تماثيل

التماثيل المنصوبة على الجسر الكبير، استقالت من عملها في الساعة التي تغلق فيها المحلات التجارية أبوابها، ويعود الناس إلى بيوتهم متعبين.
الملك القديم خلع تاجه، نزل عن العرش، ومضى في الشارع مثل سائر خلق الله.


الغزالة تلفتت يسرة ويمنة، لتتأكد من خلو الشارع من الصيادين، وانطلقت فوراً إلى الغابة.
الرجل والمرأة اللذان كانا في عناق دائم، اتجها إلى موظف الاستقبال في بهو الفندق السياحي، وطلبا منه غرفة بأي ثمن.
الوحيد الذي بقي في مكانه، هو تمثال الأم التي ترضع طفلها، لأن الطفل نام، فلم تشأ أمه أن تعيد ثديها إلى داخل الثوب،كي لا ينزعج الطفل، ويستيقظ من رقاده اللذيذ.



رحلة

ترتدي جوربين رخيصين وتمضي.
منذ سنوات وهي تقطع الطريق نفسه مارة بقلب المدينة، حيث يتزاحم العمال في انتظار فرصة للعمل.
هذا الصباح، تنتابها برودة فاجعة، ظنت غير مرة أن ثمة دموعاً تتجمع في عينيها، تمرر إصبعها اليابسة فوق الجفنين فلا تعثر على شيء.
وتمضي، تهب ريح قاسية في الطرقات، يضطر العمال إلى رفع ياقات معاطفهم المهترئة، تحكم قبضة يدها فوق معطف باهت، كي لا تتسرب الريح إلى صدرها، إذ تكفيها البرودة التي تنمو في داخلها هذا الصباح.
وتمضي، لكن الجوربين ينزلقان فوق الساقين، تشفّ تجعداتهما الرخوة عن بؤس لا حدود له، تتوقف لحظة، تشد الجوربين إلى أعلى، ينظر إليها بعض المارة في إشفاق: إنها رحلة قاسية.
غير أنها تمضي إلى رغيف الخبز كعادتها منذ سنوات.



أشياء

لم يبق من راتبها الضئيل شيء، اشترت كعادتها كل شهر أدوية للرجل الذي ينام في البيت منذ سنوات. اشترت مريولاً مدرسياً للبنت، وبنطالاً ترتديه البنت تحت المريول. اشترت حلوى ودفاتر للأولاد، وبما تبقى لديها من نقود، اشترت لأول مرة منذ سنوات، كحلاً لعينيها ومساحيق وعطوراً لها رائحة ما، من بائع أعمى يقعي خلف صندوقه الزجاجي فوق الرصيف.


جنازة

الكهل النحيف ذو العنق الطويلة المضحكة، مات وهو يعتقد أنه عاش حياة صاخبة، لأنه منذ اشتغل ضارباً على الدف في الملهى الليلي، هزت أردافها على الدف تضربه يداه، سبع وأربعون راقصة، لكل واحدة منهن قصة لا يعلم أسرارها أحد سواه.
الكهل النحيف أيقن وهو يموت وحيداً في كوخه، أن راقصات الملهى لن يتخلفن عن حضور جنازته، وقد يلطمن خدودهن _ المليئة بالأصباغ_ وجداً عليه.
الكهل النحيف مات والراقصات مستغرقات في قيلولة ما بعد الظهر، تأهباً لليلة طويلة من الرقص المحموم، فلم يشارك في جنازته سوى حارس المقبرة، واثنين من عابري السبيل، وأربعة من أهل البر، وكلب الحي البائس ذي الذنب المقطوع.

حياة

المرأة الحامل، التي بقيت على وجه الأرض صدفة بعد أن حصد السلاح النووي كل شيء، ولدت طفلاً وسيماً، غير أنه في اللحظة التالية لولادته، وقعت ذرة من الإشعاع النووي فوق أنفه الصغير، فاستطال الأنف إلى درجة مريعة، مما يضطر الأم كل صباح إلى قطع ثلاثة آلاف ياردة سيراً على الأقدام، للوصول إلى طرف الأنف القصي، كي تغسله بالماء والصابون، ثم تعود لترضع الطفل حليب الصباح.

لغز

المرأة الشقية، التي دأبت منذ تسعة وعشرين يوماً على شطف درجات البناية ذات الطوابق الخمسة، وتنشيفها بالخرق البالية التي تحضرها معها من كوخها البعيد، قبل أن تطل عليها النسوة المتخمات من أبواب بيوتهن، بملابس النوم التي تشف عن أفخاذ متوقحة.
المرأة الشقية إياها، بارحت البناية في اليوم الثلاثين، بعد وصولها بدقائق معدودات، وقبل أن تستلم أجرها الشهري، كي لا تتهمها النسوة المتخمات بالسرقة، لأنها قبل أن تبدأ بشطف الدرج، أخذت تعده درجة درجة كما تفعل كل صباح، فإذا به – يا للمفاجأة – أربع وسبعون درجة بدلاً من خمس وسبعين.

اختطاف

أحضرت الحصان إلى غرفتها، ثم قيدته من قوائمه وربطت عنقه إلى ساق السرير، وأمرته أن يكف عن الصهيل كي لا يستيقظ الجيران، فتجأر حناجرهم بالصياح والغضب، أو تذهب بهم الظنون حد اتهامها بإحضار كائنات غريبة إلى غرفتها بعد انقطاع السابلة، وانطفاء الأضواء.
أذعن الحصان لرغبتها كما اعتقدت، ثم نامت مطمئنة فوق سريرها كما لم تنم منذ أجيال. استيقظت صباحاً فلم تجد أثراً للحصان ولا لسريرها الذي فرّ من تحتها تحت جنح الظلام.
حدث هذا لدهشتها البالغة، والباب ما زال موصداً من الداخل تماماً مثلما كان قبل أن ينام الحصان.

أرغفة

زنزانة ضيقة، ضوء باهر في السقف، بطانية ممزقة تفوح منها روائح كريهة. منذ أغلقوا عليه الباب الحديدي وهو يجيل النظر في ما حوله بفضول، ويلوب في مساحة مترين مربعين دون أن يهدأ أو يستقر.
قرب الركن، رغيف محشو ببعض قطع البندورة، يلمس الرغيف في حذر، يختلط سائل البندورة مع لبّ الرغيف: إنها لزوجة تثير الأعصاب. ثمة شخص آخر كان هنا. أين مضوا به؟ ولماذا لم يأكل طعامه؟
يحاول أن ينام، يؤرقه منظر الرغيف الصامت، والضوء المنبعث من مصباح السقف، يخفي الرغيف تحت السرير. يدفن رأسه تحت البطانية، فلا ينام لأن ثمة رغيفاً محيراً لا يبوح بأي كلام.
في الصباح، يحضرون له رغيفاً مشابهاً، يحاول أن يقضم من طرفه لقمة، لا يقوى على ابتلاعها. يتقيأها، يضع الرغيف تحت السرير. ثمة الآن رغيفان ورجل وحيد في الزنزانة.
ثم يأتون، يقتادونه إلى الخارج، والرغيفان يصغيان في ارتياب، ويتشممان مثل أرنبين مذعورين رائحة الخطر من وراء الباب.
في الصباح التالي. كان ثمة ثلاثة أرغفة وبركة دم على بلاط الزنزانة، ولا أحد فوق السرير.

الحكاية

تخرج من رطوبة البيت وفي يدها قفص الببغاء، تضعه فوق رفراف النافذة في شمس آذار البهيجة، ترش العلف على الأرض الملساء لطيور الحمام، تجمع البيض البلدي من قن الدجاج، دون اكتراث لصياح الديك، ثم تمضي إلى حيث تتجمع النسوة الشهوانيات، تروي لهن الحكاية إياها:
"كيف انحسر الثوب عن فخذها، وهي تصعد إلى ظهر الحصان، خلف زوجها الذي دعاها إلى الركوب خلافاً لكل تقاليد القبيلة، كيف أخفت فخذها عن الأعين المشبوبة، فيما زوجها الفارس يرخي لحصانه العنان، فينطلق عدواً في السهول الخصيبة، كيف دقت عنق الزوج الفتي، كيف رُضّ ساق المرأة الفضي، بعد أن سقطا عنوة عن ظهر الحصان".

حمّام

صاحب الحمام القديم، تأتيه النسوة الشابات من كل أحياء المدينة، يدخلن حمامه مقابل بضعة دريهمات، يتعرين في حمامه، يشهقن تحت الماء المندلق من الحنفيات، يتصايحن بدلال، يتراشقن بالماء، يقطعن الممرات اللزجة وهن في كامل عريهن، تترجرج أجسادهن دون حرج، يتمددن فوق البلاط الساخن في استرخاء تام.
ينهضن بعد وقت، يرددن بعض أغانٍ سمعنها من قبل في المذياع، يرتدين ملابسهن، يمشطن شعورهن، ثم يخرجن عائدات إلى بيوتهن باحتشام.
يحدث ذلك كله، وصاحب الحمام يجلس بتثاقل فوق كرسي من القش، يحتسي قهوته المرة، ويتبادل حديثاً باهتاً، مع بائع الصابون الذي لا يفارق مدخل الحمام منذ أعوام.

غرف

في الغرفة الأولى رجل وحيد.
في الغرفة الثانية امرأة وحيدة.
في الغرفة الثالثة رجل وثلاث نساء، في الغرفة الرابعة امرأة وثلاثة رجال.
في الغرفة الخامسة فراغ محير، في الغرفة السادسة طفل يبكي، في الغرفة السابعة قطة نائمة على فراش مهجور، في الغرفة الثامنة ملابس امرأة منعوفة على الكرسي وعلى طرف السرير. في الغرفة التاسعة مذياع صامت، مرآة مكسورة ورسالة متروكة على الطاولة.
في الغرفة العاشرة حارس، يتفقد الغرف التسع كل ساعة، يجد أبوابها مغلقة بإحكام، فيعود إلى غرفته مطمئناً إلى أن كل شيء، في الغرف التسع، على ما يرام.

رمح

وهما يغادران غرفتهما في الطابق الحادي عشر نحو باب المصعد. قالت (أو هذا ما اعتقد أنه سمعه ورآه): أين تمضي بهذا الرمح؟ وقف حائراً وهو يعرف أنه لا يمكن إدخاله في المصعد. قالت: اتركه هنا! المدينة آمنة ولن تحتاج إليه. تركه عند باب المصعد، ولم يكن راغباً في ذلك. هبطا نحو المدينة. سارا فوق أرصفة تظللها الأشجار. لحقت بهما إحدى عاملات الفندق، قالت وهي تقترب منهما لاهثة: يا سيدي، هذا رمحك أحضرته لك.
حمل الرمح ومضى إلى جانبها، والناس من حولهما يخلعون قبعاتهم احتراماً لهما، ربما لاعتقادهم أنهما قادمان للتوّ، من القرن الخامس عشر.
دار
ربط الفرس إلى جذع شجرة في ساحة الدار. توقع أن يخرج أهل الدار لاستقباله. لم يخرج أحد. تعكر مزاجه قليلاً. قال: ربما كان الرجل خارج الدار، وربما كانت المرأة تغتسل الآن في الحمام. قال: هل يعقل أن لا يكون لهما أطفال يخرجون لمجرد سماعهم حمحمة الفرس! (تحمحم، ربما من جوع أو من عطش، وربما لمجرد التسلي بشيء ما!) قال: ربما كانا عجوزين ولم يعد أحد من الأبناء يقيم معهما في الدار.
تأمل رمحه لأنه لم يجد شيئاً آخر يفعله. تذكر الأعداء الذين صارعهم وسالت دماؤهم على سن الرمح. عبرت رأسه فكرة شيطانية. قال: أكرّ على هذه الدار باعتبارها وكراً للأعداء فأهزم كل ساكنيها. دحر الفكرة لأن مظهر الدار ينم عن وداعة وحياد. قال: أغني بعض أغاني الحرب التي اعتدت ترديدها وأنا أصارع الأعداء. أهتف باسم حبيبتي دولثينيا لعل أهل الدار يسمعونني ويخرجون.
غنى ولم يخرج أحد للاستفسار منه عن مراده. قال: كل ما أريده رغيف خبز لي وقليل من الشعير للفرس وشربة ماء. هتف باسم حبيبته حتى بح صوته، ولم يخرج أحد من أهل الدار.
أخيراً، لم يجد بداً من الدق على الباب. خرجت له فتاة حافية يتناثر شعرها على صدرها وكتفيها، ومن خلفها شاب في عينيه قلق واستفسار. قال للفارس: نحن نقضي هنا أول أيام عرسنا، فماذا تريد؟ اختلج الفارس وقال: جئت لكي أبارككما.
مرّر كفه على رأس الفتاة وعلى رأس الشاب، ثم مضى على صهوة فرسه وهو يرفع يده بالتحية والإعجاب.

فسيفساء

عدت إلى المدينة بعد غياب. مشيت في الشوارع التي عرفتها من قبل، لم تعرفني الشوارع ولا الأرصفة. تنقلت من مقهى إلى آخر ومن مطعم إلى آخر. ثمة نادلات جميلات هنا، للنادلات نظرات متشككة في كل شيء تقريباً. لم تعرفني المقاهي ولا المطاعم ولا النادلات.
الوحيدة التي عرفتني وعرفتها، لوحة تطل من الحائط الداخلي لمطعم "البئر الذهبية"، اللوحة مكونة من قطع صغيرة من الفسيفساء، وهي مستوحاة من أجواء ألف ليلة وليلة، يظهر فيها السلطان الوقور جالساً على مقعده الوثير، وأمامه تقف جارية وهي تقدم له كأس الشراب، وبالقرب من قدمه اليمنى يقعي كلب ودود. والمرأة الخمسينية التي اعتادت استقبال زوار المطعم ( تحت اللوحة تماماً)، لم تعد هناك.
غبت عن المدينة خمس عشرة سنة ثم عدت لأرى كيف أصبحت بعد هذا الغياب. هنا كتب كثيرة بلغات شتى وصحف ومقاهي إنترنت، لم تكن موجودة من قبل. هنا كازينوهات وعصابات مافيا ومجمعات تجارية ضخمة على النمط الأمريكي، لم تكن موجودة من قبل. هنا كل شيء يتغير. اللوحة التي عرفتها وعرفتني لحقها بعض التغيير أيضاً، أو هذا ما اعتقدته: فالسلطان ما زال جالساً كما عهدته على مقعده الوثير، والجارية ما زالت واقفة أمامه تقدم له كأس الشراب، أما الكلب فقد تزحزح قليلاً عن موقعه، وصار أقرب إلى قدم السلطان.

فستان
اجتزت الغابة الصغيرة، وجلست على الطرف الأيسر للمقعد المخصص للمتنزهين. قالت المرأة الجالسة على الطرف الأيمن للمقعد: أنت تجلس على فستاني، ارفع جسمك قليلاً. كنت أجلس على خشب المقعد، والمسافة الفارغة بيني وبينها تزيد عن متر ونصف المتر، ومع ذلك، لم أشأ أن أعقّد الأمور بيننا.
أنا رفعت جسمي قليلاً، وهي في اللحظة نفسها راحت ترفع الفستان.

تاريخ الإدراج: 22 / 10 / 2010

Previous article - Next article Printer Friendly Page Send this Story to a Friend 


_NW_BOOKMARK_ME