل عام انسان خجول ومسالم... وانا انسان ادعي وازعم انني قادر على الحوار وعلى التعامل مع الآخرين بدون تشنج...
وباستمرار انا غير راض عمن انجزت واطالب نفسي بأن اقدم ما هو افضل باستمرار... وانا اظل اهم ناقد لما اكتب، اي اعتبر نفسي الناقد الأول لما اكتب، لا اصاب بالغرور ولا ادعي التفاخر لأني اعتقد انه كلما تحصل الانسان على معرفة جديدة ادرك انه بحاجة الى مزيد ومزيد من المعارف، والمعرفة واسعة وقدرتنا على التحصيل تظل محدودة لهذا اشعر دائما بأن علي ان اتواضع وان علي ان اسعى دوما لكي اجدد في كتابتي ولكي اقدم ما هو افضل مما قدمت.

l بالاضافة الى ما قلته ما هو دور العائلة والمدرسين في بناء شخصيتك؟

ـ الحقيقة ان بعض المدرسين تركوا اثرا في نفسي وبالتحديد في ما يتعلق بحب اللغة العربية، اذكر وانا في المرحلة الاعدادية ان فريد مدجّج مدرس اللغة العربية يكلفنا بكتابة موضوعات انشاء فيها نوع من الجدة ومما يساعد على تشغيل المخيلة، فعندما يقول لنا «اكتب موضوع انشاء عن قرش يتكلم» انا اعتبرت هذا منحى جديدا في كتابة موضوعات الانسان، وبالفعل استهواني مثل هذا الموضوع وكتبت فيه وشعرت بأنني قادر على ان اشغل مخيلتي وانتج شيئا جديدا. هذا جانب، جانب آخر ان مدرسا مصريا اسمه محمود حسين درسنا ايضا في المدرسة الرشيدية كان حاضر البديهة وانسانا صاحب نكتة، وكاندرسه ممتعا ومشوقا، وفعلا هذا ساعد على ان حببني في اللغة العربية وفي الانتباه اليها، كذلك هناك معلم آخر فلسطيني من اصول مغربية اسمه احمد الطيب كان لايتكلم الا الفصحى في حصة اللغة العربية، وهذا ايضا شد انتباهي الى اللغة وجعلني مهتما بها.
وفي تلك الفترة ايضا بدأت انتبه الى المطالعة الخارجية والى قراءة الكتب الادبية... تضافرت كل هذه العناصر مع بعضها بعضا وساعدتني على ان اتجه في هذا الاتجاه. اما الاسرة، حقيقة من زاوية الثقافة فلم تعطني الا القليل، فمن النادر ان كانت تدخل بيتنا صحيفة يومية... امي كانت لاتقرأ والدي كان يقرأ قليلا، احيانا يأتي الصحيفة اليومية معه وانا اقرؤها، لكن هو عوضني عن هذا بأنه كان يشتغل في الاشغال العامة رئيس ورشة في شق الطرق، وكان في العطل الصيفية يأخذني لاشتغل معه واتعرف على المناطق الجديدة من الريف الفلسطيني واتعرف على انماط من البشر.
هذا ساعدني كثيرا وفتح مداركي في وقت مبكر على العلاقات الاجتماعية والانسانية، ايضا اكتسبت من الاسرة، بالذات من جدتي وأمي ما له علاقة بالحكايات الشعبية... ففي اول طفولتي لم يكن لدينا مذياع، وقد دخل المذياع بيتنا لما كان عمري 10 سنوات وقد عوضتني جدتي وامي عن القراءة الخارجية بسرد الحكايات الشعبية التي استلهمت منها وظهرت في قصصي .
وكان هذا ابرز تأثير مارسته الاسرة وهناك عامل آخر اني كنت اعيش في مجي نفسي من تلك المرحلة في ما يتعلق من الموقف من المرأة.

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME