نسيم الذي غاب ولم يغب*
الأخوات والأخوة
أيها الحضور الكريم
قبل عام على وجه التقريب غاب نسيم عدنان شقير وهو في عز الشباب، غاب في وقت كان يتهيأ فيه لمواصلة دراساته العليا بعد أن حاز الشهادة الجامعية الأولى. غاب نسيم على نحو مفاجئ مما ضاعف من مرارة الفقد ومن خسارة فادحة لم تكن في البال. هكذا غاب الشاب الفتي المجد الذكي النبيه المحب المحبوب دون كلمة وداع واحدة. إذ كيف يفكر من كان في رحلة إلى قمة الجبل وهو في أوج المتعة والانطلاق والرغبة في التجريب، كيف يفكر في الوداع وهو مقبل على الحياة أيما إقبال!


قبل عام تقريبًا، غاب نسيم الذي عرفته منذ كان طفلاً. عرفته ذكياً كريم الطباع، كنت أراه في بيت أهله حينما أذهب زائراً إلى بيت الأهل. وكنت أراه حينما يأتي إلى بيتنا برفقة أبيه، يجلس معنا مثل الكبار، ويصغي إلى أحاديثنا وعلى ملامحه وقار مبكر، أو لعله ذكاء العقل والقلب الذي كان يجعله مهوى أفئدة المحبين والمحبات من أهله وأقاربه والقريبات. وكان يأتي إلى بيتنا وحده في بعض الأوقات لكي يحمل لي كتباً أرسلها معه أبوه، أو لكي يأخذ من مكتبتي كتباً ليقرأها أبوه. كان نسيم ساعي بريد بيننا يؤدي مهمته بأمانة وإتقان. وبين الحين والآخر، كنت أهديه بعض كتبي المكرسة للأطفال، يأخذها لكي يقرأها على أمل أن أسأله رأيه فيها بعد القراءة. كنت أسأله حيناً ولا أجد وقتاً للسؤال حيناً آخر، وفي هذا كنت أنا المقصر الوحيد دون جدال.
كان نسيم دائم الحضور في حياة من عرفوه من أهل وأقارب وأصحاب. وكنت عرفته منذ كان طفلاً، وعرفته شاباً لا تفارق الابتسامة محياه الوسيم، تتبدى في حركاته النشطة علامات عزم وتصميم واندفاع. كنت وأنا أتأمل هذا الشاب الطموح كلما التقيته أتوقع له مستقبلاً زاهراً انبنت أسسه الراسخة على تربية صحيحة ورعاية قصوى، وعلى تفاعل حي بين الابن المتحفز لتحدي الصعاب والأم الرؤوم والأب الواعي اللذين كانا على أتمّ استعداد لبذل الغالي والنفيس من أجل أن يحقق الابن الوحيد كلّ ما تصبو إليه نفسه من رغبات سامية ومن تطلعات.
كانت آخر مرة رأيته فيها في بيت العزاء يوم ماتت إحدى نساء العائلة. كانت هيئة الشاب وطريقته في استقبال المعزين وفي القيام على خدمتهم دون تقاعس أو تقصير، تنمّ عن ثقة في النفس وعن تمرس في فهم الحياة قبل الأوان. كم أعجبت بنسيم يومها وتوقعت أنه سيكون له شأن كبير في هذه الحياة، وفي المجتمع الذي كان يخطط للعودة إليه بعد التزود بالعلم النافع له وللناس في بلاده وللمجتمع سواء بسواء! وكم فجعت حينما جاءني خبر الرحيل غير المتوقع في صباح مربك لا يشبهه أي صباح. آنذاك أيقنت أن الحياة تحمل في طياتها من المفاجآت ما يبدو كأنه اختبار لقدرة الناس على الاحتمال. ولقد أكبرت في الدكتور عدنان شقير، صديقي وابن عمي العزيز، قدرته على احتمال هذا المصاب الجلل الذي حلّ على غير ميعاد. وأكبرت كذلك في أم نسيم وأخوات نسيم الفاضلات قدرتهن على الاحتمال.
وصرت مع الأيام، ومع تطاول وقت المأساة واثقًا من أن نسيم عدنان شقير غاب ولم يغب. غاب بجسمه وظل حياً بيننا بروحه وبما تركه من علامات على جده واجتهاده ورغبته الأكيدة في التحصيل العلمي، وفي الانتصار لمنطق الحياة السوية التي يمتزج فيها الشخصي بالعام، لكي تتحقق للشخص الفرد طموحاته المشروعة التي تنفعه وتنفع في الوقت نفسه الوطن والناس.
لهذا كان تفكيرنا بهذه الجائزة التي تحمل اسم نسيم عدنان شقير، لكي نبقي اسم نسيم حياً معنا في كل أيامنا القادمات. نبقيه معنا بالحفاظ على المثل التي آمن بها وعمل من أجلها، وبالمثل الذي ضربه في الجد والاجتهاد، آملين أن تنتقل هذه الصفات النبيلة إلى أبنائنا الطلبة وبناتنا الطالبات. نسهم عبر هذه الجائزة في لفت الانتباه إلى أهمية العلم والتحصيل العلمي وإلى أهمية الثقافة والتحصيل الثقافي. وبذلك تتوزع روح نسيم في أرواح عدة، ويسري حبه للحياة في أنفس كثيرة. بذلك يتحقق شرط التواصل بين الأجيال، وتستمر هذه الجائزة في الحضور البهي لتذكرنا بأن شاباً مهذباً خلوقاً متعلماً قد مرّ بهذه الدنيا مروراً سريعاً، لكن مروره لم يكن من غير أثر. فهذه الجائزة التي تحمل اسمه ستكون الأثر الباقي الذي يجعله دائم الحضور في حياتنا وفي حياة الأجيال الصاعدة من الأبناء والبنات.
المجد والخلود لروح شهيد العلم نسيم عدنان شقير، وكل الشكر والتقدير للذين جعلوا هذه الجائزة حقيقة ماثلة أمام عيوننا أجمعين.
*ألقيت في حفل توزيع جوائز نسيم عدنان شقير/ قاعة الهلسة/ السواحرة الشرقية/ 25 / 3 / 2011

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME