حوار مع محمود شقير عن رحيل محمودرويش والانقسام الراهن في الساحة الفلسطينية
أجرى الحوار: محمد أبو خضير


س1: ماذا خسرنا برحيل الشاعر الكبير محمود درويش؟
ج1 / كانت الخسارة كبيرة جداً. رحل محمود وهو في ذروة عطائه الشعري. لو أنه عاش عشر سنوات أخرى لأضاف إلى الشعر العربي والإنساني إضافات مهمة، وذلك بالنظر إلى ثقافة محمود الواسعة والعميقة، وقدرته على تحويل هذه الثقافة عبر مصهر ذاته إلى مادة إبداعية تتجلى عبر حواسه وتنعكس على شعره، رقياً وتأملاً وتفلسفاً وسخرية ولغة مدهشة. وكذلك بالنظر إلى عدم رضى محمود الدائم عن منجزه الشعري، ورغبته في تجاوزه للوصول إلى قصيدة متحررة من شرطها الزماني والمكاني، بحيث تصبح مقروءة في كل زمان ومكان.


ولعل قصائد محمود الأخيرة التي سبقت موته تدلل على تمكنه من تجاوز نفسه باستمرار ومفاجأة القراء بإبداع جديد أكثر تألقاً وأكثر إمتاعاً. وهي تضاف إلى قصائد أخرى كثيرة أبدعها محمود، وستكون قادرة على الصمود أمام الزمن، وستظل مقروءة على مدى الدهور مثلما كان الحال وما زال مع قصائد أبي الطيب المتنبي.
من جهة أخرى، تكمن الخسارة في هذا الغياب المفاجئ المبكر، لرمز متألق حمل القضية الفلسطينية إلى العالم، بصفة كونها قضية إنسانية تشتمل على أبعاد تراجيدية وعلى طموح إلى التحرر من الظلم والاستعباد ومن هيمنة قوى الشر، وعلى نحو يجعل بني البشر قاطبة يتماهون مع هذه القضية كما لو أنها قضيتهم هم. وقد كانت له ضمن هذا السياق علاقات مباشرة وغير مباشرة، مع رموز ثقافية وسياسية مهمة، ومع جمهرة غفيرة من القراء ومن محبي شعره على امتداد العالم. وأعتقد جازماً أن رحيل محمود شكل خسارة لكل هؤلاء وأولئك.
علاوة على ذلك، فقد كان رحيل محمود درويش خسارة شخصية لكل من عرفه عن قرب، وأدرك ما كان يتمتع به من رهافة حس وذكاء ومن دماثة خلق وتهذيب، ومن حب للحياة ورغبة في المعرفة وفي السخرية والضحك.

س2 : إلى أي مدى لعب محمود درويش دوره في تجسيد معاناة شعبنا؟
ج2 / عاش محمود درويش مأساة شعبنا حتى الثمالة. عاشها وهو طفل مضطر إلى مغادرة وطنه أمام عسف الغزوة الصهيونية وجرائم القتل والتطهير العرقي التي مارستها المنظمات الصهيونية المسلحة. وعاشها وهو طفل لاجئ في لبنان، ثم وهو طفل متسلل عائد إلى الوطن، غير قادر على العيش في قريته "البروة" التي أصبحت أنقاضاً. بهذا المعنى، فقد عاش لاجئاً في وطنه. وحينما بدأ محاولاته الشعرية الأولى وهو ما زال فتى، امتزج جرحه الشخصي بالجرح العام. ووجد فيه أهل بلاده الناطق باسمهم المعبر عنهم. ووجدت فيه البلاد شاعرها. كانت ميزة محمود منذ وقت مبكر أنه استطاع التعبير عن الوجدان الجمعي لشعبه، فتعلق به شعبه وأحب قصائده التي وجد فيها معاناته وعذاباته. ومع تطور محمود اللاحق، استطاعت قصائده أن تجعل المعاناة الفلسطينية قابلة للتعميم، كما لو أنها معاناة كل بني البشر الطامحين إلى الحرية والعدالة والطمأنينة والسلام.
وحينما ننتقل من فضاء الشعر، ومن فضاء النثر الذي برع فيه محمود أيضاً، وكرسه للتعبير عن القضية الفلسطينية، وللتأمل في الحياة والموت وفي الفكر والأدب.. حينما ننتقل إلى فضاء السياسة، سنجد أن محمود درويش كان مطلعاً على السياسة بعمق مواكباً لكل تجلياتها باقتدار. كان صاحب وعي سياسي رصين، وله اجتهاداته المتميزة في هذا الميدان، وهو إلى ذلك كان واقعياً في السياسة لا يطمئن إلى المواقف الموغلة في التطرف أو الممعنة في الطوباوية. وكان في الوقت نفسه معنياً بالديمقراطية في المجتمع الفلسطيني وبالتعددية السياسية وبالوحدة الوطنية، لضمان تحقيق الحد الأدنى من متطلبات مواجهة الاحتلال، وللتمكن من انتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية. وقد عبر عن عدم ارتياحه للحالة التي وصلنا إليها بعد الانقسام الذي أعقب انقلاب حماس العسكري في غزة، بالشعر وبالنثر وبتوقيع المذكرات وبالكلام المباشر الصريح.

س:3 كيف تصف علاقتك بمحمود درويش؟
ج 3 / كانت علاقة جيدة امتدت لما يزيد عن ثلاثين عاماً. التقيت محمود درويش أول مرة في بيروت العام 1975 ، وما زلت أذكر ذلك اللقاء الذي أعقب تعارفنا بأشهر، وجرى في بيتي الذي سكنته بالقرب من مبنى جامعة بيروت العربية. كنت آنذاك خارجاً من سجون الاحتلال مبعداً من الوطن. جاء محمود إلى البيت في المساء، وانعقدت بشكل تلقائي سهرة ثقافية ممتعة، حضرها الكاتب عدي مدانات القادم من عمان، والفنان مصطفى الكرد القادم من القدس، والشاعر عز الدين المناصرة والناقد السينمائي عدنان مدانات، اللذان كانا يقيمان في بيروت.
انتبهت في ذلك اللقاء إلى معرفة محمود الواسعة وإلى ثقافته الشاملة، وهو يحاور الحضور حول الأغنية الثورية شكلاً ومضموناً، وحول النقد الأدبي ودوره في تطوير العملية الإبداعية، وحول قضايا ثقافية أخرى لم أعد أذكرها الآن.
تعددت اللقاءات بيننا بعد ذلك. وأذكر أنه جاء إلى عمان في العام 1978 لإحياء أمسية شعرية جرى تنظيمها في مجمع النقابات المهنية في الشميساني، وكنت آنذاك قد انتقلت إلى عمان للعيش فيها، وكنت إلى ذلك عضواً في الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين. بعد الأمسية الحاشدة في مجمع النقابات، اقترحت على محمود أن يزور مقر الرابطة لمحاورة الكتاب في أمسية خاصة. وافق على ذلك واقترح ألا نقوم بالإعلان عن الأمسية لكي يكون الحضور محدوداً.
جاء إلى مقر الرابطة، وقمت بتقديمه إلى الكتاب وإلى الجمهور الذي غصت به قاعة الرابطة رغم عدم إعلاننا عن الأمسية. وقد جرى حوار متبادل بينه وبين والجمهور حول تفاصيل إبداعه الشعري امتد حوالي ساعتين.
وحينما انعقد في العام 1987 مؤتمر الكتاب والصحافيين الفلسطينيين في الجزائر، انتخب محمود رئيساً للاتحاد، وانتخبتْ أمانة عامة للاتحاد كنت أنا أحد أعضائها. وقد استمر عملنا المشترك في الاتحاد مدة سبعة عشر عاماً. وفي العام 1997 تشكلت بمبادرة من وزارة الثقافة الفلسطينية لجنة جوائز فلسطين للآداب والفنون والعلوم الإنسانية، وانتخب محمود رئيساً للجنة وانتخبت أنا أميناً للسر، واستمر عملنا المشترك في هذا الميدان حتى العام 2001 . وكان آخر نشاطاتنا العملية المشتركة، في اللجنة المشرفة على المهرجان الثقافي الفلسطيني الذي سيقام في بلجيكا. كان محمود هو الرئيس الفخري لهذه اللجنة وكنت أنا أحد أعضائها، وكان من المقرر أن نتوجه مع وفد من الكاتبات والكتاب والفنانات والفنانين الفلسطينيين إلى بروكسل في السابع من شهر تشرين الأول 2008 ، وأن يجري افتتاح المهرجان بأمسية شعرية لمحمود. ومع الأسف، فإن أمسيته هذه لن تتم، لأن الموت اختطفه منا.
في خضم هذه الأنشطة المشتركة وأثنائها وعلى هامشها التقيت محمود درويش عدداً غير قليل من المرات، وكانت لنا لقاءات في بيروت، عمان، براغ، تونس، الجزائر ورام الله. وطوال هذه السنوات تعززت قناعتي بما لمحمود من قدرة على العمل المنظم في قيادة الاجتماعات ومتابعة تنفيذ المهمات الثقافية، وبما له من مكانة راسخة في نفوس كل الذين عرفوه وكانوا على مقربة منه. وإنني أشعر بفداحة الخسارة التي أصابتنا جميعاً جراء رحيله. وأنا حزين لذلك.

س4: أين نحن من حلم محمود درويش ويأسه من أوسلو وإفرازاتها؟

ج 4 / كان لمحمود درويش اهتمام بالسياسة لا ينقطع، أهّلَه لأن يكون بكل جدارة عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقبل عضوية اللجنة التنفيذية وبعدها ظل محمود متابعاً لتطورات القضية الفلسطينية، وكان في الوقت نفسه ملماً بالخريطة السياسية في إسرائيل وبما فيها من تشابكات. وكانت لديه قدرة واضحة على تشخيص الحالة السياسية في منطقتنا وما تشتمل عليه من التباسات وتناقضات.
ولم يكن محمود صاحب شطحات سياسية مجانية أو تهويمات خيالية معزولة عن أرض الواقع. كان واقعياً في السياسة، صاحب نظرة استراتيجية إلى الصراع، قادراً على توقع احتمالات المستقبل انطلاقاً من رؤيته العميقة لما يحيط بالقضية الفلسطينية من تعقيدات. ولذلك، بدا غير مقتنع باتفاقيات أوسلو لافتقارها إلى الوضوح، وقابليتها لأن يفسرها كل من طرفي الصراع على هواه، ولاعتقاده بأن بنودها لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. لكن ذلك لم يمنع محمود درويش من البحث عن حل واقعي معقول للصراع، يحفظ للشعب الفلسطيني كرامته الوطنية، ويحقق له ما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية من حقوق. ولن ننسى في هذا الصدد أن محمود درويش هو الذي كتب نص وثيقة الاستقلال التي أعلنت في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشرة العام 1988 في الجزائر.

س5 : كيف تصف الوضع الفلسطيني الداخلي في ظل الانقسام بين جناحي الوطن: ضفة مستباحة وقطاع محاصر؟

ج 5 / إنه وضع مربك، وهو مؤشر على أن القضية الفلسطينية تجتاز مرحلة من أسوأ المراحل التي مرت عليها. وإن استمرار هذا الوضع، وعدم إنهاء حالة الانقسام الراهنة بين جناحي الوطن، يعني مزيداً من التدهور في مكانة القضية الفلسطينية. ولعل هذا الوضع واستمراره يشكل الفرصة الأمثل لحكام إسرائيل، لأنه يمنحهم أفضل غطاء للتملص من استحقاقات أية تسوية سياسية محتملة. ولنتذكر ما سربته الصحافة الإسرائيلية مؤخراً عن مقترحات إسرائيلية للتسوية، حيث تم التأكيد على ضرورة انهاء حالة الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، قبل وضع هذه المقترحات المنقوصة موضع التنفيذ. ولا يعني هذا أن حكام إسرائيل معنيون بالوحدة الوطنية الفلسطينية وبتوحيد جناحي الوطن، بقدر ما يعني أنهم معنيون باللعب على التناقضات الفلسطينية، واتخاذها ذريعة للتملص من أية التزامات على طريق حل الصراع.

س6 : ما هو السبيل للخروج من مأزق الاحتلال الذي طال؟

ج 6 / للخروج من هذا المأزق لا بد من استعادة الوحدة بين الضفة والقطاع على أسس صحيحة، تضمن الحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني وبرنامجه المستند إلى قرارات الشرعية الدولية، وتضمن في الوقت نفسه الحفاظ على إنجازات الثورة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وبالذات ما يتعلق منها بالهوية الوطنية والثقافية للشعب الفلسطيني كما استقرت عليه في الأذهان الآن، وضمان تطويرها بأفق عقلاني وبانفتاح على الثقافة الإنسانية المعاصرة، ووقف تعددية القوى المسلحة مع التأكيد على ضرورة التعددية السياسية واحترام الرأي والرأي الآخر، ووضع برنامج كفاحي متفق عليه من كل قوى شعبنا للنضال ضد الاحتلال بما يضمن إشراك الجماهير الشعبية في ذلك، وبما يضمن تجنيد الدعم لهذا النضال من كل القوى المحبة للسلام في العالم، وفي داخل إسرائيل نفسها، برنامج قابل لحشد التأييد الواسع له، ولقطع الطريق على أية التباسات تساعد آلة التضليل الإعلامي الإسرائيلي وغيرها، على اتهام نضالنا المشروع من أجل دحر الاحتلال، بأنه إرهاب!
وعلى الصعيد الداخلي، ينبغي تخليص السلطة الوطنية الفلسطينية من كل ما شاب مسيرتها من ترهل وبيروقراطية وأخطاء وفساد. وإتاحة الفرصة لمزيد من الديمقراطية والتعددية وتطوير المجتمع المدني، ووضع سياسات اقتصادية وثقافية واجتماعية تسهم في تعزيز صمود الناس في وطنهم، وحل المشكلات المعيشية المتفاقمة للفئات المسحوقة من الشعب، وتعزيز الهوية الثقافية بمزيد من دعم الثقافة وإيلائها الاهتمام الكافي، باعتبارها الجبهة التي لا بد منها لتعزيز الصمود ولخلق أجيال واعية تحب الوطن وتعلي من شأن العقل وقدرته على تحقيق الإنجازات، ولا يسهل في الوقت نفسه تضليلها بأبسط الوسائل والترهات.
ولا بد من السعي لوقف الانقسام، وكذلك حالة الاستقطاب بين التنظيمين الكبيرين في الساحة الفلسطينية، وتشكيل حكومة انتقالية تشرف على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية، كمقدمة لا بد منها للانطلاق نحو آفاق جديدة في العمل الوطني ضد الاحتلال، ولانتزاع حقنا في الحرية والعودة والاستقلال.
صحيفة الدستور/ العدد 14574/ عمان/ الأردن
الاثنين 1 / 9 / 2008





Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME