كلمة محمود شقير في حفل جائزة محمود درويش*:
الأخوات والأخوة/ الرفيقات والرفاق
أيها الأصدقاء الأعزاء
نحتفي هذا المساء بالثقافة الوطنية الفلسطينية في يومها الذي يأتي متزامناً مع عيد ميلاد شاعرنا العظيم محمود درويش، صاحب الحضور البارز في الثقافة الإنسانية المعاصرة، أحد مؤسسي الهويّة الوطنية الفلسطينية، الذي وقف قبل خمس عشرة سنة في رحاب هذه الجامعة ليقول لجمهوره: "في ساحة مجاورة لهذه الساحة، في ساعة الغروب ذاتها، شاهدتُ على مرأى منكم، ورُبَّما على أيديكم، صورة ولادةٍ معنوية جديدة لشاعر لم يألف أن يولد مرّتين، وإنْ ألِفَ أن يموت أكثر من مرّة، على طريق العودة إلى البيت".


إنّ ولاداتٍ متكرّرةً لمحمود درويش ولغيره من مثقّفينا ومفكّرينا وأدبائنا وفنانينا الراحلين والأحياء، تتطلّب منا عدمَ الاكتفاء بتذكّر الثقافة في المناسبات، وإنما الاحتفاءَ بها باعتبارها رؤية مرشدة لنا وأسلوب حياة، وتمكينَها من التغلغل في كلّ مدينة وقرية ومخيم، وفي كلّ جامعة ومدرسة وبيت، لكي تصبح بحقّ مكوّناً رئيسًا من مكوّنات هويتنا الوطنية، ولكي تتمكّن من طرح الأسئلة التي تهمّ الفلسطينيين في الوطن وفي الشتات، وبحيث تتمحور حول كلّ ما له علاقة بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، فما زال لدينا عمل كثير في بلادنا، كأنْ يحرس شاعر منا "شجر الطرقات القديمة ونبع الماء"، لكي نظلّ أقدر على مجابهتنا للاحتلال الإسرائيلي، ولمحاولات الإدارة الأمريكية كسرَ إرادتنا لمصلحة المحتلّين المصرّين على تهويد قدسنا، وعلى مواصلة البناء الاستيطاني فوق أرضنا.
ولعلّه لم يعد خافيًا على أحد، أنّ الضعف العربي هو واحد من أهمّ الأسباب التي جعلت سلطات الاحتلال تستنسر علينا. ولذلك، فإنّ لنا وطيدَ الأمل بأن يتغيّر المشهد من حولنا نحو الأفضل، بعد شتاء سخط الشعوب العربية وربيعها الذي نتوقّع أن يأخذنا، رغم المصاعب والأخطار، إلى مشارف عصر جديد، بحيث يتضافر ذلك مع تطويرنا لأدائنا على كل صعيد، ومع استمرارنا في إحكام طوق العزلة على حكام إسرائيل، والمثابرة في الوقت نفسه على تقديم روايتنا للعالم بوصفنا شعباً مناضلاً من أجل الحرية والسلام.
ولا يستقيم ذلك على النحو المطلوب دون إنهاء الانقسام بين جناحي الوطن، متمنيًا لشابات فلسطين وشبابها إحراز النجاح في حراكهم ضد الانقسام، وتوحيدِ الجهود للنضال من أجل إطلاق سراح الآلاف من أسيراتنا وأسرانا في سجون الاحتلال، ولانتزاع حقّنا في الحرية وتقرير المصير والعودة والاستقلال.
ويسرّني، ونحن نحتفل بيوم الثقافة الوطنية الفلسطينية وبجائزة محمود درويش للحرية والإبداع، أن أحيّي مؤسّسة محمود درويش التي أوجدت هذه الجائزة، واحتفلت بها للسنة الثانية على التوالي. وأن أتوجّه بالشكر للجنة التحكيم التي اختارت الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو، واختارتني لنيل الجائزة. لقد كان غويتيسولو وما زال نصيرًا للشعوب المظلومة، ومن بينها شعب فلسطين.
وأنوّه بالأنشطة التي أنجزتها وزارة الثقافة، بالتعاون مع مؤسسات حكومية وغير حكومية، احتفاء بيوم الثقافة، وباختيارها للأديب علي الخليلي شخصية ثقافية للعام 2011 ، وبقرارها تنظيم ندوات دراسية حول الأديب الراحل عبد اللطيف عقل.
وأدعو إلى عقد ندوات دراسيّة متخصّصة حول التراث الأدبي لمحمود درويش الذي أخذ فلسطين إلى العالم، وحوّلها من خلال شعره الفذّ إلى قضيّة كونيّة تعني البشر أينما كانوا، باعتبارها تجليًّا للمعاناة، وتوقًا إلى الحرية، وقلقاً على المصير، وتطلّعاً إلى الخلاص والانعتاق.
فيا أخي الحبيب محمود درويش، وأنا أتشرّف بنيل الجائزة التي تحمل اسمك، فإنني أكون بذلك أوّل فلسطيني يحظى بهذه الجائزة، ما يضع على عاتقي مسؤوليات جمّة، أرجو أن أتمكّن من الاضطلاع بها تعزيزًا لثقافتنا الوطنية ولدورها التنويري النقدي، ولتأكيد مكانة الأدب بوصفه تمجيداً للحياة، ودفاعاً عن كرامة الإنسان، ورفضًا لكلّ أشكال الظلم والعدوان.
ويا أخي الحبيب، وأنا أتشرّف بنيل الجائزة في عيد ميلادك، وقبل يومين من عيد ميلادي، فإنّني أعاهدك على أن أظلّ خادمًا مخلصًا أمينًا وفيًّا للبلاد التي أنجبتك، "أمّ البدايات أمّ النهايات، كانت تسمّى فلسطين... صارت تسمّى فلسطين".
ألقيت في حفل توزيع الجائزة بتاريخ 13 / 3 / 2011 في قاعة كمال ناصر في جامعة بيرزيت.

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME