اعتدت في بعض المناسبات الثقافية، أن أستشهد بمقالة نشرها الشاعر المغربي محمد بنيس، حول عزوف العرب عن القراءة وتحصيل الثقافة، انطلاقاً من ملاحظة بسيطة تتعلق بتصاميم البيوت التي تضطلع ببنائها شركات البناء المغربية، ومقارنتها بتلك التي تنفّذها شركات مشابهة في الدول الأوروبية. ففي التصاميم المغربية لم يلاحظ محمد بنيس وجود غرفة للمكتبة، فيما تتوافر هذه الغرفة في التصاميم الأوروبية. وفي ذلك دلالة لا تحتاج إلى تبيان.


ولمزيد من التأكيد على ذلك، أورد ما ذكره الشاعر شوقي عبد الأمير، خلال المؤتمر التاسع لكتاب في جريدة الذي انعقد في فيينا. قال اعتماداً على إحصائيات: إن معدل ما يقرأه العربي في العام الواحد هو ربع صفحة، وأما بمقياس الزمن فإن معدل القراءة للعربي في العام الواحد هو 6 دقائق، في حين أن معدل القراءة للأوروبي هو 12 ألف دقيقة في العام. وقال إن عدد الأميين في الوطن العربي ازداد 30 مليوناً بين عامي 2005 – 2008 .
فإذا أضفنا إلى ذلك، ما هو متعارف عليه من ضعف الإقبال على القراءة في الأسرة والمدرسة والجامعة وفي غيرها من المؤسسات والتجمعات والمواقع الجماهيرية، فإننا سنجد أن واقع الحال فيما يتعلق بالثقافة وبالقراءة، يعبر عن حالة مؤسفة لا تبشّر بأي خير. يكفي أن نتذكّر أن كثيراً من دور النشر في فلسطين وفي الأقطار العربية الأخرى، لا تطبع من أي كتاب أدبي – مع استثناءات قليلة- أكثر من ألف نسخة، لا يباع منها أكثر من مائتي نسخة في أحسن الأحوال.
ويكفي أن نتذكّر أنّ كثيرين من طلبة الجامعات، حتى الذين يدرسون في كليات الآداب منهم، يجهلون أسماء كتاب فلسطينيين وعرب معروفين، لا لسبب إلا لأنهم لا يقرأون لهؤلاء الكتاب، وهم لا يقرأون لأي كاتب إلا فيما ندر من الحالات.
ولذلك أسبابه التي لا تستعصي على الحل، لو صدقت النوايا وتطابقت مع الأفعال الغائبة حتى الآن. فالنظام السياسي السائد في بلادنا وفي الأقطار العربية الأخرى لا يولي الثقافة اهتماماً كافياً، ولنتذكّر أن حجم حصة الثقافة في موازنة السلطة الوطنية الفلسطينية، هي 3 00 ,0%(ثلاثة في الألف)، والقسم الأكبر من هذه الحصة مخصص للنفقات الإدارية والرواتب والمصروفات. في حين أن الثقافة في حالتنا نحن الفلسطينيين ينبغي أن تعتبر مكوّناً رئيساً من مكونات هويتنا الوطنية، وهي تشكّل جبهة بالغة الأهمية في صراعنا مع المحتلين الإسرائيليين، بوسعها أن تؤمن لشعبنا الثبات والصمود وقوة الإرادة والولاء للثوابت الوطنية مهما اشتدت الخطوب.
ويبدو لي أن الفراغ الثقافي الذي عاشته وتعيشه أجيالنا الصاعدة منذ الانتفاضة الأولى وخلال حكم السلطة الوطنية الفلسطينية وانتهاء بفترة الانتفاضة الثانية، حيث جرى الانتباه إلى الممارسات النضالية اليومية، ولم يجر الانتباه إلى الفعل الثقافي، قد استفحل أمره، أي الفراغ، وأعطى فرصة جيدة للقوى الأصولية لكي تجتذب أعداداً كبيرة من المواطنين وبالذات الشباب منهم، للالتحاق بها وللاعتقاد بصحة منطلقاتها في السياسة وفي غيرها من شؤون الحياة.
ولعل حالة الجمود الفكري التي تسيطر على حياتنا، أن تلعب دوراً في ضعف مردود الثقافة في بلادنا. فثمة سطوة للتقاليد والعادات القديمة وللفكر التقليدي وللمحظورات التي تحرّم التعاطي مع السياسة والجنس والدين في الكتابة الإبداعية، وفي النشاط الثقافي إلا بالقدر الذي لا يمس ما هو متعارف عليه. وثمة ترسيخ لنزعة المحافظة في مجتمعنا، وإحياء لكل ما هو سابق على بناء الدولة من تشكيلات اجتماعية، أقصد البنى القبلية والعشائرية والعائلية التي تجمّد تطورنا الاجتماعي وتجعلنا نراوح في مكاننا نجتر الماضي ولا نرى المستقبل إلا من خلال الماضي، ولا نستطيع اللحاق بركب الأمم المتحضّرة. ومما لا شك فيه أن الاحتلال الإسرائيل يلعب دوراً أكيداً في تجميد هذا التطور الذي نصبو إليه، ويفرض علينا النكوص إلى تلك الأشكال المتخلفة من التنظيم الاجتماعي، لحماية أنفسنا من مؤثراته السلبية علينا، في ظل غياب الدولة الوطنية المستقلة التي ترعى شؤوننا.
هذا التخلف في البنى الاجتماعية وأشكال التنظيم الاجتماعي، لا يمكنه أن ينتج ثقافة تنويرية ولا أن يرعى مثل هذه الثقافة. لنلاحظ ما يحدث في مجمتعنا حتى قبل أن يقع الانقسام الحاد الذي نتج عن الانقلاب العسكري الذي قامت به حماس في القطاع: فالسلم الأهلي في بلادنا يتعرض لهزّات شديدة تنذر بمزيد من التشرذم والانحطاط. من يتابع ما يجري في البلاد من شمالها إلى جنوبها يجد العجب العجاب. يجد اشتباكاً ضارياً يتمّ التعبير عنه بمختلف وسائل العنف، بدءاً من الحجر والسكين مروراً بالعصا وماسورة الحديد وانتهاء بالمسدس والرشاش.
وبالطبع فثمة أسباب عديدة دفعتنا إلى ذلك دفعاً، وأدخلتنا في أزمة اجتماعية داخلية خانقة. يكفي تذكّر ما تركه الاحتلال خلال العقود الماضية في نفوسنا من مرارة وقهر وإحباط، ويكفي تذكّر ما حمله تحوّل الثورة إلى دولة (سلطة في حالتنا الفلسطينية) من عوامل سلبية، ومن فساد وترهل وخروقات، زادها إمعان الإسرائيليين في إضعاف هذه السلطة، تفاقماً وإثارة لعوامل السخط والغليان. ويكفي تذكّر الحال الذي وصلت إليه مدارسنا في ظل الاحتلال، من تخريج أجيال مفتقرة إلى الوعي الصحيح، وتذكّر ما تضخه وفرة من وسائل الإعلام، خصوصاً عدد من محطات التلفزة، من برامج تسهم عن قصد مسبق في تخريب عقول الشباب، وفي صرفهم عما هو منطقي وعقلاني ونبيل، للتعلق بما يخاطب الغرائز ويتمحور حول نزعات الجنس والعنف والأنانية، والتنكّر لأبسط القيم الإنسانية التي تحض على التسامح تجاه أبناء المجتمع الواحد وتعلي من شأن التعقل والتعاون والإيثار.
إن تخوّف الناس من حالة عدم الأمان التي تحيط بهم، بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وبسبب عدم الاطمئنان إلى الأوضاع الداخلية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وكذلك بسبب الظروف الخاصة للقدس وما حولها من أحياء، حيث تفرض سلطات الاحتلال سيطرتها التامة هناك، يدفعهم إلى التقهقر خطوات إلى الوراء، وذلك بالعودة إلى تعزيز نفوذ الأسرة الممتدة، للوقوف في وجه أسر ممتدة أخرى قد تنتمي للعشيرة نفسها أو للقرية نفسها أو للمدينة نفسها كذلك، ومن ثم طمس كل أمل بإنعاش دور الفرد الحر في المجتمع، لصالح الدور الجماعي للأسرة الممتدّة، وأعرافها القبلية التي تبيح التكتل العائلي الأعمى، للتورط في صراعات داخلية تتكاثر باستمرار، وتهدّد بمزيد من التمزّق والتباغض والضياع والخسران.
2
والجدير ذكره، أن ثمة مفارقة بارزة في مجتمعنا، تتمثل في تكاتف الناس وصمودهم أمام ممارسات الاحتلال، وفي تمسكهم بحقوقهم الوطنية الثابتة، رغم كل أساليب القمع والتجويع والإذلال التي يتعرّضون لها. وأما وجه المفارقة الآخر، فهو يتمثل في هشاشة بنياننا الداخلي حينما يتعلق الأمر بمعالجة شؤوننا الخاصة، الناجمة عن حياتنا اليومية المشتركة في مناطق سكنانا. هنا بالضبط لا تتجلى على نحو ملموس، سماحة تعاليم الإسلام وضرورة التفكّر والتراحم اللذين حضّ عليهما الدين الحنيف، رغم كثرة المتدينين في مجتمعنا. وهنا بالضبط لا تتجلى على نحو ملموس، أفكار النزعة الوطنية الفلسطينية المعاصرة وما تعنيه من حب للتضحية ومن تعاطف بين الناس، رغم كثرة الوطنيين المشهود لهم بالوطنية والتضحية والوفاء. وهنا بالضبط لا تتجلى ولو على نحو بسيط، أفكار العلمانيين واليساريين الفلسطينيين، من تنوير وتسامح ومن احترام للعقل والنظر العقلاني إلى الأمور، رغم الحضور المستمر للقوى اليسارية والعلمانية في البلاد.
ويبدو أن انشغال القوى السياسية الفلسطينية على اختلاف تلاوينها ومنطلقاتها الفكرية، بالتعاطي مع السياسة اليومية وتعرّجاتها، ومع الاحتلال وممارساته التي تحيل حياتنا اليومية إلى عذاب متصل، هو الذي يجعل هذه القوى بعيدة عن الدخول في عمق التفاصيل، التي تضيف إلى عذابنا عذاباً آخر، لا يمكن التقليل من خطره على حياة الناس وأمنهم واستقرارهم.
وعلينا أن نتنبه إلى ما يخطط له المحتلون الإسرائيليون لإحكام سيطرتهم على أرضنا وعلى مصيرنا، فهم يواصلون تهويد القدس ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها من جهة، ويواصلون العمل على تهميش المواطن الفلسطيني وإضعاف شعوره بالكرامة الوطنية وعزة النفس عبر تحويله إلى كائن بيولوجي لا يفكر إلا بقوت يومه، وليس لديه طموح إلى الحرية والكرامة والاستقلال، ولعل إضعاف الاهتمام بالثقافة باعتبارها رافعة للشعور الوطني وللتوق إلى الحرية والكرامة الوطنية، يسهم على نحو ما في تزايد الخطر الناجم عن مخططات المحتلين.
ولذلك، فإن من تحصيل الحاصل، القول إن مثل هذا الواقع الذي يجري تقبّله بكل ما فيه من فجاجة وخواء، لن يشجّع على التعاطي مع الثقافة الجادة، التي تسهم في صقل وجدان الناس وفي تعميق وعيهم ومساعدتهم على الاضطلاع بأدوار إيجابية في الحياة. ومما يفاقم الوضع ويجعله أكثر سوءاً، انتشار ثقافة استهلاكية مسطحة قادمة إلينا عبر الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام التي تمولها أو تؤثر عليها جهات أجنبية متسلطة متحكمة في الإعلام العالمي متنفذة فيه.
ولعل من أخطر ما تضخه إلينا وسائل الإعلام هذه، تلك الثقافة الكوزموبوليتية التي تحاول التعالي على قضايا الناس الملموسة، وعلى القضايا الوطنية المصيرية كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني وقضيته، والانشغال في قضايا شكلية لا تخاطب العقل والوجدان قدر مخاطبتها للغرائز، وتحويلها كل شيء إلى تسلية قادرة على جذب الناس وصرفهم عن متابعة ما هو جدي في الثقافة وفي السياسة سواء بسواء. إن استثمار ثقافة الصورة على هذا النحو الكثيف الذي نشهده الآن عبر مئات المحطات الفضائية التي توجه بثها إلى المواطن العربي، لنشر الثقافة الاستهلاكية، يجعل مصير الكتاب والقراءة والثقافة معرضاً لتراجع أكيد.
3
ضمن هذا السياق، ولكي تنتعش الثقافة في مجتمعنا، وتتخلص مما يكبلها من معيقات، فلا بد من تحقيق حالة من قبول الرأي والرأي الآخر دون ميل إلى القمع أو الاستئثار بالمواقف وبالمواقع، ما سوف يقود إلى شمولية منفّرة مفقرة للمجتمع ولأية إمكانات للتحرر وللنهوض المأمول فيه. ولا سبيل إلى تعزيز الرأي والرأي الآخر وجدل الأفكار إلا بالحوار الجاد. وللحوار الجاد منطقه، وله ثقافته التي يجدر بنا الانتباه إليها ونحن نبحث عن مخارج لأزمتنا السياسية الراهنة.
ولأن لدينا نحن الفلسطينيين خبرة لا يستهان بها في حقل الحوار، أحرزناها عبر التجربة الطويلة والتجريب الذي لا ينقطع، وعبر اختبار المواقف رغم ما بينها من تباين وتناقضات، فإن واقع الحال الذي نشهده الآن يشير إلى أن ثقافة الحوار لدينا ما زالت ناقصة منقوصة، وما زالت بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لكي تنضج وتستوي على النحو الصحيح، حيث من المفترض أن يأخذنا الحوار، إلى مزيد من النضج وتعزيز قيمنا الوطنية والثقافية والفكرية والسلوكية، وإلى وقف الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أسس صحيحة. تلك الوحدة التي تشكل رافعة لنضال موحد، تشارك فيه كل القوى السياسية، من أجل دحر الاحتلال.
4
وضمن هذا السياق الداعي إلى تذليل العقبات أمام الثقافة الوطنية الجادة، يندرج دور الجامعات. وأنا لا أقلل من قيمة الدور الذي تؤديه الجامعات في بلادنا، سواء على الصعيد الوطني العام أم على صعيد نشر المعرفة وتخريج أجيال جديدة من حملة الشهادات الذين تزداد نسبتهم كل عام.
ومع ذلك يظل السؤال قائماً، وهو يتعلق بما هو أبعد من مجرد تخريج أجيال متعلمة، فثمة مهمات كثيرة تنتظرنا في الميادين السياسية والثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، تجعلنا نتساءل عن جدوى هذا الدور الذي تؤديه الجامعات في وقتنا الراهن، والذي تتهيأ لتأديته في المستقبل المنظور، وبالذات في ما يتعلق بإخراجنا من متاهات التخلف إلى أفق الحداثة والعصرنة والتقدم، ما يعني أن تصبح جامعاتنا منابر حقيقية للتنوير، ولإنتاج البحوث والدراسات والاجتهادات النظرية، التي تستطيع أن تفعل فعلها الخلاق في المجتمع وتمارس تأثيرها الإيجابي عليه.
ولست أنكر أن في بعض جامعاتنا تعقد ندوات دراسية مهمة، يجري التطرق فيها إلى ما هو ملح من قضايانا وهمومنا، وما هو جدير بالبحث من قضايا الثقافة والعلم والمعرفة، لتسليط الضوء عليه، وتعميق النظرة إليه. وتحاول هذه الجامعات استخلاص الاستنتاجات الصائبة منه، وتعمل على تعميم ما تتوصل إليه من نتائج للاهتداء بها، ولأخذها في الحسبان، عند أي منعطف نواجهه وما أكثر المنعطفات هذه الأيام!
ولتحقيق قدر أكبر من النجاعة في هذا المضمار، فلا بد من كسر العزلة التي تجعل الجامعات مكتفية بنشاطها الأكاديمي، بعيداً مما يمور في قلب المجتمع من تحركات، ومما يتطلبه هذا المجتمع من رؤى جديدة وآفاق! إنها العزلة الضارة التي تشير إلى نقص في مناخ الحرية، وتتسبب في تكريس بعض السلبيات، من قبيل إشاعة الكسل الفكري وتحويل الأساتذة الجامعيين إلى مجرد موظفين يقرض أيامهم روتين مهين.
ولعل من الصحيح، أن النشاط الأكاديمي المتخصص يحتاج نوعاً من العزلة التي توفر له الوقت اللازم، للنظر العميق في ظواهر تحتاج متابعتها إلى عنصر الوقت الثمين. وإزاء ذلك، فلا بد من المواءمة بين العزلة التي يتطلبها النشاط الأكاديمي، وبين الانفتاح على المجتمع الذي تحتمه الحاجة إلى الاستفادة الخلاقة من هذا النشاط، وما يتمخض عنه من معرفة قابلة للنشر والتعميم، لتصبح عنصراً من عناصر هويتنا الثقافية ومن سمات المجتمع الحر المتمدن المنتج الذي نصبو إليه.
وهذا يعني بالضرورة، أن علاقة الجامعات بالحياة الثقافية في البلاد ليست في مستواها المطلوب، رغم أن بعض أساتذة هذه الجامعات على تماسّ مباشر مع حركتنا الثقافية المحلية، بل إنهم يعتبرون من النشطاء فيها، ومن المبرزين في التعاطي مع همومها وتطلعاتها. كما أن بعض الأساتذة من العاملين في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، يقررون لطلابهم بعض النتاجات الأدبية المحلية، ويكلفون بعض طلبتهم بالتعرف عن قرب على رموز الحركة الثقافية وذلك بإجراء الحوارات معهم، وهو أمر يستحقون عليه الثناء.
غير أن ذلك يظل محدود التأثير، ما لم تقم الجامعات بإجراء تغيير جذري في مناهجها وخططها الثقافية والعلمية وإرسائها على أسس جديدة، يكون المعيار الأساسي فيها، حاجات مجتمعنا الملحة واحتياجاته، ويكون المؤشر الأكيد على جدواها، مدى قدرتها على تحويل الجامعات إلى بؤر فعالة لإشعاع العلم والثقافة والمعرفة، بما يساعد على تمكين العقل والعقلانية من إحراز المكانة التي تليق بهما في حياتنا.
5
ولا بد من كلمة عن هامشية دور المثقفين الفلسطينيين في الوضع الراهن، إذ يمكن تحميلهم جزءاً من المسؤولية عن الحالة التي وصلوا إليها. غير أن جلد الذات الذي يمارسه المثقفون على أنفسهم في بعض الأحيان، يبدو زائداً عن الحد، كما لو أن السبل ممهدة أمامهم لإعلاء صوتهم لكنهم يزهدون في ذلك، وكما لو أن السلطة الوطنية الفلسطينية قد هيأت خلال السنوات المنصرمة كل أسباب النهوض لثقافتنا الوطنية ولمثقفينا الوطنيين، أو كما لو أن مجتمعنا بتركيبته العشائرية البدائية، وبافتقاره إلى أنظمة وقوانين عصرية توضع موضع التنفيذ، قد أدخل الثقافة في صلب نسيجه الاجتماعي، ولم يعد ثمة من سبب للتذمر أو للشكوى! أو كما لو أن الاحتلال قد ترك فرصة للسلطة الوطنية، خصوصاً في فترة الانتفاضة الثانية، لكي تنجز شيئاً نافعاً، أو للمجتمع لكي يتخلص من أغلال التخلف والجمود، ولكي يتفرغ لتطوير أوضاعه الداخلية على أمل اللحاق بزمن الحداثة والتقدم!
إن غياب دور المثقفين الفلسطينيين تجاه ما يحدث على صعيد مجابهة الاحتلال، وعلى صعيد ما ينوء به وضعنا الداخلي من أخطاء، ومن صراعات فصائلية وعشائرية وعائلية مدمرة، إنما تفسره العوامل التي أسلفت ذكرها، وتقع المسؤولية عليها قبل غيرها. والمثقفون، والحالة هذه، ليسوا مسؤولين إلا جزئياً عما يعانونه من غياب لدورهم، ومن تهميش لهم وللثقافة التي يبدعونها.
وبمزيد من الصراحة، يمكن القول إن عملية العسكرة التي شملت انتفاضة الأقصى، وذهبت إلى حدّ المبالغة في ذلك، لها علاقة بتقزيم النضال السياسي اليومي ذي الطبيعة السلمية المدنية، الذي كان يمكن لقطاعات واسعة من الناس ومن ضمنها المثقفون، أن يشاركوا فيه بما يسهم في فضح الاحتلال وتعرية ممارساته الهمجية، وفي دعم كل أشكال النضال الأخرى دون استثناء، ضمن خطة وطنية شاملة موحدة تهدف إلى إنهاء الاحتلال، وإلى رسم آفاق مستقبلنا ومصيرنا على النحو المنشود.
لذلك، أجد من الضروري تشخيص الحالة الراهنة التي يعاني منها المثقفون الفلسطينيون، لكي تكون خطواتهم اللاحقة مبنية على تصورات دقيقة، تجنبهم الركون إلى صيغ عامة لطالما ترددت في أدبياتنا السياسية دون غطاء فعلي معقول.
ورغم أن استقصاء المشهد الثقافي الراهن في الأرض المحتلة بحاجة إلى معالجة أكثر إحاطة وشمولاً، بحيث يجري التعاطي معه في ضوء ما أنجزته وما زالت تنجزه الثقافة الفلسطينية في الشتات وفي مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني ومثقفيه، فإن الحاجة تظل ماسة للخروج من المأزق المتمثل في هامشية الثقافة الوطنية داخل الوطن، وفي عزوف الأجيال الجديدة عن القراءة وعن التعاطي مع الكتاب، ولا بد في هذه الحالة لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية من مواصلة تطوير المناهج الدراسية بما يباعد بين الطلبة وبين أساليب التلقين، ويقربهم من اعتماد أساليب البحث والتقصي والشك والتدقيق وصولاً إلى الحقائق، وبما يساعد على استيعاب الثقافة الحديثة وهضم منجزاتها واستيعابها والتعاطي معها بأفق مفتوح، لتطوير الذائقة الأدبية للأجيال الصاعدة ولترغيبها في القراءة وفي تحصيل الثقافة، ليس من داخل المناهج الدراسية فقط وإنما كذلك من الكتب الجيدة المكرسة للأطفال ولليافعين وللكبار، التي تتوافر فيها معارف كثيرة نافعة، وفيها تجارب عميقة لأشخاص ولمجتمعات وشعوب، وعلى أجيالنا ألا تظل معزولة عن هذه التجارب التي تستحقّ كل اهتمام.

تاريخ الإدراج: 8 / 11 / 2010

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME