• أنا ضعيف خارج الكتابة. الكتابة هي مصدر قوتي الوحيدة تقريباً
• سيظل يحركني هاجس البحث عن مجتمع مدني يحترم التعددية وحرية الاعتقاد
• وحينما أرى استفحال الفساد والتسلط والبيروقراطية في أجهزة السلطة الفلسطينية، فإن قلقي يتزايد على نحو غير مسبوق
أجرى الحوار: عبد الله المتقي
محمود شقير ، قاص فلسطيني كابد الاحتلال والإبعاد ، وتجرع مرارة الترحال بين المدن ، هذا القاص المتعدد الحكي ، يجد نفسه في الكتابة ، هذه اللعنة الجميلة التي جاء إليها من النكبة ومن عوامل أخرى متضافرة ، ولأن الكتابة عشقه وقوته الوحيدة ، نقرأ له قصصا للكبار والصغار ، وروايات للفتيان .
الحوار التالي ، محاولة لملامسة سيرته القصصية ، وسفرية في عالم تجربته المسكون بالذي ينبغي أن يكون ، وتجاوز لما هو كائن :


س : ما الهاجس الذي يحرك قلم محمود شقير، لماذا تكتب، وماذا تنتظر؟
- يحركني هاجس البحث عن التوازن. هذا العالم مختل وهو يصيبني بالقلق، لأن شروط العيش فيه مجحفة. فأنا أعيش في القدس، المدينة التي يدعي المحتلون الإسرائيليون أنها عاصمتهم الأبدية، هذا الادعاء الأخرق وحده مبرر للقلق وللخوف على مصير المدينة التي يجري تهويدها صبح مساء،
هذا الأمر ينطبق أيضاً على أكثر من مئتي ألف مواطن من أبناء شعبي الذين يعيشون في القدس، قد يتعرضون في أي وقت لتهجير قسري يمكن تنفيذه بأشكال غير مباشرة، لعل من بينها وضع الناس في مواجهة ظروف اقتصادية بالغة القسوة،
وحينما أنظر إلى ا لدائرة الأوسع، حينما أرى الوضع الذي آل إليه الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، حيث القمع والقتل والخراب، حينما أنظر إلى الانقسام المدمر الذي اعترى البلاد ، وحينما أرى استفحال الفساد والتسلط والبيروقراطية في أجهزة السلطة الفلسطينية، فإن قلقي يتزايد على نحو غير مسبوق.
حينما أنظر إلى الدائرة الأكثر اتساعاً، فأرى ما يجري في العراق وفي لبنان وفي السودان، وحينما أرى التردي في أوضاع الأمة العربية، والنكوص إلى تشكيلات اجتماعية من عهود ما قبل الدولة، من عصبيات قبلية وعشائرية وعائلية ومن صراعات طائفية وإثنية، فإنني لا أطمئن أبداً،.
ومع ذلك، فما زال وسيظل يحركني هاجس البحث عن مجتمع مدني يحترم التعددية وحرية الاعتقاد في بلادي، الآن وبعد تحررها من الاحتلال.
س : ماذا يعني كونك قاصاً في زمن العبوات الناسفة والطّاقة النّوويّة؟
- أنا ضد كل أنواع الغطرسة والتسلط. ضد التسلح بكل أشكاله النووية وغير النووية حينما تكون غايته العدوان وتخريب فرص تعزيز السلام العالمي. أنا مع الأمن والسلام والعدالة والحرية والديموقراطية للشعوب المغلوبة على أمرها، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، ولكل شعوب كوكبنا الأرضي في شكل عام.
كوني قاصاً في مثل هذا الزمن، يعني لي الإحساس بمزيد من المسؤولية تجاه مصيري الشخصي ومصير شعبي ومصائر الشعوب الأخرى. يعني لي التزاماً أخلاقياً بقول: لا، في وجه الشر والغطرسة والعدوان. يعني لي فسحة من كلام، للبوح وللتحذير من إفقار الحياة على هذا الكوكب، أو تدميرها بسبب ما نشهده الآن من تخريب للبيئة ومن عسكرة مستمرة، لأغراض لا تخدم تقدم البشرية ولا تسهم في تحقيق الازدهار والطمأنينة لها بأي حال.

س : أنت كاتب متعدد الأنشطة، تكتب أدب الطفل، القصة القصيرة، المسرح، أين تجد نفسك الآن؟
- أجد نفسي في شكل محدد، في القصة القصيرة وفي القصة القصيرة جداً. لأن نشأتي الأولى كانت في ميدان القصة القصيرة، وانشغالي الأساس في ميدان الكتابة إنما يقع في حقل القصة القصيرة التي أكتبها للكبار. لكنني أجد متعة حينما أكتب قصصاً أو روايات أو مسرحيات للأطفال. في زمن سابق انشغلت في كتابة مسلسلات طويلة للتلفاز، ولقد كتبت ستة مسلسلات ظهرت خمسة منها على شاشات التلفزة العربية. وقد شغلتني كتابة هذه المسلسلات وقتاً عن كتابة القصة القصيرة.
س : من أين جئت إلى القصة القصيرة؟ وما هو مبرر وجودها عندك؟
- جئت إلى القصة القصيرة من مجموعة عوامل متضافرة. أولاً: من مجتمع فلسطيني دمرته النكبة وأوقفت فرص استكماله لحداثة كانت تتشكل فيه. مجتمع لم يكن من السهل تجميع شتاته بعد الضربة المذهلة التي تعرض لها. وكما تعلم فقد تم توزيع قسم منه على مصر، أقصد قطاع غزة، وقسم آخر على الأردن، وأقصد الضفة الغربية. ولم يكن مجتمع الضفة الغربية يتسم بزخم أو حراك كافٍ لتوليد الرواية أو يشجع على ولادتها. وفي الوقت نفسه، لم تكن ثقافتي وأنا في سن مبكرة آنذاك في فترة الستينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي ابتدأت فيها مشوار الكتابة، تؤهلني للشروع في كتابة رواية. حاولت كتابة رواية ولكنني لم أنجح في الاستمرار في كتابتها.
ولعل نشأتي القروية واشتغالي مدرساً في عدد من قرى الريف الفلسطيني، أن يكون عنصراً مهماً من عناصر توجهي إلى كتابة القصة القصيرة، بحيث أبديت اهتماماً بحياة القرية الفلسطينية وبكل ما يعتمل فيها من عادات وتقاليد وطقوس وأغان شعبية وتراث، وما تشهده من بؤس وفقر ومن صراعات ونزوات وعلاقات خاصة علنية حيناً خفية حيناً آخر. وقد انعكس كل ذلك في قصصي التي ظهرت في مجموعتي القصصية الأولى "خبز الآخرين".

س : ماذا تعني لك كتابة قصة قصيرة؟
- تعني لي الكثير. لأنه ليس سهلاً أن تكتب قصة قصيرة كما يتصور بعض المتطفلين على هذا الفن الصعب. القصة القصيرة بحاجة إلى دراية ونفاذ بصيرة مقترنة بحصيلة جيدة من التجارب الحياتية وبمخزون ثقافي واسع. حينما أنجز كتابة قصة قصيرة أقدر أنها مشتملة على قدر من التميز، أشعر بالرضى عن النفس لبعض الوقت. ذلك أن مواصلة كتابة القصة القصيرة تعتبر بالنسبة لي التزاماً أخلاقياً لا أفكر بالتخلي عنه، في زمن تخلى فيه كثيرون من كتاب القصة القصيرة عنها، وانحازوا إلى كتابة الرواية، وفي زمن أهمل فيه كثيرون من النقاد تخصيص جزء من كتاباتهم النقدية للقصة القصيرة وما شهدته وتشهده من إنجازات، وكذلك في زمن التقليل من قيمة القصة القصيرة لمصلحة الرواية، والذهاب إلى حد القول إن القصة القصيرة في طريقها إلى الانقراض، وهو قول لا تزكيه مجموعة من العناصر التي تشهد على أن القصة القصيرة في ازدهار لا في انحسار. من هذه العناصر: تطلب المواقع الإلكترونية للقصة القصيرة، وكذلك استمرار تطلب الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات الثقافية لها، ناهيك عن ظهور أعداد كبيرة من كتاب القصة القصيرة باستمرار ليس في فلسطين وحدها أو في أقطار الوطن العربي وحده، بل في أقطار العالم أجمع.

س : أين هو محمود شقير من التجربة القصصية في فلسطين؟
- أدعي، بعد الاعتماد على آراء بعض النقاد والمبدعين الفلسطينيين والعرب، أن لي دوراً ملموساً في تطوير فن القصة القصيرة في فلسطين. فقد أرسيت مع غيري من الكتاب الفلسطينيين، كتابة القصة الواقعية بشكليها: التسجيلي والنقدي، وذلك حينما ابتدأنا كتابة قصة واقعية متخففة من وطأة الرومانسية التي وسمت عدداً من التجارب القصصية التي ظهرت بعد النكبة الفلسطينية مباشرة.
كان ثمة تفجع وحزن على ضياع الجزء الأكبر من فلسطين. وقد تأثر الأدب القصصي آنذاك مثلما تأثر الشعر، بفداحة النكبة. وكانت الرومانسية التي لا تعي شروط الواقع ولا تسعى إلى الغوص في أعماق الظواهر، هي التي سيطرت على النتاج الأدبي. بالطبع، جاء قبل جيلنا الذي أطلق عليه جيل الأفق الجديد، (نسبة إلى مجلة الأفق الجديد المقدسية التي نشرنا فيها نتاجنا الأدبي)، أدباء فلسطينيون كان لهم دورهم الريادي في نقل القصة القصيرة من الرومانسية إلى آفاق أرحب اجتماعية وإنسانية مثل جبرا ابراهيم جبرا وغسان كنفاني وسميرة عزام. وواصل جيلنا البناء على تجارب هؤلاء الرواد، ثم أضاف إضافاته الخاصة به.
كنت معنياً آنذاك بتصوير ما يعتمل في القرية والمدينة من صراع اجتماعي، وانصب اهتمامي على القرية في شكل أوسع، حينما رصدت الكثير من جوانب حياة القرية الفلسطينية وما فيها من ملامح كانت تميزها في تلك الحقبة من الزمن.
ثم إنني أرسيت كتابة القصة القصيرة جداً في الكتابة القصصية الفلسطينية، بدءاً من ثمانينيات القرن الماضي، عبر أربع مجموعات قصصية حتى الآن

س : كيف ترى المشهد القصصي الفلسطيني اليوم؟
- إنه مشهد متنوع، تدخل إليه أقلام شابة باستمرار من كاتبات وكتاب جدد لديهم ما يضيفونه لفن القصة القصيرة. ثمة تجديد مستمر في الكتابات القصصية المعاصرة. القصة التقليدية التي عرفناها في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، لم تعد موجودة بين ظهرانينا إلا فيما ندر، وحتى في حالة توفرها لدى بعض الكتاب، فهي تتمظهر في نوع من التجديد في اللغة وفي بعض أساليب الصياغة الفنية الجديدة.
وثمة قصص حداثية تحتفي باللغة الشعرية التي تكرس الإيحاء أكثر من تكريسها للإخبار، وأكثر كذلك من احتفائها بالحدث القصصي وببناء الشخصيات، وهي تستخدم التقنيات الحداثية: الحلم والتذكر واستبطان النفس البشرية والهلوسة والتداعي الحر، مع تفاوت في هذا الاستخدام بين كاتب وآخر، وبحسب استيعاب كل كاتب لمستجدات الكتابة في شكل عام، ومستجدات الكتابة القصصية على وجه الخصوص.
ثمة قصص ما زالت تستحضر الشخصيات التاريخية لتقدم من خلالها رؤيتها للواقع الراهن، وهذا أسلوب فني عرفته القصة العربية منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وقصص تستحضر شخصيات معاصرة من عالم السينما والسياسة والفن والغناء والرياضة، وهو ما أقدمت عليه في مجموعتين قصصيتين ساخرتين هما: "صورة شاكيرا"، و "ابنة خالتي كوندوليزا". وثمة قصص يمكن اعتبارها نصوصاً أكثر من اعتبارها قصصاً، بسبب لغتها الشعرية وأسلوب السرد المتشظي فيها وعدم الاهتمام بالحدث وإنما بالحالة الموصوفة. وقصص تعتمد أسلوب المونتاج والتقطيع السينمائي، وتعدد وجهات النظر بحسب تعدد الساردين.
وثمة من يستفيد من تجربة الواقعية السحرية التي اشتهر بها أدب أمريكا اللاتينية وما تزخر به من سريالية وغرائبية وفانتازيا. ثمة قصص تسهم في توسيع رقعة الأدب الفلسطيني ليشمل ليس فقط التجربة الجماعية للشعب في مقاومته للاحتلال الإسرائيلي، وإنما أيضاً تجربة الفرد المشخصة وهمومه الخاصة في إطار من التناول الإنساني غير المعزول عن هموم الجماعة، بمعنى تداخل الهم الشخصي مع الهم الجماعي في صيغة جديدة مركبة. ثمة قصص ناقدة ليس لمعاناتنا من الاحتلال وحسب، وإنما أيضاً لمعاناتنا من الممارسات الخاطئة التي تحيط بتجربتنا في إقامة السلطة السياسية على جزء من وطننا المحتل، وما يرافق ذلك من مزايا وإيجابيات وكذلك من خطايا وأخطاء.
ثمة أخيراً، القصة القصيرة جداً، وهي كتابة تميل إلى التكثيف في اللغة، وإلى التقشف في السرد، وإلى الاعتماد على بعض تقنيات الشعر الحديث ومن أهمها الشاعرية.

س : يرى البعض أن القصة القصيرة جداً ضرورة، والبعض يرى أنها حمى عابرة فكيف يرى محمود شقير هذه القطرة القصصية؟
- لا أظن أن القصة القصيرة جداً حمى عابرة. إنها لون فني له سماته وهو آخذ في الرسوخ وفي التنوع مع مرور الزمن. وهو فن بحاجة إلى إصغاء مرهف لما في داخل النفس البشرية من نوازع ورغبات، وإلى مراقبة دقيقة لما يجري في حياة الكائن البشري وفي المجتمع أيضاً من تقلبات وأهواء وتراكمات وقضايا وتفاصيل، يزداد الإحساس بها والحاجة إلى التعبير عنها في شكل مكثف مكرس لتجديد إحساسنا بما حولنا، ولإغناء تجاربنا في الحياة بمزيد من الكتابات القصصية الراقية التي يمكن قراءتها في وقت سريع.
مع ذلك ثمة مخاطر على هذا اللون القصصي من الابتذال والتكرار والتسطح، بسبب كثرة المتنطعين للدخول إلى ساحته، وقسم غير قليل منهم يفتقر إلى الموهبة وإلى إدراك سمات هذا الفن،
ولعل أخطر شيء على القصة القصيرة جداً هو اسمها نفسه أو على الأصح الأسماء التي تدل عليها. فثمة من يطلق عليها اسم القصة القصيرة جداً، والقصة/ اللقطة، والقصة/ الومضة، والقصة/ القصيدة.
وأما مصدر الخطر ا لقادم من التسمية، فهو المتعلق بضرورة بقاء الشريط اللغوي لهذا اللون من الكتابة محدوداً. ومن يدقق في التسميات المذكورة أعلاه، أو في الثلاث الأولى منها، يدرك المقصود من كلامي. في حين أن التسمية الأخيرة: القصة/ القصيدة قد تهب القصة القصيرة جداً فرصة لتطويل شريطها اللغوي ما دامت القصيدة لا تتقيد بشريط لغوي محدود.
هنا، مع الالتزام بشرط تقصير الشريط اللغوي، قد تصبح آفاق تطوير القصة القصيرة جداً محدودة بسبب محدودية شريطها اللغوي، وتلك مسألة إشكالية وهي بحاجة إلى مزيد من النظر والتمحيص وإبداء الآراء حولها.

س : ما هي التطورات التي تتوقعها للقصة القصيرة جدا؟
- أتوقع للقصة القصيرة جداً أن تستمر في إثبات نفسها على ساحة الكتابة الأدبية الفلسطينية والعربية. وبالمناسبة، فثمة كتاب في العالم يواصلون كتابة القصة القصيرة جداً دون توقف. وأما بالنسبة للتطورات، فأنا لا أدعي أنني أعرف ما ينتظر القصة القصيرة جداً من تطورات. هذه عملية يتحكم فيها المسار الفعلي لمجموع التجارب الكتابية، ولجهد النقاد في استخراج العناصر الجديدة الناجمة عن الكتابة وعن مساراتها المتنوعة، ومن ثم الخروج بتنظير نقدي يسهم ليس في تعميق هذا اللون من الكتابة وحسب، وإنما في توسيع الآفاق أمامه لتقديم مزيد من الإنتاجات المتفوقة في ضوء اكتشافات النقد.
وانطلاقاً من معاينتي لكثير من تجارب الكتابة القصصية في هذا المضمار، فإن القصة القصيرة جداً كما أعتقد، بحاجة إلى مزيد من التجديد والتنويع لضمان الاستمرار. ولعل ما يسهم في ذلك، ضرورة الإصغاء الجيد لما يعتمل في النفس البشرية وفي المجتمع من إرهاصات وانفعالات وتطلعات، والكتابة عنها وتسليط الضوء عليها، وهذا يتطلب مزيداً من الرهافة في عملية الكتابة نفسها.
وما يسهم في ذلك أيضاً، ضرورة تطويل الشريط اللغوي للقصة القصيرة جداً، على ألا يصل هذا التطويل حدود الأقصوصة أو القصة القصيرة، وإلا لانتفى وجود هذا اللون من الفن، وهذه قضية بحاجة إلى مزيد من النقاش كما ذكرت في إجابتي عن السؤال السابق. وكذلك المزج بين الحوار والسرد لكي لا تبقى القصة القصيرة جداً مجرد لقطة وصفية، مع عدم حرمانها من تلك الخاصية بطبيعة الحال. ولا بد من العناية بنهاية القصة القصيرة جداً. أقصد النهاية المفاجئة الصادمة بعيداً من الافتعال، أو الإمعان في اللعب المجاني بالمواقف التي لا تستند إلى خبرة بشرية مقنعة.

س : ماذا عن المنفى، الشتات، الوطن، الأرض.. في نصوصك القصصية؟
- كل مفردة من هذه المفردات تحتاج إلى شرح مطول، لكنني سأتحدث بإيجاز. فقد عشت المنفى وتأثرت به وكتبت بعض قصصي وبخاصة قصصي القصيرة جداً تحت تأثير المنفى، وتعلمت وأنا في المنفى كيف أنظر إلى الوطن من زوايا جديدة، فأراه في ضعفه واحتمالات الاستمرار في السيطرة الغاشمة عليه بقوة السلاح وأوهام الأسطورة، مثلما أراه في رسوخه وفي امتداد تاريخه وفي قدرته الدائمة على مقاومة العدوان. عشت في الوطن طفلاً، وأدركت في وقت مبكر بعض جوانب من معاناة الشعب الفلسطيني قبل النكبة وأثناءها وبعدها، وظهر شيء من ذلك في بعض قصصي.
وعشت حتى منتهى الحزن والأسى، هزيمة حزيران وأنا في عز سنوات الشباب. اعتقلت في سجون الاحتلال الإسرائيلي مرتين، مدة عشرين شهراً، واختفيت في الوطن كي لا أقع في قبضة المحتلين أثناء حرب تشرين العام 1973، واستمر ذلك بضعة أشهر. وأبعدت من الوطن مدة ثماني عشرة سنة، وعدت إلى الوطن العام 1993 ، وها أنذا أعيش في الوطن كهلاً (هل أقول شيخاً!)، عايشت حقباً سياسية متعددة، وانتميت إلى تيار النضال السياسي من أجل الديموقراطية والعدالة الاجتماعية قبل الاحتلال الإسرائيلي، وواصلت انتمائي إلى هذا التيار بعد وقوع الهزيمة، للتخلص من الاحتلال ولانتزاع حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير والاستقلال.
كان للمنفى والشتات وللوطن والأرض وما زال حضور دائم في قصصي وفي ما أكتب من نصوص أدبية أخرى، ألجأ فيها إلى السرد، لكنها تظل نصوصاً، وهي ليست قصصاً ولا روايات.

س : الكتابة للأطفال.. أي متعة تجدها في هذا النوع من الأدب؟
- الكتابة للأطفال ليست سهلة أبداً، ولعل مشكلة هذا النوع من الأدب أنه يعامل بنوع من الاستخفاف في بلادنا، من جانب بعض المؤسسات المعنية، ومن جانب كثير من الكتاب الذين يحاولون الكتابة للأطفال. فالمؤسسات ما زالت مقصرة في إيلاء أدب الأطفال المكانة اللائقة به التي يستحقها دون جدال. يكفي أن ننظر إلى واقع هذا الأدب في البلدان المتحضرة لنرى حجم الاهتمام بهذا الأدب. وأما الكتاب فإن عدداً لا يستهان به منهم، ينظر إلى هذا الأدب بنوع من الاستسهال، اعتقاداً منه أن بالوسع كتابة قصة أو قصيدة للأطفال دون جهد يذكر، وهذا هو عين الخطأ في هذا الخصوص.
تتحقق متعتي حين أكتب قصة للأطفال، أو رواية للفتيات والفتيان، فأجد تجاوباً منهم مع هذه القصة أو الرواية، ومع ما تشتمل عليه من رؤى فنية ومواقف إنسانية وقيم نبيلة تسهم في إغناء حياة الأطفال وجعلها أكثر بهجة ورواء.

س : لماذا اخترت أدب الأطفال وتحديداً القصة؟
- لم تقتصر كتابتي للأطفال على القصة وحدها. فقد كتبت روايتين للفتيات والفتيان هما "أنا وجمانة" و "كوكب بعيد لأختي الملكة" وكتبت قصة طويلة للفتيات والفتيان هي "قالت مريم.. قال الفتى". كما كتبت ثلاثة نصوص مسرحية للفتيات والفتيان هي "جمانة والأولاد" و "كله ع الريموت" و "تفاصيل صغيرة". ولقد اخترت أدب الأطفال وكتبت فيه انطلاقاً من رغبتي في التعبير عن الطفل الذي في داخلي، وانطلاقاً من اهتمامي بمراقبة عالم الطفولة، حيث ظهرت شخصيات أطفال في قصصي المكتوبة للكبار، وكان علي أن أتابع هذا المنحى في تخصيص قصص للأطفال تراعي مستواهم اللغوي وطبيعة اهتماماتهم بما حولهم من بشر وأشياء.

س : كيف يمكن تقمص شخصية الطفل والتفكير بطريقته ومن ثم الوصول إليه؟
- هذه قضية تتطلب خبرة ومراساً، وإصغاء دائماً للطفل الذي في داخلي، وكذلك للأطفال الذين أعرض عليهم قصصي، وأختبر مدى استيعابهم لها وتجاوبهم معها. ثم إن خبرتي في الكتابة القصصية للكبار تتجند لمساعدتي في مضمار الكتابة للأطفال. فأنا لا أستطيع كتابة قصة للكبار إلا بالدخول إلى أعماق الشخصية وتوقع ما يمكنها أن تقوله أو تفعله في لحظة معينة إزاء موقف معين.
الأمر نفسه يحدث معي حينما أكتب قصة للأطفال يكون بطلها طفلاً، فإنني أتعايش مع هذه الشخصية وأعمل على توقع تصرفاتها وردود أفعالها تجاه ما يواجهها من مواقف ووقائع، فأكون داخل الشخصية حيناً لكي أتابع بناءها واستكمال كل ما يسهم في جعلها شخصية حية مقنعة، وأقف خارج الشخصية حيناً آخر لمعاينتها من مسافة ما، باعتباري متلقياً محايداً لا كاتباً وخالقاً للشخصية هذه المرة، وذلك لكي أتمكن من تقييم الشخصية ونقدها،
والمؤسف أن كل هذه الحيطة وكل هذا الحذر وكل هذا الانتباه أثناء خلق الشخصيات، لا يمنع ظهور نواقص في بناء هذه الشخصيات وفي بناء القصة نفسها. ولا تنكشف هذه النواقص إلا بعد تداول القصة إثر نشرها في كتاب، ومن ثم عرضها على قطاع أوسع من القراء ومن المهتمين والنقاد،.

س : كيف تقيمون وضعية أدب الطفل في فلسطين اليوم؟
- يعاني أدب الطفل في فلسطين من مشكلات جمة. من بينها، تقصير الغالبية العظمى من النصوص المقدمة للأطفال عن بلوغ مستوى يوازي المستوى الذي وصل إليه أدب الأطفال في العالم. ثمة ميل إلى المباشرة والوعظ في الكثير من نصوصنا الأدبية المكتوبة للأطفال، وثمة ضعف في استخدام عنصر الخيال الذي يوسع من فضاء القص إلى حدود قصوى، وهو الأمر الذي يحققه كتاب أجانب دون تهيب أو حذر.
وثمة ميل إلى عدم الثقة في الأطفال والرغبة في تلقينهم بعض أنواع السلوك الصحيح، ما يجعل النص الأدبي ثقيلاً بسبب ما فيه من شحنة زائدة من وعظ وإرشاد. في حين يظهر ميل إلى إغفال الجانب الحركي في سلوك الأطفال وحبهم للعب والمشاغبة والشيطنة.
من جهة أخرى يظهر تقصير فادح وضعف في مستوى الرسوم المرافقة للنص في كتب الأطفال. الرسوم ضعيفة في أكثرها وبائسة. ورغم وجود عدد لا بأس به من الكتاب والكاتبات تراكم عددهم في السنوات الثلاثين الماضية، إلا أن المؤسسات التي يمكنها أن تعنى بكتاباتهم وتقوم بطباعتها ونشرها وتوزيعها هي مؤسسات قليلة جداً، وهذا أمر مؤسف ويجعل أدب الأطفال في فلسطين لا يتقدم إلا ببطء شديد.

س : رهنت حياتك أخيراً للكتابة، هل يعني هذا أنك خارج الكتابة كائن ضعيف؟
- نعم، أنا ضعيف خارج الكتابة. الكتابة هي مصدر قوتي الوحيدة تقريباً، ولا خيل عندي أهديها ولا مال، وليس لدي في حقيقة الأمر سوى الكتابة. ولولا الكتابة التي تهب معنى أكيداً لحياتي لما استطعت مواصلة العيش.
أستطيع عبر الكتابة أن أخوض صراعي المشروع ضد التخلف والجهل وضد التسلط والاستغلال، أستطيع أن أعري كل خلل وأية مظاهر سلبية من حولي، كما أستطيع أن أعزز النفور من كل ما يتناقض مع الحس الإنساني السليم. وأستطيع أن أجد عبر الكتابة فرصة للتعبير عن كل ما هو نبيل ومتألق من قيم وسلوكيات إنسانية ونضالية رفيعة. أسطيع عبر الكتابة أن أضيء شمعة تفضح قوى الظلام التي تتكاثر في مجتمعاتنا وفي هذا العالم سواء بسواء.
س : محمود شقير ، على مدى السنوات التى أنفقتها في محبة القصة.. ماذا كانت النتيجة من كل هذا؟
- أنجزت عدداً من المجموعات القصصية للكبار وللصغار. أنفقت وقتاً غير قليل وأنا أهيء نفسي لكتابة القصص، وبذلت جهوداً متصلة لكتابة قصص، نال أغلبها رضى النقاد والقراء. شعرت بمتعة الخلق وأنا أكتب قصصي. شعرت بلحظات من فرح وأنا أتلقى الإطراء على ما كتبت، وتألمت وأنا أتابع مصائر قصص كتبتها ولم تصل في مستواها الفني إلى المستوى المطلوب. تألمت وأنا أشعر بأن هذه القصص لا تمثلني خير تمثيل، وتمنيت لو أنني لم أكتبها على الإطلاق. يحدث هذا دائماً معي وربما مع غيري من الكتاب. ليست قصصي كلها في مستوى واحد. أفرح لقصصي التي تنال الإعجاب، ويعتريني الأسى والغم لقصصي التي لا تنال حظوة عند النقاد والقراء، لكن هذه القصص تشكل حافزاً لي لمواصلة الرحلة، ولكتابة شيء أفضل وأبقى وأكثر إمتاعاً.

س : بصمة أخيرة تضعها في مسك ختام هذا الحوار؟
ج: أتمنى أن أتمكن من إنجاز ما أصبو إليه من قصص تلوح لي بعض ملامحها، وتخطر لي في بعض أوقات التأمل والفراغ، غير أنها لا تزال متأبية على التمظهر في شكل واضح، أو أنها على الأصح ما زالت تؤجل لسبب أو لآخر لحظة التخلق والتجسد الفعلي على صفحة الكمبيوتر التي تنتظر لحظة الشروع في الكتابة، علماً بأن هذه اللحظة وما يليها من استنفار للمشاعر والأحاسيس، ومن تركيز لقوى الإدراك، تلعب دوراً كبيراً في تخليق العمل الفني وفي إضافة عناصر جديدة إليه لم تكن جلية ظاهرة في الذهن أو في الذاكرة حتى تلك اللحظة المباركة، وذلك هو سر من أسرار الخلق الفني ومن المؤشرات الأكيدة على عملية الإبداع.
المظلة/ إبداع ونقد/ موقع الكتروني
الأربعاء 4 / 11 / 2009
تاريخ الإدراج: 1 / 11 / 2010

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME