شقير: الوطن الحلم أجمل من الوطن الواقع
« دور الثقافة الوطنية منحسر بسبب ضعف الإقبال على القراءة »
غزة - شيماء يوسف

محمود شقير
محمود شقير، كاتب مقدسي ممن لهم علامة فارقة ومميزة في الأدب الفلسطيني، بدأ كتابة القصة القصيرة مطلع الستينيات، وكان واحداً من مجموعة كتّاب قدمتهم مجلة «الأفق الجديد» المقدسية، انقطع عن الكتابة بسبب نفيه خارج فلسطين، وعاد في الثمانينيات بكتابة القصة القصيرة جداً، وخصّص لمدينته القدس كثيرا من قصصه، وأصدر أكثر من عشرين كتابا للكبار والصغار، وهنا نَص الحوار الذي تحدث شقير من خلاله عن هموم الثقافة والمثقف وعن مسيرته الطويلة.



{ كيف ترى فن «القصة القصيرة جدا» في الساحة

ا لفلسطينية؟

- يبدو لي أن القصة القصيرة في فلسطين تتطوّر نحو آفاق جديدة، ويتزايد باستمرار عدد الكاتبات والكتّاب الذين يُقبلون على كتابتها. وتظهر تجارب جديدة على أيدي كاتبات وكتاب من الجيل الجديد، فيها اهتمام بتسليط الضوء على الهامش وما فيه من قضايا وهموم، وفيها جرأة في كشف ما يكمن تحت سطح المجتمع من أزمات لا تلبث أن تنفجر على هذا النحو أو ذاك. وتدخل الفانتازيا في بعض التجارب القصصية. ويواصل كتّاب من الأجيال السابقة كتابة القصة القصيرة بدرجات متفاوتة من التجديد، ويكاد النص القصصي المفتوح يجد رواجا غير قليل في الكتابات القصصية الفلسطينية المعاصرة. وفي ما يتعلق بالقصة القصيرة جدًّا، فإن انتشارها في فلسطين لا يصل إلى درجة انتشارها في بلدان عربية أخرى. ويبدو لي أن قصر الشريط اللغوي للقصة القصيرة جدًّا، وما فيها من بساطة ظاهرية، يغري الكثيرين بتجريب حظّهم في هذا الميدان، ما يتسبّب في كثرة النماذج الرديئة التي تظهر على اعتبار أنها قصص قصيرة جدًّا، في حين أنها لا تعدو كونها خواطر ذات صبغة إنشائية أو وجدانيات مطعّمة بلغة شعرية، أو أمثولات ذهنية هدفها تصيّد بعض المفارقات السياسية أو الأخلاقية العامّة. لا يحدث مثل هذا عندنا فقط، بل عند غيرنا كذلك، والنماذج الجيدة من القصة القصيرة جدًّا قليلة إلى أبعد الحدود.

«الأفق الجديد».. وهزيمة حزيران

{أنت من جيل «الأفق الجديد» المقدسية، فما تقييمك لتلك المرحلة؟

- تلك مرحلة كانت غنية بالتجارب الجديدة التي أبدعها شعراء وقاصون ونقاد من جيل الشباب في الأردن وفلسطين، وكانت تعد بالكثير لولا توقّف مجلة «الأفق الجديد» القسري عن الصدور، ولولا هزيمة حزيران 1967 التي ألحقت ومازالت تُلحق بنا مزيدًا من الخسائر على كل صعيد.

جاء ظهور مجلة الأفق الجديد في وقته المناسب تماما، ذلك أنه لم يكن قد مضى على النكبة الفلسطينية في العام 1948 سوى 13 سنة، وقد كانت هذه السنوات كافية للتأمل في ما جرى وللتعرف إلى الأسباب التي قادت إلى النكبة، وكانت كافية كذلك لاختمار الرؤى والتجارب الجديدة التي ظهرت بعد النكبة وتجاوزت مرحلة الأدب الفجائعي ذي النزعة الرومانسية المشوبة بالحسرة على فقدان فلسطين، ليحل محلّه أدب جديد ذو نزعة واقعية ورؤى تستشرف المستقبل، وتتمرّد على الأسباب التي ولدت النكبة وكانت حاضنة لها.

ومثلما أن النكبة أدّت إلى انهيار المجتمع الفلسطيني الذي كان يشهد بدايات الدخول إلى الحداثة على مختلف الأصعدة، وبالذات على الصعيد الثقافي والأدبي، فقد جاءت هزيمة حزيران لتدمّر هي الأخرى فرص استمرار النهوض الأدبي الذي كان يتشكل في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة التي وقعت بين النكبة والنكسة، حيث تعطلت المنابر الثقافية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتمّ تشتيت حضور الأدباء والنقاد والصحافيين، إما بالاعتقال الإداري وإما بالإبعاد خارج الوطن.

أثر الإبعاد على التجربة

{ أبعدت خارج فلسطين من العام 1975 وحتى 1993، فكيف أثر الإبعاد في تجربتك الأدبية؟ وهل الوطن «الحلم» أجمل من الوطن»الواقع»؟

- للإبعاد أثر أكيد في تجربتي الأدبية. أذكر أنني كنت غير قادر على كتابة القصة القصيرة في الأشهر الأولى التي أعقبت إبعادي من الوطن. حاولت أن أكتب بالاعتماد على الأدوات الفنية لتجربتي السابقة في الكتابة القصصية، ولم أتمكن من ذلك. وكان لا بد لي من أن أغامر بكتابة قصص ذات منحى تجريبي، لعلني أهتدي إلى شكل أدبي ملائم لقصصي. وهكذا ظهر كتابي الثاني «الولد الفلسطيني»، ليكون علامة على هذه التجربة التي فتحت لي آفاقًا أكثر رحابة للإمعان في الكتابة التجريبية.

بالطبع، أسهم المنفى في تمكيني من الاطلاع على ثقافات لم يكن اطلاعي عليها كافيًا، وأنا أعيش في الأرض المحتلة تحت حصار متعدّد الجوانب. وكان لهذا الاطلاع أثره في كتاباتي اللاحقة. غير أن المنفى الذي جعلني أحيا بعيدًا من مكاني الأول، جعلني في الوقت نفسه غير قادر على كتابة قصة واقعية تستحضر هذا المكان. وربما لهذا السبب وجدتني أنحاز لكتابة القصة القصيرة جدًّا التي تتميز بالاقتصاد اللغوي، ولا ضرورة لأن يظهر المكان فيها بتفاصيله الواقعية. في القصة القصيرة جدًّا يمكن للقاص أن يكتفي بجزئية دالة على المكان، أو على بعض ملامح المكان، ثم إن كثيرًا من قصصي القصيرة جدًّا التي كتبتها في المنفى كانت تتخذ من بعض أمكنة المنفى أطرًا مكانية لها. وأعتقد أن الوطن الحلم أجمل من الوطن الواقع. لا أقصد هنا الواقع الجغرافي وإنما الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي. هنا يلعب الاحتلال دورًا تخريبيًّا بتجميده تطورنا، وبوضعه العراقيل في وجه هذا التطور، بل إنه يعمل على تكريس ما فينا من تخلّف، ويشجع على إعادة إحياء ما كنا تجاوزناه من بنى اجتماعية بدائية، تسهم في إضعاف المجتمع المدني، من خلال تعزيز النزعات العائلية والعشائرية والقبلية التي تؤجج الصراعات الداخلية، على نحو يهدّد النسيج الاجتماعي للمجتمع الفلسطيني.

{ بعد عودتك من المنفى كتبت «ظل آخر للمدينة» واعتبره البعض يوميات لعروس المدائن القدس، كما اعتبره البعض الآخر مزيجا من الرواية والقصة ومن المذكرات.. فكيف تراه أنت؟، وما مصير القدس التي تتعرض للتهويد يوميا؟

- أنا أميل إلى اعتبار هذا الكتاب نصًّا مفتوحًا قادرًا على استيعاب عدة أجناس أدبية في وقت واحد. هو ليس رواية بالتأكيد، لكنه يستفيد من تقنيات الكتابة الروائية، وهو ليس يوميات أو مذكرات فقط، لأن ما فيه من سرد ومن شخوص ومن وصف للمكان، يفيض عن شكل اليوميات ومحتواها، مثلما يفيض عن شكل المذكرات ومحتواها.

القدس تتعرّض بالفعل للتهويد كلّ يوم. ومن المهم أن تكون هناك إلى جانب النضال الوطني ضد الاحتلال، خططٌ منهجية يتعاون على تنفيذها الفلسطينيون والعرب وكل محبي السلام في العالم، لتفويت الفرصة على المحتلين الإسرائيليين الطامعين في تغيير طابع المدينة وطمس حقيقتها، باعتبارها مدينة عربية إسلامية ذات أبعاد مسيحية فلسطينية، وباعتبارها مدينة التعددية والسلام. وضمن هذا الإطار أعتقد أن للأدب وللفن وللثقافة دورا يمكن تأديته على النحو الذي يسهم في الدفاع عن المدينة وعن عروبتها المستباحة.

القصة.. وأدب الأطفال والرحلات

{ كتبت في أدب الرحلات وفي أدب الأطفال وفي القصة القصيرة وفي الأقصوصة.. فأين تجد ذاتك؟

- أفضّل بالدرجة الأولى القصة القصيرة، لأنها هي التي ابتدأت بها مشواري في دنيا الكتابة، وهي التي أجد نفسي فيها أكثر من غيرها من أجناس الأدب الأخرى.

كتبت كتابًا واحدًا في أدب الرحلات هو «مدن فاتنة وهواء طائش» تطرّقت فيه إلى الكتابة عن 15 مدينة في العالم قمت بالارتحال إليها، علاوة على الكتابة عن القدس ورام الله، باعتبارهما أكثر مدينتين فلسطينيتين عرفتهما وعشت فيهما.

وقد استعنت في هذا الكتاب بأساليب القص المستفادة من القصة القصيرة، ومن بعض تقنيات الكتابة الروائية، لكي أقدّم مادة أدبية لا تتوقف عند المعلومات التقريرية الجافة، بقدر ما تُعنى برصد ما هو إنساني في المادة المسرودة.

أنا معنيّ بعد سنوات طويلة من الكتابة للأطفال، بأن أكتب قصصا بأسلوب سهل ولغة بسيطة، بحيث يتجلى فيها عنصرا الخيال والمتعة اللذان لا بد منهما في كلّ كتابة قصصية أو روائية ناجحة للأطفال.

{ ما دور المثقف، وفق رأيك، خصوصا في هذه الأوضاع الصعبة عالميا وفي كل النواحي؟

- للمثقف دور أكيد لا بد له من أن ينهض به. وكلما ساءت الأوضاع من حولنا سواء أكان ذلك على الصعيد المحلي أم على الصعيدين العربي والعالمي، تأكّدت الحاجة إلى الثقافة ذات الأبعاد الوطنية والديمقراطية والإنسانية، وللمثقف المنحاز إلى الحياة وإلى الدفاع عن الإنسان وعن كرامته وحريته الشخصية، وعن حقه في أن يحيا في وطن حرّ بأمن وسلام بعيدا مما يمكن أن يهدد حياته أو يعرضها للخطر.

مما يؤسف له أن دور الثقافة الوطنية الديمقراطية ينحسر في بلادنا وفي بلدان الوطن العربي، بسبب ضعف الإقبال على القراءة، باعتبارها الوسيلة الأبرز للتحصيل الثقافي، وبسبب انتشار ثقافة الصورة التي يروّج لها التلفزيون والانترنت، وبسبب انتشار الثقافة الاستهلاكية التي تخاطب الغرائز، وتسعى إلى تغيبب العقل وتشويه وعي الناس.

القصة القصيرةجداً

حول تعريفه «للقصة القصيرة جداً» يقول شقير: يصعب العثور على تعريف جامع مانع للقصة القصيرة جدًّا. فهي بالرغم من الفترة الزمنية غير القصيرة التي انقضت على كتابتها، مازالت تشهد جدلاً حول جدارتها وجدواها، وحول الأسس الفنية التي تنهض عليها. ولعلني أشير إلى أن هذه الكتابة لم تستقرّ بعد على اسم ثابت حتى الآن. فهناك من يطلق عليها اسم: القصة القصيرة، ومن يطلق عليها: القصة اللقطة، أو القصة الومضة. وهناك من يطلق عليها اسم: القصة القصيرة جدًّا، وهو الاسم الأكثر شيوعًا. وقد لاحظت أثناء قراءتي لبعض الكتب الصادرة في الولايات المتحدة الأميركية، أن ثمة عدم استقرار على اسم محدّد لهذه القصص حتى الآن.

ولاحظت أن أحد النقاد في الولايات المتحدة يعرّف القصة القصيرة جدًّا بأنها تلك التي لا يزيد عدد كلماتها عن سبعمئة وخمسين كلمة، وهو تعريف ناقص وغير دقيق، ثم إن قصة بهذا الحجم تسمى عندنا أقصوصة.

وعما يميز القصة القصيرة جدًّا يرى شقير أنه قِصر شريطها اللغوي إلى أقصى حدّ ممكن، وهذا يتطلب تكثيفًا واقتصادًا صارمًا في اللغة، وميلاً إلى الإخبار عن الحدث القصصي بلغة فيها من الإيحاء أكثر مما فيها من الإخبار، ولعلّ اقتناص المفارقات وتقديم النهايات المفاجئة الصادمة من المزايا التي ينبغي توافرها في القصة القصيرة جدًّا.

ويضيف: أعتقد أن السمات المذكورة آنفًا التي تميّز القصة القصيرة جدًّا قد تسهم في تقديم تعريف لها يفي بالغرض إلى حدّ ما.
تاريخ النشر : 2010-04-01
جريدة الأوان/ الكويت

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME